آخر تحديث:00:49(بيروت)
الإثنين 13/05/2019
share

تعهدات سيدر قرضاً سياسياً

عصام الجردي | الإثنين 13/05/2019
شارك المقال :
تعهدات سيدر قرضاً سياسياً يبدو إننا سنحتاج إلى قرض سياسي جديد من سيدر (Getty)

هل ستُقنع الحكومة دول مؤتمر سيدر بجِدية الإجراءات المالية التي سيتضمنها قانون موازنة 2019 للبدء في الإفراج عن تعهدات المؤتمر؟ هل السلطة: رئاسة جمهورية، ومجلس وزراء، ومجلس نواب، جديرة بقيادة رحلة الألف ميل للخروج من الأزمة المالية – الاقتصادية العميقة؟

الكهرباء بلا إصلاح
بسيدر نبدأ أولاً. لو تمسكت دول المؤتمر بشروطها للإفراج عن التعهدات المالية، وفي مقدمها الإصلاح القطاعي في المؤسسات التي تشكل العبء الأكبر في العجز والدين، والإصلاح الهيكلي في الموازنة والمالية العامة، لاختلط الشك باليقين. أقله للحصول على جزء من التعهدات المالية. لا يخلو تقرير للمصرف الدولي الذي سيتولى تنسيق الآلية المشتركة لتعهدات مؤتمر سيدر من التشديد على حل أزمة الكهرباء، وإدخال إصلاحات قطاعية على مؤسسة كهرباء لبنان. الموقف نفسه أبلغه الموفد الفرنسي إلى بيروت بيار دوكان إلى المسؤولين أكثر من مرة. والأخير مكلف من الرئيس إيمانويل ماكرون متابعة تعهدات سيدر مع الدول المعنية مباشرة. عبرت خطة الكهرباء النفق السياسي في مجلسي الوزراء والنواب بدعم من رئاسة الجمهورية. لكنها عبرت مشوبة بمخالفات دستورية فانتفت عنها صفة الإصلاح. استثناء الخطة ومشاريع بمليارات الدولار الأميركي من قانون المحاسبة العمومية خرق دستوري. وكذلك عدم عبورها إدارة المناقصات والمجلس الأعلى لـ"الخصخصة"، والشروع في تحضير إجراءات المناقصات في غياب الهيئة الناظمة للكهرباء ومجلس إدارة للمؤسسة. كيفما فسّرنا طلاسم الخطة التي لم يفكّ شيفرتها لا وزيرة الطاقة والمياه، ولا وزير الخارجية الذي تولى الدفاع عن الخطة في مجلس النواب، تبقى امتيازاً عمومياً يحتاج إلى قانون واضح محدد زمنياً وفنياً.

كل هذه التعقيدات والغموض في أسوأ قطاع خدمي بنيوي، وأكثر تكلفة عجزاً وديناً، لا تخدم تعهدات الإصلاح القطاعي. وقد أشرنا في مقالة سابقة إلى أن قطاع الكهرباء يرقى إلى الإصلاح الهيكلي بذاته، بالنظر إلى فداحة أعبائه المالية وسؤ كفايته وجودته وإدارته.

"التيار الوطني الحر" كارهٌ الدستور، وعينه محمرّةٌ من القوانين، ومعادٍ نواطير الكروم. كل وزرائه الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة والمياه فشلوا فشلاً ذريعاً. مع ذلك كُتبت الوزارة بأسمائهم "امتيازاً ميثاقيا"! نسوق لهم عِبرة لعلّهم يعتبرون. انتهى عقد تشغيل المنطقة الحرة في مطار بيروت. قرر وزير الأشغال والنقل بصفة الوصاية إعلان مزايدة من خلال إدارة المناقصات. ارتفع التلزيم إلى 100 مليون دولار أميركي من 17 مليونا! هل يمكن أن نقنع دول سيدر بأن ما نقوم به في قطاع الكهرباء من خارج مؤسسات الرقابة والشفافية والمحاسبة إصلاح قطاعي وهيكلي؟

الإيرادات هي الأساس
ثانياً، الإصلاح الهيكلي وموازنة 2019. الضجة القائمة على مشروع الموازنة تتركز على خفض نفقات جارية، لاسيما من مكاسب موظفي القطاع العام والأسلاك المدنية والعسكرية. الرواتب الكبيرة جداً لبعض الفئات لا تسوغ مدّ اليد إلى حقوق مكتسبة مدى سنوات. بينما لائحة خفض النفقات الثقيلة المعروفة لا تأكيد في شأن مقاربتها حتى الآن. بيد أن الإيرادات ركن أساسي لتوازن الموازنة إلى جانب خفض النفقات. إلغاء الإعفاءات الجمركية قرار محسوس. وقف التهريب عبر المنافذ الشرعية وغير الشرعية تُسأل عن تنفيذه دولة لها حدود واضحة مع سوريا، وقادرة على حمايتها بسلاحها وأمنها. اللغط القائم حيال الضريبة يحسمه قانون الضريبة الموحد على الدخل. ويطال كل المكّلفين مؤسسات وأفراداً. لا كلام عن هذا القانون لأسباب نجهلها في الحقيقة. يخفف من أعباء الإدارة الضريبية. وينهي الإشكال حيال الازدواج الضريبي على الأرباح. ويحسن توقعات الإدارة المالية والموازنة العامة. شمولية الموازنة أحد اهم مبادىء الموازنة. مليار و600 مليون دولار أميركي لكهرباء لبنان في 2019 من خارج الموازنة! فظيعة قضية الكهرباء في لبنان. كل ما يحوطها مشتبه وملتبس. ويوقع عليه بشطحة بالحبر السياسي الأسود. إلى ذلك، هل ستلغى كل الصناديق والمجالس والهيئات؟

الاستثمار والاستهلاك
ثالثاً، أهداف الموازنة وأثرها الاقتصادي. نعرف ماذا تستبقيه النفقات الجارية في الموازنة على الأجور والرواتب وفوائد الدين العام. لكن لا يوجد ملمح اقتصادي واستثماري في مشروع الموازنة. لو سلّمنا جدلاً بأهمية سداد فوائد الديون في مواعيدها التي باتت مفتاحاً لتمويل جديد من دون سداد أصل الدين، بيد أن خفض العجز والدين العام إلى الناتج من نحو 151 في المئة، لمغادرة التصنيف السيادي الرديء من C يحتاج إلى معدل نمو حقيقي 2 في المئة حداً أدنى. والعلاقة طردية أصلاً في المؤشر المذكور بين الدين وبين النمو. التركيز على خفض الدخل الشخصي من الرواتب والأجور، أو من المكاسب الملحقة بها يعني تراجع الطلب الداخلي على الاستهلاك. نحن أمام عنصرين طاردين للنمو وهما الاستثمار والاستهلاك محركا الاقتصاد. تقول الحكومة أن لا مسّ بالرواتب. لكن ملاحقها جزء لا يتجزأ منها. وكل ملاحق الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، لاسيما منها الشهور الإضافية، هي في أصل العقد، ومثبتة حقاً ملزماً بخيار العمل منذ بداياته. ونحسب أن النكول به من طرف واحد لا يلغي مفاعيله.

الفشل في الامتحان
تخطىء السلطة إذ تعتقد أن اتكاءها على الرواتب والأجور في سياق ترتيب أرقام الموازنة محاسبياً، وغضّ الطرف عن الوصول إلى مطارح الإهدار الزبائني والفساد، والى مَواطن الإيرادات المجزية، مسألة سهلة. ولا تعير اهتماماً لمشكلة أخرى كامنة تتعلق بديون القطاع الخاص للمصارف وللشركات. أكانت قروضاً شخصية أم إسكانية أم لسيارات وخلافها. ومعظم تلك القروض يحملها موظفون في القطاعين العام والخاص الذين اكتسبوا حقوقاً وعطاءات كالشهور الإضافية وما يماثلها. المسّ بتلك الحقوق لن يمر بلا تداعيات على محافظ القروض والدين. وقد يخلق مشكلة ليست يسيرة.

في منطق تعاطي المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي مع الدول التي تتقرر لها قروض ميسّرة وهبات شرط حزمة إصلاحات، لا نعتقد أن لبنان سيتمكن من جمع علامات تؤهله للنجاح في امتحان الحصول على تعهدات مؤتمر سيدر. خصوصاً بعد أن فشل أكثر من مرة في امتحانات سابقة مماثلة. وعلينا عدم إسقاط التوتر الجيوسياسي في المنطقة عاملاً غير مساعد في المجال المذكور. يبدو إننا سنحتاج إلى قرض سياسي جديد من سيدر ميسّر وطويل الأجل، كي نحصل على التعهدات المالية. هل يحصل؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب