آخر تحديث:00:12(بيروت)
الأربعاء 22/05/2019
share

خطة وزير المال وسندات خزينة بقيمة 11 تريليون

علي نور | الأربعاء 22/05/2019
شارك المقال :
خطة وزير المال وسندات خزينة بقيمة 11 تريليون التعاطي مع خدمة الدين وفق أساليب غير تقليديّة (المدن)

بفضول ومزيج من التفاؤل والحذر، تلقّفت الأسواق الماليّة إعلان وزير الماليّة، علي حسن خليل، عن سعي الحكومة إلى إطلاق سندات خزينة بقيمة 11 ألف مليار وبفائدة واحد في المئة، في مسعى إلى توفير ألف مليار ليرة (بحدود 660 مليون دولار) من خدمة الدين العام. وما لبث أن فتح كلام علي حسن الخليل الباب أمام التساؤلات والتحليلات، خصوصاً أنّه لم يقدّم أي إيضاحات حول هذا الإصدار المرتقب، بعد إقرار موازنة العام وسبل التمويل.

إعادة تقديم الخطّة المحضّرة
للأمانة، لم تكن هذه المرّة الأولى التي يعلن فيها وزير الماليّة عن تطلّعه إلى التعاطي مع خدمة الدين وفق أساليب غير تقليديّة، من هذا القبيل. فمنذ أربعة أشهر أثار الوزير خضّة كبيرة في الأسواق الماليّة، عندما أعلن في تصريح صحافي عن خطط موجودة "لإعادة هيكلة الدين العام"، وهو ما أثار زوبعة من المخاوف من إمكانيّة إقدام الدولة اللبنانيّة على خطوات تعيد جدولة السندات الحكوميّة وفوائدها بعمليّات قسريّة، أي من خارج آليّات العرض والطلب، ومن دون موافقة الدائنين. لم تخمد يومها الزوبعة إلا بعد سلسلة تصريحات رسميّة –ومنها تصريح للوزير نفسه- أعادت التأكيد على إلتزام الدولة بموجباتها كما هي، ونفت كلام الخليل السابق.

بمعزل عن كل هذا التشديد على النفي، كانت التسريبات تؤكّد دوماً على وجود خطط لإعادة جدولة جزء من الدين، لكن وعلى عكس ما فهمته الأسواق من تصريح الوزير الأوّل: من خلال عمليّات طوعيّة مع المصارف ومصرف لبنان. تأكّد الأمر لاحقاً، مع تضمين وزير الماليّة تخفيض في بند خدمة الدين بقيمة 1,000 مليار ليرة في مشروع الموازنة المقدّم من قبله إلى مجلس الوزراء. كان التخفيض دلالة أخرى إلى وجود خطط من هذا النوع، من دون تقديم أي تفاصيل إضافيّة في الإعلام، إلى أن جاء التأكيد الآن من خلال إعلان الوزير شخصيّاً عن وجود هذه الخطّة. وهكذا، يمكن القول أنّ ما أعلن عنه اليوم بسلاسة وإيجابيّة وزير الماليّة، لم يكن سوى الخطّة نفسها التي تحدّث عنها منذ خمسة أشهر، والتي اضطر يومها إلى نفي وجودها من منبر القصر الجمهوري، بعد أن تسببت طريقة تقديمها بأزمة في الأسواق الماليّة.

سلامة يواكب وزارة الماليّة
إذاً، هذه المرّة كان الوزير أحرص، وأكثر دقّة، من خلال تأكيده على عبارة "من خلال التنسيق بين الماليّة والمصرف المركزي والمصارف"، وهي العبارة التي أراد من خلال التشديد على "طوعيّة" هذه العمليّات. هذا الحرص على تظهير الخطّة بشكل إيجابي، واكبه رياض سلامة شخصيّا من خلال اجتماعه الأخير مع جمعيّة المصارف، حين أكّد – ردّاً على سؤال المصارف عن الخطّة- على أن أي تصحيح لن يفرض شيئاً على السوق، وأي مشاركة في هذا النوع من العمليّات ستكون إراديّة. كان تطمين سلامة وتأكيده على مواكبة الخطوة هذه المرّة، دلالة إضافيّة على إيجابيّتها تجاه الأسواق، وهو ما جنّب الخطّة الآن الردود السلبيّة التي رافقت تقديمها في المرّة الأولى.

تخفيض ألف مليار في خدمة الدين
التخفيض المستهدف في خدمة الدين، والبالغ ألف مليار ليرة، سيكون منطقيّاً بالنظر إلى الرقم التي تشمله العمليّة، والبالغ 11 ألف مليار ليرة. فالفائدة المدفوعة حاليّاً على سندات الدين بالليرة اللبنانيّة بلغت أخيراً عتبة الـ10.5 في المئة، وهو ما يعني أن بإمكان الدولة توفير 9.5 نقاط مئويّة على مبلغ 11 ألف مليار في حال تمكّنها من الإستدانة بفائدة 1 في المئة، وفق الإكتتاب الاستثنائي الذي تحدّث عنه وزير الماليّة. وبإمكان وزارة الماليّة أن تستعمل مردود هذا الإكتتاب الاستثنائي لسداد جزء من قيمة سندات الدين القائمة، والتي تدفع بموجبها الدولة الفوائد الإعتياديّة، وهو ما يُعد عمليّاً "إعادة هيكلة" غير تقليديّة للدين العام. كما بإمكان وزارة الماليّة إستعمال العوائد لتوفير حاجات الدولة التمويليّة، عوضاً عن الإستدانة وفق فوائد السوق الرائجة اليوم.

هندسات جديدة؟!
وإذا كان حجم التخفيض في خدمة الدين منطقيّاً، في حال توفّر التمويل لهذا الإكتتاب بهذه الفائدة، فاللغز المحيّر يكمن تحديداً في طبيعة الحافز الكفيل بتأمين التمويل المطلوب من المصارف. فوزير المال يطرح فائدة منخفضة جدّاً مقارنةً بفوائد السوق، بينما يؤكّد حاكم مصرف لبنان أن التمويل سيكون طوعيّاً وبقدر رغبة كل مصرف، وهو ما يطرح تلقائيّاً السؤال حول الدافع الذي سيجعل المصارف تؤمّن هذا التمويل بهذه الكلفة.

السيناريو الأوّل المحتمل يتمحور حول إمكانيّة إستحداث آليّة تسمح للمصارف بتحقيق أرباح معيّنة من هذه العمليّات من خلال هندسات معيّنة، شبيهة بالهندسات التي يقوم بها مصرف لبنان منذ عدّة سنوات في سياق إستيعاب تداعيات الأزمة. لكنّ هذا السيناريو يعني ببساطة نقل كلفة خدمة الدين من الميزانيّة الحكوميّة إلى ميزانيّة مصرف لبنان الخاصّة، من خلال كلفة هذه الهندسات. بالتأكيد سيسمح هذا الإجراء بتجميل الميزانيّة العامّة، وفق شروط مؤتمر سيدر، لكنّه لن يعالج في الواقع أي جزء من أزمة كلفة خدمة الدين العام على الدولة. مع العلم أن جزءاً من الهندسات الماليّة التي تم اتباعها سابقاً، قام أساساً على امتصاص مصرف لبنان للسيولة بفوائد مرتفعة، مقابل الإكتتاب بفوائد أقل بسندات الدين الحكومة، وهو ما كان ينقل جزءاً من كلفة خدمة الدين إلى ميزانيّة المصرف المركزي.

أما السيناريو الثاني المحتمل فيتمحور حول إمكانيّة إيجاد آليات لتخفيض جزء من إحتياطات المصارف التي لا تتقاضى عليها فوائد في مصرف لبنان، مقابل التوظيف في الإكتتاب بفائدة 1 في المئة، مع العلم أن أساليب شبيهة كان يتم اعتمادها لتوفير القروض الميسّرة من المصارف في السابق. هذا الطرح – في حال اعتماده- لا يحمّل مصرف لبنان أو المصارف كلفة فعليّة، ويسمح بالمقابل بتأمين التمويل المطلوب، لكنّه لا يمثّل معالجة فعليّة، كون المبالغ التي سيتم تأمينها كانت مودعة أساساً في مصرف لبنان، الذي يوظّفها بدوره في شراء سندات الخزينة.

بإنتظار الشفافيّة في المعالجات الماليّة
بالتأكيد لا يمكن الحسم بخصوص السيناريوهات المطروحة، خصوصاً أن الوزير المعني لم يقدّم حتّى اللحظة أي تفاصيل بخصوص شكل هذه العمليّات ونوعيّتها. لكنّ الأكيد أن المطلوب اليوم قدر واسع من الشفافيّة في هذا النوع من العمليّات والمعالجات، على خلاف المرحلة السابقة التي شهدت عمليّات نقديّة استثنائيّة لم تخرج إلى العلن إلا عبر التسريبات الإعلاميّة. وحتّى مصارحة الرأي العام، ستبقى التكهّنات والتحليلات سيّدة الموقف.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها