آخر تحديث:00:39(بيروت)
الإثنين 06/05/2019
share

كيف يستقل مصرف مركزي عن الدولة؟

عصام الجردي | الإثنين 06/05/2019
شارك المقال :
كيف يستقل مصرف مركزي عن الدولة؟ يحمل رياض سلامة مفتاح قبو أسرار النظام السياسي وامتيازاته (أ ف ب)

لم يجهر أحد من المسؤولين بعد باتجاه للحد من استقلال مصرف لبنان وصلاحيات حاكم المصرف في تسيير أعماله، كما خولّه إيّاها قانون النقد والتسليف والمراسيم الإشتراعية المتممة للقانون. وهي الأوسع، ولا يوجد مثيلها في كل قوانين المصارف المركزية في العالم. وزير المال علي حسن خليل نفى أن تكون هناك نية لتغيير العلاقة بين وزارته وبين مصرف لبنان. مع ذلك، بدأت حملة اعتراض واسعة من كل القنوات التلفزيونية ومعظم الصحافة تحذر من المساس بـ"المؤسسة الوحيدة الباقية" وبحاكم المصرف رياض سلامة.

المشهد الفظيع
قبل استقلال مصرف لبنان وحاكمه وصلاحياته، فمشروع موازنة 2019 كشف لبنان على الدولة الفاشلة والنظام السياسي الزبائني الفاسد. المشهد فظيع في دلالاته. مطلوب خفض العجز بنحو ثلاثة في المئة. طريق ذلك، بخفض النفقات وزيادة الإيرادات. قبل أن نصل إلى المناقشات في مجلس الوزراء، نصل إلى اعتمادات الوزارات والوزراء. هناك خلاف على كل جوانب خفض النفقات. إلاّ على خفض الرواتب والتقديمات لموظفي القطاع العام. اعتقدت الحكومة (بالمعنى الأشمل، رئاسة جمهورية ومجلسا الوزراء والنواب) أن هذا الخفض سهل ومتاح. كان رد الفعل الأول من العسكريين المتقاعدين، ألوية وعمداء وما دون، مدعومين من مؤسسات الجيش والقوى الأمنية وفروعها. أي من الذراع التي استخدمتها الحكومة وتستخدمها لقمع "عناصر الشغب والمعتدين على الأملاك العامة والخاصة ومشوهي سمعة الوطن"! لحق بهم موظفون في قطاعات ومصالح مستقلة، لها تأثير مباشر على الخدمات العامة لم يظهر بعد. لكن النتائج المالية تحققت فور الإضرابات والاعتصامات في المرفأ والكهرباء والمياه وغيرها. المشاريع الكبيرة خصوصاً الكهرباء وأخرى لمتعهدين مقيمين في مجلس الإنماء والإعمار، وصفقات التراضي والإيجارات العامة، وأملاك الدولة، وغيرها بلا تفصيل ممل، لم تصدر إشارة واحدة إلى أن الحكومة ستتبع في شأنها مساراً جديداً ينطبق فقط مع القوانين والرقابة وأصول إجراء المناقصات. وفي جانب الإيرادات، بقي ركنها الأساسي المتمثل بالتهرب الضريبي ومن الرسوم والتهريب عبر الحدود اللبنانية – السورية لا شيء. وهو لوحده بحجم عجز الموازنة. لم يقرب مجلس الوزراء الخطوط الساخنة تلك. يتفجّر من داخله. الغلبة لأصحاب الأعمال في المجلس ومعظمهم من مكلفي الضريبة. الإستعصاء الذي وجدت الحكومة نفسها في مواجهته، لكون خفض النفقات وزيادة الإيرادات يقعان في الضرورة وفي وقت واحد مع اجتثاث الفساد والصراع على الإمتيازات والتنفع من القطاع العام والموقع السياسي. دهم الوقت ودول مؤتمر سيدر في الإنتظار.

حاكم المصرف ومفتاح الأسرار
وصل الوضع إلى مصرف لبنان. رغم اعتقادنا بصعوبة إضراب مفتوح في المصرف، ومفتاحه في يد سلامه، بدت رغبة الحكومة للاقتطاع من رواتب الشهور الإضافية الستة عشر لا سهلة ولا متاحة إلاّ بقرار من سلامة، وبضغط من الحكومة. علماً، إن الإضراب ليس غير مسبوق في المصرف. تكرر أكثر من مرة في سبعينات القرن الماضي حين كان غبريال خوري مديراً للمحاسبة ورئيساً لنقابة موظفي المصرف ورئيساً للاتحاد العمالي العام. لكنه كان يحصل لساعات محدودة في حالات الإضراب العام على مستوى لبنان. نعم، لو مسّ قانون الموازنة بمكاسب موظفي مصرف لبنان، وبالطبع سيشمل رواتب الحاكم ونوابه ولجنة الرقابة على المصارف وآخرين، يشكل خرقاً لاستقلال مصرف لبنان المالي عن الحكومة مغطى بقانون وسيكون الأول من نوعه.

من المشكوك فيه أن تبلغ أزمة النظام السياسي في سياق انكشافه على المخاطر المالية إلى استقلال مصرف لبنان وحدود علاقته بالدولة وبوزارة المال. وبحجم الصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها حاكم المصرف بموجب قانون النقد والتسليف. فمصرف لبنان لا يخضع لهيئات الرقابة. من ديوان المحاسبة، والتفتيش المركزي، ومجلس الخدمة المدنية، ونظام الموظفين في القطاع العام. ولا تمرّ مناقصاته ومشاريع أبنيته في المركز والفروع، ومشتريات لوازمه من خلال إدارة المناقصات. إلى ذلك، فحاكم مصرف لبنان يرأس هيئة الأسواق المالية والهيئة الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. حاكم مصرف لبنان يحمل مفتاح قبو أسرار النظام السياسي وامتيازاته. إليه تحول أموال الخزانة ومنه تحول أموال المشاريع العامة والمصالح المستقلة.

استقلال المصارف المركزية ضروري. والاستقلال ضروري إنما عن السلطة السياسية وليس عن الدولة اللبنانية. فجنوح السلطة الحكومية نحو مصالحها الحزبية الضيقة وأهدافها الأيديولوجية، والأمر يحصل حتى في دول محكومة بالدستور والقوانين، ليس وصفة ناجعة لطبيعة دور المصارف المركزية وأهدافها في استقرار أسعار الصرف، وكبح التضخم، ومعدلات الفوائد وتوفير أرضية محفزة للنمو مولدة لفرص العمل. بالإضافة إلى صيانة القطاع المصرفي من خلال اللوائح التنظيمية لمعايير السلامة والرقابة وأدوات الضبط وخلافها. بيد أن استقلال المصارف المركزية لا يعني أبداً، استقلاله عن سياسة الدولة العامة. لكن هل يعني الاستقلال عن الدولة اللبنانية؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها