آخر تحديث:00:17(بيروت)
الإثنين 27/05/2019
share

كشفتكم الموازنة.. لا خلاص بوجودكم

عصام الجردي | الإثنين 27/05/2019
شارك المقال :
كشفتكم الموازنة.. لا خلاص بوجودكم الحفر في الهوّة الاجتماعية والأزمة المعيشية إلى حد المهانة (علي علّوش)

سيقر مشروع الموازنة في مجلس الوزراء. وسيتبارى أركان السلطة بأفضالهم على العباد والبلاد! "خفضنا 7.5 في المئة عجز الموازنة. لم يدعونا نخفض المزيد". يرد آخر، "نحن تحفّظنا لكن لا نريد العرقلة".. إلى آخر التصريحات السمجة لكسب تأييد الأغبياء والزبائن.

في التهرب الضريبي
هناك نحو 5 مليارات تهرب ضريبي. ضرائب دخل وضريبة القيمة المضافة والجزر الجمركية، ومعابر التهريب وغيرها. لا خلاف على الرقم. ناجم من مواقع ضريبية خارجة على القانون والدستور. تكليف غير منصف أساساً لحصة الضريبة المباشرة إلى الناتح المحلي. تهرب ضريبي من نوعين. الأول فادح، من خلال التحايل على القانون بما يتيحه من فجوات بتحميل الأعمال ونتائج السنة المالية أعباء غير صحيحة تنزّل من الأرباح الصافية الخاضعة للضريبة. وهذا جانب ذو أثر مهم في البيانات الضريبية ومردود النظام الضريبي للخزانة. وأحياناً يقع ضحيته أيضاً شركاء في المؤسسة من "ذوي النوايا الحسنة". والثاني الأفدح، التلاعب بالقيود والسجلات، واعتماد نماذج مختلفة لقيد الأعمال غير البيانات المصرّح عنها لوزارة المال. الثالث المريب، قرارات الإعفاء الدورية من غرامات تأخير سداد الضرائب (والرسوم) التي تصدر بقوانين الموازنة (أو بأخرى مستقلة) الأمر الذي يحفّز المكلّف على عدم سداد الضريبة (والرسوم) في مواقيتها. فيصبح هذا النوع من مكلّفي الضريبة هو النموذج وليس العكس. والفرق كبير بين سداد الضريبة في مواقيتها بقيمتها الحقيقية بالسعر الثابت، وبين ترحيلها لسنة أو أكثر متوجبة السداد بقيمة مخفوضة بالتضخم.

أمّا التعديل الذي لحظه مشروع الموازنة على تكليف ضريبة القيمة المضافة TVA لتوسيع التكليف على المؤسسات ليبدأ رقم أعمالها بـ50 مليون ليرة بدلاّ من 100 مليون كما هو سارٍ، فمن شأنه الحدّ من التهرب الضريبي في القيمة المضافة. والذي يتجاوز المليار دولار أميركي سنوياً حداً أدنى إلى أكثر من مليارين. لا تتوفر أرقام دقيقة يركن إليها في هذا المجال. ويفترض نظرياً أن جباية ضريبة القيمة المضافة أيسر من غيرها في سلاسل التجارة وصولاً إلى المستهلك النهائي. بينما الواقع ليس كذلك. وشبه المؤكد أن حجم التسرب فيها كبير جداً في اقتصاد يلعب الإستهلاك فيه الدور الأساسي بعد الجمود الكبير في حصة الإستثمار المباشر وغير المباشر. كما يفترض على الورق توسيع شمول ضريبة القيمة المضافة أن يجزي نحو ملياري دولار أميركي سنوياً حداً أدنى. وكان المكلفون يلجأون إلى خفض حجم أعمالهم إلى ما دون 100 مليون ليرة سنوياً بتوزيعه على مؤسسات وهمية أو حقيقية شقيقة للتهرب من التكليف. وفي أحيان كثيرة تحصل تلك المؤسسات على قروض ميسرة بوصفها مؤسسات صغيرة ومتوسطة. لكن تحقيق تقدم في هذا المجال يرتبط بقدرة وزارة المال على رصد تلك المؤسسات ورقابة حجم أعمالها ونتائجها. إذ أن غالبية ساحقة من المؤسسات الصغيرة التجارية والصناعية والحرفية، وتلك العاملة في مجال المطاعم، والسياحة، واللهو، وخدمات الكومبيوتر وغيرها لا قيود لها وسجلات.

صلاحيات وزارة المال
لا جدال في وجود حماية سياسية – مالية لسجل التهرب والإحتيال الضريبي في لبنان. بل وحصانة ضد العقاب على التهرب والإحتيال الضريبيين، وعلى تأخير السداد من خلال قوانين العفو من الغرامات. بينما يفترض بدولة الخزانة الفارغة الرازحة تحت الديون، تفعيل قوانين مكافحة الجرائم المالية والضريبية. وإذ تتكرر قوانين الإعفاء من غرامات تأخير سداد الضرائب والرسوم لتصبح هي القاعدة، تغدو مفاعيل تلك القوانين أشبه بإعفاءات جزئية من الضريبة نفسها. ولوزارة المال صلاحيات واسعة في هذا المجال تبدأ بالإنذار، وتصل إلى حد قَفل المنشأة المخالفة، وبيعها بالمزاد العلني، وإحالة أصحابها ومسؤوليها إلى القضاء. وللوزارة الإستعانة بتقارير خبراء المحاسبة والمدققين لبيان مركز المؤسسة المالي وحقيقة أعمالها وأرباحها الصافية ونفقاتها التشغيلية. والمدققون يتحملون مسؤولية جزائية في سياق قيامهم بعملهم. وملزمون قانوناً بالشفافية والإفصاح. لو توقفنا قليلاً عند مناقشات مشروع الموازنة في مجلس الوزراء، والجلبة الإعلامية والسياسية الباهتة على خفض العجز، لرأينا أن كل الغبار الكثيف الذي أثارته المناقشات كان خارج أرض المعركة الحقيقية لإخفاء مَواطن خفض العجز. رحتم إلى "الزجاج الداكن، والنارجيلة، وأرقام الخلوي المميزة، ولوحات السيارات" وما ماثلها من ترّهات سخيفة! بينما أرض المعركة 5 مليارات دولار أميركي أكثر أو أقلّ، تساوي وحدها 80 في المئة من عجز الموازنة، ويترتب عليها عجز أعلى بكثير، نتيجة المضاعَف النقدي المستولد من تمويل العجز بالدين بفوائد هائلة ومركبة. لقد فررتم عند الإمتحان من أرض المعركة الحقيقية وسلاحكم في يدكم. ولكم حق الأمرة والفعل والنهي لو عزمتم. ولستم بعازمين من أهل العزم.

فلس الأرملة
لم تكن هزيمتكم في معركة استرجاع المال المنهوب تكتيكية. بل استراتيجية لاستدامة نظام سياسي أوليغارشي يدرّ عليكم امتيازات في السياسة والمال. ويسدُن أصحاب المال فيدرّ عليهم مفاتيح النيابة والوزارة والترقّي في مراتب السلطة ومندرجاتها. من يقوى في دولة دستور وقانون على تجاوز الدستور والقوانين؟ وعلى التهرب من الضريبة بالإحتيال والتزوير والقوة علانية وجهارة إلاّ من أوتي سلطة سياسية ونفوذاً وسلطان المال؟ هربتم لخفض العجز إلى مَواطن الضعف من فلس الأرملة، ورواتب الموظفين في القطاع العام والمصالح المستقلة، والمعلمين والأساتذة الثانويين والقضاة. ومعاشات تقاعد العسكريين وملاحق الأجور والحقوق المكتسبة والتقديمات.

سنتبنى سيناريو الحكومة لخفض العجز 7.5 في المئة إلى الناتج في موازنة 2019. ومن دون أن نسأل البديهي عن توقعات الناتج ليستقيم السيناريو. للتذكير فقط، فرنسا التي تنكبت مهمة متابعة ملف مؤتمر سيدر مع لبنان، ما زالت فوق 3 في المئة عجزاً إلى الناتج. وهو معيار العجز في منطقة اليورو. منذ اثنتي عَشرة سنة. إستعصى الأمر على ثلاثة رؤساء جمهورية نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون. حين سيسرع لبنان إلى تبليغ باريس إقرار موازنة 2019 مخفوضة 7.5 في المئة عجزاً دفعة واحدة، بعد عبورها مجلس النواب، سـ"يبدون بُشراً والنفوس كظيمةٌ" على ما نظم شاعر القطرين خليل مطران في إعدام بزرجُمهر حكيم بلاد فارس على يد كِسرى أنو شروان. أولاً، لأن ما من دولة يتراجع فيها النمو إلى قرب الركود سنوات خمساً توالياً قادرة على خفض العجز إلى الناتج 4 في المئة في سنة واحدة. وثانياً، لو تمكنّا بالفعل من تحقيق الخفض في نهاية 2019، فلا ينمّ الأمر عن عزيمة سياسية بمقدار ما يؤشر إلى عمق الفساد السياسي – المالي في لبنان، الذي يراد ردم مثالبه بالحفر في الهوّة الاجتماعية والأزمة المعيشية إلى حد المهانة. كشفتكم الموازنة ولا خلاص بوجودكم.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها