آخر تحديث:00:26(بيروت)
الإثنين 10/06/2019
share

وكالات التصنيف العالمية: مصلحة زبائنها قبل مصلحة اقتصادنا

علي نور | الإثنين 10/06/2019
شارك المقال :
وكالات التصنيف العالمية: مصلحة زبائنها قبل مصلحة اقتصادنا تهتم الوكالات أولاً بمصلحة المستثمرين وحملة سندات الدين (Getty)

من المنطقي اليوم أن ينتظر الجميع في لبنان إشارات وكالات التصنيف الائتمانيّة العالميّة، والمؤسسات الماليّة العالميّة، لتقّلف توقّعاتها ونظرتها المستقبليّة، في ظل الأزمة والطروحات التي تقدّمها السلطة لمعالجتها. فمعظم وسائل الإعلام تفتقد في هذه المرحلة التحليلات العلميّة الماليّة المتقدّمة، التي تحتاجها الأسواق، بينما تتسم معظم التصريحات الرسميّة إمّا بالعموميّات السطحيّة، التي تهدف إلى طمأنة الأسواق، أو بالسجالات التي تهدف إلى تسجيل النقاط في مرمى الخصوم. وهو ما يجعل من هذه الوكالات والمؤسسات، برأي كثيرين، آخر مصدر لآراء علميّة يمكن الركون إليها، لأخذ صورة عن الوضع.

توصيات علمية؟
في الواقع، لا تبخل مؤسسات التصنيف الدوليّة علينا بآرائها في الاستحقاقات المختلفة، ولا تبخل المؤسسات الإعلاميّة المحليّة بدورها في عرض هذه التحليلات، بصفتها توصيات علميّة منزلة، دون إخضاعها للحد الأدنى من المراجعة والنقد. لكن ثمّة ما هو أهم من الدور الإعلامي هنا. إذ تملك هذه الوكالات أثرها الكبير على الوضع المالي، سواء عبر التصنيفات التي تضعها للمؤسسات الماليّة المحليّة وسندات الدين السيادي، أو حتّى عبر دراساتها وتقاريرها التي تنشرها كل فترة. خصوصاً كون أسعار سندات الدين السيادي ومعدّلات الفائدة الممنوحة عليها تتأثّر بشكل كبير بهذه التصنيفات. وهو ما يعني أنّ هذه التصنيفات لها أثر مباشر على كلفة خدمة الدين العام اللبناني وميزانيّة الدولة وغيرها من المؤشّرات الحسّاسة. كل ذلك يعطي هذه الوكالات عضلات مؤثّرة في السوق، ما يجعلها لاعباً أساسياً في توازناته، لا مجرّد مراقب يصدر التوقّعات. وهو ما يبرّر طبعاً الاهتمام المحلّي بما تقوله هذه الوكالات، من دون أن يبرّر طريقة التعاطي مع ما تقوله.

فالمسألة الأهم هنا هي أن التعاطي محليّاً مع توصيات هذه الوكالات، يتم بوصفها وكالات علميّة محايدة، تحلل وتوجّه بشكل غير مباشر حسب مصلحة الأسواق والاقتصاد على المستوى المحلّي.. في حين، تملك هذه الوكالات أجندات خاصّة تعبّر - وبشكل منطقي- عن مصلحة أطراف محدّدة من المستثمرين وحملة سندات الدين (وهم عملاء هذه الوكالات بالمناسبة)، وهو ما لا يتطابق تلقائيّاً مع مصلحة الاقتصاد المحلّي ككل، أو حتّى مصلحة الدولة في إدارة ميزانيّتها. تعكس هذه الحقيقة بشكل واضح جدّاً التقارير الأخيرة لهذه الوكالات، وهو ما يفرض اليوم طريقة تعاطي مختلفة أمام الرأي العام مع نتائج هذه التقارير وأولويّاتها.

موديز: اقتطعوا المزيد من الأجور؟  
لعلّ أبرز مثال على توجّهات هذه الوكالات وآراءها، هو طريقة تعاطيها مع مشروع قانون الموازنة الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النوّاب. موديز، على سبيل المثال، استنتجت أنّ ما تم الاتفاق عليه في مجلس الوزراء غير كاف لإحداث تغيير في مسار الدين العام اللبناني، وعززت ذلك بحجج كافية من ناحية الأرقام والنسب. وعمليّاً، لا يحتاج أي شخص إلى كثير من البراهين للدلالة على عدم كفاية إجراءات الموازنة من هذه الجهة، لكن الأهم هنا هو طبيعة النقد الذي قدّمته موديز إلى هذه الإجراءات وخلفيّة هذا النقد.

فمثلاً، لحظت موديز انخفاض نسبة أجور القطاع العام من الناتج المحلّي الإجمالي من 10.6 في المئة سنة 2018 إلى 9.3 في المئة في الموازنة، وهو ما يخفّض من الزيادات المتراكمة في السنوات الأخيرة، حسب الوكالة. لكنّ موديز هنا عبّرت عن قدم اقتناعها بقدرة هذا الإجراء وحده على خلق مسار معاكس في المستقبل، ما لم يتم إتباعه بمزيد من الاقتطاع في نفقات هذا البند في السنوات المقبلة. وبشكل واضح، يعني هذا الكلام أن الوكالة غير مقتنعة بمستوى الكلفة التي تحمّلها موظّفو القطاع العام في إطار الإجراءات التقشّفيّة حتّى الآن.

هذه الرغبة في زيادة التقشّف في بند الرواتب في المستقبل، قابلها امتعاض غير مباشر من بند رفع معدّلات الضريبة على فوائد الودائع وسندات الدين العام من 7 في المئة إلى 10 في المئة، إذ اعتبرت الوكالة أنّ هذا الإجراء من شأنه الضغط على ربحيّة المصارف في السنوات المقبلة. مع العلم أنّ الحسابات تظهر أنّ ارتفاع نسب الفوائد على الودائع وسندات الدين خلال الفترة الماضية، يوازي أضعاف هذه الزيادة المحدودة في الضريبة، لا بل يمكن رفع هذه الضريبة إلى ثلاثة أضعاف النسبة الحاليّة من دون أن تقل نسبة الأرباح من الفوائد اليوم عن نسبة الأرباح الممنوحة وفق الفوائد منذ سنة.

في الواقع، كانت الوكالة نفسها قد أصدرت تقريراً قبل أسبوعين، خصصته لانتقاد خطوة إصدار سندات دين بفائدة 1 في المئة، التي أعلن عنها وزير المال في ذلك الوقت. فالوكالة اعتبرت أنّ هذه الخطوة ستضغط بشكل مباشر على ربحيّة المصارف، من دون أن تؤدّي عمليّاً إلى عكس مسار الارتفاع في الدين العام. وهو ما يعبّر بشكل واضح عن امتعاض الوكالة من أي مساس بالجزء المخصّص لخدمة الديون في الميزانيّة العامّة.

أجندة حملة سندات الدين
من المنطقي أن تعبّر وكالات التصنيف عن مصالح المستثمرين من حملة الدين السيادي، وهو ما يدفعها على الركيز على إجراءات التقشّف، الكفيلة بزيادة المساحة المخصصة لخدمة الدين في الميزانيّة العامّة، وخفض المخاطر المرتبطة بهذه السندات. وفي الوقت نفسه، تندفع هذه الوكالات إلى التحذير بشراسة من أي مساس بحصّة خدمة الدين من الميزانيّة، وهو ظهر بوضوح حين قامت في بداية السنة بتخفيض تصنيف لبنان الائتماني كرسالة واضحة، إثر الحديث عن إعادة هيكلة جديدة للدين العام.

لا يُعد هذا اتهاماً لهذه الوكالات، التي يقوم دورها تحديداً على تصنيف درجة المخاطر المرتبطة بالسندات ونصح المستثمرين إزاء سلامتها. وهي تقوم بهذا الدور على أكمل وجه. لكنّ ما هو مطلوب اليوم من جهة اللبنانيين هو التعاطي مع استنتاجاتها وتوجيهاتها غير المباشرة بهذه الصفة. أي في كونها استنتاجات تعبّر عن وكالات معنيّة بحماية مصالح هذه الفئة، لا بوصفها تقارير تراعي المصلحة الاقتصاديّة المثلى للبنان والقطاعين العام والخاص.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها