آخر تحديث:01:26(بيروت)
الخميس 09/05/2019
share

متلازمة الدولة الفاشلة

عصام الجردي | الخميس 09/05/2019
شارك المقال :
متلازمة الدولة الفاشلة الدولة الزبائنية الفاشلة لا تريد تطبيق القوانين (Getty)

محفظة مليارية جديدة بالليرة اللبنانية سيؤمنها مصرف لبنان للحكومة بفائدة رمزية. لا نعلم ما إذا كان ستتفرع منها هندسة دولارية لاحقاً، من إصدار بالدولار الأميركي يحول إلى مصرف لبنان، لتعزيز ذخيرة الدفاع عن سعر الصرف. لم تعد أخبار السوء تهزنا. فقد دهمت الأزمة. والخروج منها بالتي كانت هي الداء.

الفوائد والسوق
الفوائد على إصدارات مصرف لبنان والمصارف مفتوحة على علاوة مخاطر الدولة اللبنانية. الفوائد بنية متكاملة وأثرها المباشر كذلك هو الآخر. لنلق نظرة إلى المريض المصاب بالإشتراكات. أو متلازمة الدولة الفاشلة. في سوق حرة الفوائد صنيعة السوق. تتراجع في ظل استثمار نشط، ونمو حقيقي متين ومستدام غير مثقل بعوامل التضخم، وعائد مربح على التوظيفات المنتجة، وعملة مستقرة، وتوازن نسبي في الموازنة ومركز الدولة المالي. كلها عوامل تحمل المستثمر على التوظيف في الاقتصاد وفي فرص العمل والقيمة المضافة. وتحشد المدخرات الوطنية الملازمة الاستثمار في الإتجاه نفسه. ولبنان على النقيض تماماً، وليس نموذجاً يحتذى في هذا المجال. فهو نموذج الريوع، والنمو الراكد، والعملة المستقرة بالوسائل المصطنعة عالية التكلفة. وبطالة فوق 30 في المئة، وعجز ودين قياسيان. فوقهما أولاً وأخيراً، بهوت الدولة وسلطة الدستور والقانون وليس على وجه الحصر.

في ظل مخاطر البيئة السياسية والاستثمارية، وحاجة الدولة الماسة إلى تمويل العجز وتراكم الدين، الموجه في معظمه إلى نفقات من طبيعة جارية على الأجور والفوائد وليس على الاستثمار، تنتعش الفوائد وتبطل السوق هي المحددة أسعارها. في العامل المتعلق بفوائد الدولار الأميركي، وأثره على اقتصاد مدولر ودائع وتسليفات واستهلاكاً واستثماراً كاقتصادنا، نلحظ أن معدلات الفوائد على الدولار وغيره من العملات الرئيسة كانت قريبة من الصفر ونحو 2 في المئة تجارياً منذ 2009. أي منذ سنوات عشر بقرارات من مجلس الإحتياط الفدرالي والمصرف المركزي الأوروبي، لمواجهة الركود القاسي بعد الأزمة المالية 2008. متلازمة الدولة الفاشلة كانت عاجزة عن استثمار خفض الفوائد الدولية في تلك الحقبة الطويلة زمنياً. وقد كان لدينا الوقت الكافي لتعديل نموذج الريوع الاقتصادي، وخفض عجز الموازنة، وإدارة حصيفة للدين العام ولم نفعل. خصوصاً أن لبنان في تلك الحقبة تمتع بميزتين مساعدتين في السبيل المذكور. معدل نمو مستدام بمتوسط نحو 7.5 في المئة منذ 2007 حتى2010. وحجم تدفقات نقدية خارجية تراكمية في الفترة 2006 – 2010 57 ملياراً و729 مليون دولار أميركي. أتاح ذلك تحقيق ميزان المدفوعات 19 ملياراً و530 مليون دولار أميركي فائضاً صافياً غير مسبوق، بعد تمويل عجوز الميزان التجاري توالياً في السنوات المشمولة بالأرقام. وجاء الدفق النقدي رغم نتائج حرب تموز 2006 المدمرّة، بفعل المساعدات التي تلقّاها لبنان من دول الخليج العربي. ولعبت التحويلات من التزامات الدول العربية والأجنبية في مؤتمر  باريس 3 مطلع 2007 دوراً هي الأخرى في التدفقات النقدية وفائض ميزان المدفوعات. علماً، أن بياناً رسمياً لم يصدر حتى الآن بمقدار التحويلات التي تسلمها لبنان فعلياً من تلك الإلتزامات التي لم تصل بكاملها. ولا بالدول التي وفّت أو الأخرى التي نكلت.

إنفاق الدولة
مرة أخرى متلازمة الدولة الفاشلة. مقرر سعر الفوائد لدينا كان يعتمد على شهية الدولة المفتوحة على النفقات الزبائنية لتمويل العجز بمزيد من الدين. من الطبيعي جداً أن تكون الفوائد على سندات الخزانة قاعدة الفوائد التجارية لمحركي الاقتصاد، الاستثمار والإستهلاك. فحين تكون الدولة هي العميل فلا منافس لها. كانت المصارف خلال حرب الخمسة عشر عاماً وما بعدها، تصنف دين الدولة في خانة المخاطر الصفرية، لكونها تسلَف في الواقع العلم اللبناني والخزانة العامة. وكانت تحتسب سندات الدولة سيولة جاهزة لديها إن احتاجت اليها في أي ظرف من الظروف. وفي الأسوأ مستعدة لدفع سعر حسم يقرره مصرف لبنان. بينما بالغاً ما بلغت صدقية المستهلك والمستثمر الإئتمانية، فكلاهما عميل من الدرجة الثانية. وعليهما تحصيل حاصل، تقبُل هامش فوائد تجارية على تسليفاتهما أعلى من فوائد سندات الخزانة.

ولأن هذا النموذج يحتاج دائماً إلى تدفقات نقدية مستدامة لإشباع غريزة إنفاق الدولة الزبائنية الفاشلة، كان لا بدّ من رفع الفوائد لاجتذاب المزيد من الودائع إلى الجهاز المصرفي لاسيما بالعملات الأجنبية. من أدار هذه العملية كان مصرف لبنان. فهو مصرف الدولة والقطاع العام بموجب قانون النقد والتسليف. وعلى كتفه سياسة تثبيت سعر الصرف والإستقرار النقدي. وكان عليه من باب أوْلى طالما يتمتع باستقلال عن السلطة السياسية (وليس عن دولة لبنان) أن يحذّر الحكومات قبل 2017 كما فعل، بالمسار الخطر للعجز والدين العام. ويرفض متسلحاً بالقانون نفسه، أن تستسهل الحكومة طبع المال وضخّ سيولة مناوئة لسعر الصرف والإستقرار النقدي. ولم يفعل. طرأت عوامل أربعة هيكلية حدّت من قدرة النموذج المالي – النقدي والاقتصادي على بلوغ مصادر التمويل. وصول العجز والدين العام مرحلة الخطر الشديد. تراجع نمو الودائع والتحويلات الخارجية. نمو اقتصادي قرب الركود سنوات خمس توالياً. خفض تصنيف الدولة السيادي إلى درجة C قرب الدين غير القابل السداد. تلك العوامل دفعت أسعار الفوائد إلى حدود غير طبيعية.

لا تطبيق للقوانين
وجد الكل نفسه في قاع الأزمة بمتلازمة الدولة الفاشلة. خفض الفوائد على دين المصارف يحفّز التحويلات إلى الخارج ويخفض الودائع. ويضيّق سبل تمويل الدولة. تمويل موازنة 2019 باقتطاع مكاسب من معاشات المتقاعدين، وعلاوات الشهور الإضافية لموظفي مؤسسات في القطاع العام، لا تتحمله دولة بهذه الهشاشة تعجز عن جباية ضرائبها. وتقدم هدايا للمتهربين من دفع الضريبة فتعفيهم من الغرامات. وكأنها تقول للمكلفين الذين يسددون ضرائبهم أن "تخلفوا عن سدادها ولا تأبهوا"! بدلاً من أن تحيلهم إلى القضاء، وتنفذ مندرجات الدستور والقوانين، وتحرمهم من براءة الذمة لزوم معاملاتهم. وتحجز على أموالهم وممتلكاتهم عِبرة لمن يعتبر. نحن استننا قانوناً (فاتكا) رغماً عن أعناق "سيادة لبنان"، لحماية مكلّف الضريبة لخزانة دونالد ترمب. القوانين موجودة عندنا. التهرب الضريبي كما الإحتيال وسوء الأمانة، تبييض أموال. ومشمول بقانون العقوبات أيضاً. الدولة الزبائنية الفاشلة لا تريد تطبيق القوانين. هل نقول لماذا ونشرح؟ أيها التماسيح، الناس تشتمكم صباح مساء. وأنتم تتبخترون طواويس تافهة منحطّة أخلاقياً وسياسياً. على جثة وطن لا تستحقون الإنتماء اليه. كانوا يقولون لنا متبرمين من انتقاد سياساتهم إنظروا إلى نصف الكأس المليئة. فرغ النصف الآن. لم يبق سوى مضغ الزجاج!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها