آخر تحديث:01:14(بيروت)
الجمعة 28/06/2019
share

من يُقرض لبنان؟ من يتحمّل المخاطر؟

عصام الجردي | الجمعة 28/06/2019
شارك المقال :
من يُقرض لبنان؟ من يتحمّل المخاطر؟ حوافز الفائدة المرتفعة لشراء المخاطر لم تعد مغرية للمصارف اللبنانية والمستثمرين (الأرشيف)

النظام السياسي ما عاد قادراً على الإستدانة. وليس من يقرضه. شراء المخاطر بالفوائد ما عاد ينفع وبهُت. جاء وقت أصل الدَين الآن. عُتاة النظام السياسي من أصحاب الأعمال والمؤسسات، الذين تعززت مواقعهم بعد الانتخابات النيابية وفقاً لأسوأ قانون انتخاب مذهبي وطائفي، يعلمون أصول الدين وقواعده. ولا يديرون مؤسساتهم بالعقلية والأسلوب اللذين يديرون بهما الدولة ومؤسساتها. أن تفي بفوائد الدين في مواعيدها عملٌ متوجب الإداء. أن تتوغل في الدين لمجرد سداد الفوائد في مواعيدها، مسألة فيها نظر. أمّا أن تصل إلى حدّ طلب الإستدانة بفوائد مخفوضة، وتركّب مخاطر على مصدر الدين، فحقّ للدائن أن يسأل عن أصل الدين. هذه هي الحال في الإصدار المطلوب بإلحاح من الحكومة بواقع 11 تريليون ليرة لبنانية بفائدة 1 في المئة، لخفض العجز في موازنة 2019 إلى نحو 7.6 في المئة.

هندسات مالية غير تقليدية
ارتفعت الحواجز في وجه تمويل الدولة. اقتربنا من المحظور. المصارف هي التي تتحمل مسؤولية استثمار ودائع المواطنين وغير المقيمين، وضمانتها أصلاً وفائدة حين الإستحقاق. وقد استخدمت هامش المناورة إلى الحدود القصوى. وكان مصرف لبنان واضحاً بعدم الضغط عليها لاستجابة الإصدار التريليوني بفائدة 1 في المئة. لكنه ما زال يتفاوض معها للتوصل إلى صيغة بالاتفاق مع وزارة المال لإخراج الإصدار عبر هندسات مالية غير تقليدية، باتت على رادار صندوق النقد الدولي، ووكالات التصنيف ودول مؤتمر سيدر. وتفيد المعلومات أن بعثة صندوق النقد الدولي الموجودة في بيروت لإعداد التقرير السنوي، أبلغت حاكم مصرف لبنان رياض سلامة موقفها المتحفظ جداً عن قدرة مصرف لبنان على الإستمرار في هندساته المالية، وتأثيرها المباشر على ميزانيته واحتياطه الصافي من العملات الأجنبية. وعلى سياسة تثبيت سعر الصرف. أسوأ الخيارات أن يضطر مصرف لبنان إلى طبع النقد ليستجيب الإصدار.

وتقتضي الأصول أن يوافق مجلس النواب على المادة المتعلقة بهذا الإصدار في قانون الموازنة. وأن يحدد مصرف لبنان ليس حجم نمو الكتلة النقدية بالليرة نتيجة الإصدار وحسب، بل وسائل السيطرة عليها للحد من مفاعيلها التضخمية من جهة، وكي لا ترتد طلباً على العملات الأجنبية من جهة أخرى. آن الأوان كي يتحمّل مجلس النواب مسؤوليته في الملف المالي ووضع ضوابط للسياستين المالية والنقدية كما يحصل في كل دول العالم. بما في ذلك التي تتمتع بها المصارف المركزية بالاستقلال عن السلطة التنفيذية. الواضح إننا أمام هندسة مالية جديدة، قد تنخرط فيها المصارف طوعاً. تقاسم الأعباء بين وزارة وبين مصرف لبنان بأي ثمن من خلال نقل الدين الجديد إلى مصرف لبنان، ستكون نتيجته واحدة. الضغط على الإحتياط الصافي لمصرف لبنان. وحجب تحويل الأرباح المفترضة من مصرف لبنان إلى الخزانة بواقع 80 في المئة، حسب قانون النقد والتسليف. ومصرف لبنان يحقق خسائر من هذه العمليات.

اليوروبوندز وسحر الفوائد
لذلك، لن يكون خيار المصارف سهلاً بين الحوافز التي يمكن أن يوفرها الإصدار متى قررت الإكتتاب به، وبين الضغط على تصنيفها الائتماني الذي له تكلفته هو الآخر مادياً ومعنوياً. فالسفينة الواحدة التي صعدت المصارف على متنها بالإشتراك مع وزارة المال ومصرف لبنان التي يقودها سلامة، سيُكتب عليها مواجهة المزيد من الأنواء والعواصف. لكن الأهم إلى أين؟ وبوصلة البحّار تتلمّس دليلاً إلى برّ الأمان. النمو الراكد سيصعب مهمة الوصول بالموازنة إلى العجز المستهدف. بعد أن قدّره حاكم مصرف لبنان بصفر في النصف الأول من 2019. يعني أن الأمر لم يعد يتعلق حصراً بخفض النفقات والبحث عن إيرادات حتى لو تحقّقت على الورق.

واضح أيضاً، أن وزارة المال بالتنسيق مع مصرف لبنان ألغت موقتاً إصدار يوروبوندز بنحو 3 مليارات دولار أميركي كانت تنوي المباشرة بطرحه في الأسواق في نيسان الماضي. أو أرجأت الإصدار إلى حين تحسن قابلية الأسواق. هذا ما يفهم من تصريح سلامة أدلى به قبل يومين. الأمر الذي يجعل من الإصدار الضخم بالليرة لازمة وحاجة ماستين. سلامة أقرّ بصعوبة نجاح إصدار اليوروبوندز. هذه إشارة أولى من السوق إلى أن حوافز الفائدة المرتفعة لشراء المخاطر لم تعد مغرية للمصارف اللبنانية والمستثمرين. بصرف النظر عن جنسيتهم وحصتهم في هذه الإصدارات طالما هي مدرجة في الأسواق الخارجية. ويعتقد أن حصة المستثمرين الأجانب في اليوروبوندز اللبنانية قد تراجعت بقوة وتقترب أن تكون رمزية بعد موجة بيوعات في الأسواق الخارجية بدأت في 2017، واستمرت في 2018 و2019 نتيجة تأخير تشكيل الحكومة لفرض تمثيل عدد من النواب ينتمي أصلاً إلى تكتلات نيابية استجمع عابراً المحافظات بمسمّى "اللقاء التشاوري" وتبخّر بعد قيام الحكومة. يحصل في لبنان! كانت الأسواق تستجيب الإصدارات بأكثر مما يطلبه لبنان. وكنا نغتبط لذلك علامة ثقة. بينما الحقيقة أن "سحر الفوائد يفتن الألباب". وقد أصبحت الآن توقظ الهواجس.

مواجهة الاعتراضات
إسقاط الديون المتوجبة الإداء من موازنة 2019 للمستشفيات بنحو مليار دولار أميركي كما تقدرها نقابة أصحاب المستشفيات، وبمئات الملايين لمتعهدي الأشغال والمقاولين، ونحو ملياري دولار أميركي للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، سيضع مزيداً من الحواجز في وجه المواطنين للوصول إلى المستشفيات وتلقي العلاج على نفقة وزارة الصحة. وسيزيد من المخاطر على تعويضات نهاية الخدمة في الصندوق وعلى مركزه المالي. ويترك المتعهدين عرضة للمتاعب مع الديون المستحقة عليهم للمصارف.

ينتقل النقاش إلى قدرة الحكومة على تنفيذ الخفوض المصمّمة في مشروع قانون الموازنة. وعلى مواجهة حملة الإعتراضات الواسعة عليها، أكان من طرف العسكريين المتقاعدين الذين يصعدون احتجاجاتهم، أم من أساتذة الجامعة اللبنانية وفئات واسعة من العاملين في القطاع العام. من سيقنع دول سيدر بالموازنة وجدّيتها وخفض العجز في غياب الاصلاحات؟ الإيرادات ليست مضمونة ما دام القرار المتعلق بقفل طرق التهريب على الحدود اللبنانية السورية يواجه عقبات. والحكومة تعتبر قَفل المعابر غير الشرعية "إصلاحاً" تقدمه لدول مؤتمر سيدر! بينما لا يتعدى الأمر تطبيق القوانين، ومَعلم سيادة دولة على أراضيها ومنافذها، لوضع حدّ لمنظومة سياسية نافذة في لبنان وسوريا تتولى التهريب. مع ذلك هذا "الإصلاح" عصيٌ عن التنفيذ رغم قرار صادر عن مجلس الوزراء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها