آخر تحديث:01:00(بيروت)
الإثنين 29/04/2019
share

ساعة الحساب

عصام الجردي | الإثنين 29/04/2019
شارك المقال :
ساعة الحساب ما حصل هو أسوأ من الضرائب (مجلس النواب)

في انتظار أن يسلك مشروع موازنة 2019، الذي أعدّه وزير المال علي حسن خليل، طريقه كمشروع قانون في مجلس الوزراء، ويصدر قانوناً من مجلس النواب، معدّلاً أو بلا تعديل، سيكون أول وثيقة تشريعية منذ الإستقلال، تعترف بأن لبنان بلغ قاع أزمة عاتية بكل المعايير. أن يكون المال والاقتصاد عنوان الأزمة، فلأنهما يعملان بالحقائق والوقائع والحسابات.

الدَين الأبدي!
لكن عنوان الرسالة لا يغطي مضمونها وصلبها، اللذين يختصران أزمة سياسية عميقة، ومؤسسية ودستورية باتت تهدد الوطن والكيان. كذبنا كثيراً في السياسة. ولا نزال. خرقنا الدستور والقوانين والأعراف وقواعد الحكم الرشيد. وكان يمكن لهذه المهزلة أن تستمر أكثر، لو لم ينكشف الضعف المؤسسي على أزمة مالية، لم نعد معها قادرين على شراء الوقت. إشتريناه بتكلفة رهيبة حتى بلغت كل إيرادات الموازنة لا تغطي فوائد الدين ورواتب العاملين في القطاع العام. وكان علينا أن ننسى أصل الدين وساعة استحقاقه لو طلبه الدائنون من لدننا. من المصارف وودائع اللبنانيين داخل الوطن وغير مقيمين. فبات الكل في سلة واحدة. وغدا الدين أبدياً. والاقتصاد لا ينتج. واللبناني عاطل من العمل. هذا قطعاً ليس نموذج اليونان الذي حذّر منه المسؤولون. إنه أفدح. مع ذلك، يرفض النظام السياسي تقديم تنازل للدولة والشعب. للناس والإنسان في الوطن المستباح. نفهمه. لا يطلق النار على نفسه.

تبعات وخيمة
أرقام مشروع موازنة 2019، من نحو 17.280 مليار دولار أميركي بعملة ترمب. باحتساب سلفة خزانة 1.706 مليار ليرة لكهرباء لبنان (مليار و137 مليون دولار أميركي) ترتفع إلى نحو 18 مليارا و417 مليون دولار أميركي. مشكلتنا ليست بأرقام الموازنة بذاتها، رغم علاقتها الوثيقة برقم العجز المموّل بالدين. الأمر تكرّر منذ عقود. واستفحل حين جفّت الموارد وفجُر الفساد. العجز المؤسسي المقرون بالفساد السياسي هو الأخطر. لقد استغرقنا أكثر من سنوات ثلاث لملء الفراغ في رئاسة الجمهورية ولتأليف حكومة. فترة الريبة السياسية هذه، سبقت بلوغنا قاع الأزمة. وترتبت عليها تبعات وخيمة مالية واقتصادية ووطنية. وتعمقّت أزمة فقدان الثقة بالدولة. والبلد مسيّج بالمخاطر الجيوسياسية والأمنية. وكانت المالية العامة تدفع كل يوم ثمن ذلك. تراجع تصنيفنا الإئتماني إلى فئة C  على درج الديون الرديئة غير القابلة للسداد. زادت معدلات الفوائد على نحو كبير جداً، لنشتري مزيداً من الوقت، ونبدده في الوقت نفسه. بلغنا الركود الاقتصادي سنوات ثلاثاً توالياً قرب النمو السالب. ازدادت المخاطر السياسية وتردّت المؤشرات الاجتماعية. بعد ذلك رحنا نحشر البطانة والأزلام في الدولة البائسة، من دون القدرة على تمويل رواتبهم. هي "الميثاقية اللعينة" ومقولة "الأقوى في طائفته"، التي تفرض انتهاك الدستور، واستبعاد كل اللبنانيين من كل الطوائف عن الوظيفة العامة، ما لم يُحسبوا على "الأقوى في طائفته" وتياره. والدستور قال بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين في وظائف الفئة الأولى فقط. ولم يقل باحتكار تيار سياسي طائفته. موظفو الفئة الأولى يعينون بمراسيم في مجلس الوزراء. مع ذلك لا تمر الأمور بسهولة. فـ"الأقوى في طائفته" ليست قاعدة تصحّ على الدوام. فـ"لبنان القوي جداً" يعطّل مرسوم تعيين نواب حاكم مصرف لبنان، لأنه يربطها بخريطة التوظيفات في أماكن أخرى. علماً، أن المجلس المركزي لمصرف لبنان عاطل من العمل اعتباراً من 31 آذار الماضي. والمجلس هو السلطة التقريرية في المصرف، وبعلاقته بالدولة وبالشؤون المصرفية. ليس مهماً، فـ"عمود السما" هناك يحكم ويقرر ما يريد. حتى ولو كانت الحكومة في حاجة إلى هندسة مالية جديدة، لتستدين بضعة مليارات من المصرف بفائدة صفر.

تعطيل المؤسسات
تعطلّ عمل مجلس الخدمة المدنية. بات على الأُسر التي تنفق على تعليم أبنائها على حساب الغذاء والصحة والترفيه، أن ترسلهم زبائن للقابضين على السلطة ليجدوا فرصة عمل. تعطّلت أيضاً هيئات الرقابة الأخرى في المشاريع والإلتزامات. أهمها إدارة المناقصات العامة. فبموجب القانون على كل الإدارات الرسمية أن تخطر إدارة المناقصات في التفتيش المركزي بلائحة الأشغال واللوازم والمناقصات سلفاً، لتحضير برنامج المناقصات السنوي لدى كل وزارة وإدارة، لنشره وضمان الوقت الكافي للتنافس على السعر الأفضل، والجودة وموعد الإنجاز. يفرض ذلك أيضاً قانون المحاسبة العمومية. وحسب معلوماتنا كل البلديات الكبرى في لبنان خلا واحدة ربما، تبرم صفقاتها من خارج إدارة المناقصات. ومعظم الوزارات والإدارات العامة لا تودع إدارة المناقصات لوائح أشغالها ومشترياتها. هناك 35 في المئة من الصفقات العمومية تتم من خارج الإدارة المذكورة. إرتضى مجلس الوزراء في "دولة لبنان القوي" و"حكومة إلى العمل" التي خلفت "حكومة استعادة الثقة" أن تكون خطة الكهرباء مستثناة من قانون المحاسبة العمومية. وستكون كذلك من خارج إدارة المناقصات. والكهرباء عار لبنان الأزلي، تحمل وحدها قرابة 40 مليار دولار أميركي من أصل نحو 90 ملياراً ديناً عاماً إجمالياً. باحتساب المستحقات المتوجبة الإداء على الدولة من دون مصرف لبنان. والتيار ليس موفوراً ولا كفياً! ماذا بقي من مؤسسات الرقابة والشفافية إذن؟ هل فعلاً نحن في مرحلة مكافحة الفساد وموازنة إصلاحية؟ هل يمكن بلوغ ذلك بتعطيل عمل المؤسسات خلافاً للدستور؟

في الإصلاح ومجلس النواب
لدينا فهم خاطئ للإصلاح. يعتبرون اجتثاث الفساد ومكافحته صلب الإصلاح. بينما هما مخالفة يعاقب عليها القانون. وإلاّ لوجُب ترشيح الإدارة الرشيدة لجائزة نوبل. بينما يقتضي الإصلاح أن تتولى الحكومات ومجالس النواب جَسر الفجوات التي يتسرب منها المال العام إهداراً إدارياً، أو فنياً، أو من خلال السرقة الموصوفة والغش والتدليس. يكون ذلك بتشديد التقيد بالقوانين والدستور. وباستنان قوانين جديدة لسدّ الفجوات التشريعية اذا وُجدت. وقبل ذلك، أن يمارس مجلس النواب دوره الرقابي والمساءلة والمحاسبة. ويتابع القوانين الصادرة عنه ولا تنفذ. سلفة الخزانة التي حصلت عليها مؤسسة الكهرباء بقيت خارج مشروع موازنة 2019. وتظهر مستقلة عن مجاميع الموازنة في المشروع. الطريف إنها جاءت مشروطة بقدرة المؤسسة على السداد! لو قام مجلس النواب بدور الرقابة على مزاريب سلفات الخزانة لوفّر الكثير من إهدار المال. جلسات الأسئلة والأجوبة التي يعقدها المجلس يفترض أن تتيح استجوابات، وطرح الثقة بالوزير والحكومة. مًن يحاسب مَن؟ ومن أين يدخل الإصلاح؟ كل كتلة مجلس وزراء. وكل كتلة مجلس نواب. رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في يده عصمة وزرائه. وقّعوا له استقالاتهم سلفاً. يقيلهم بقرار حزبي. لا حاجة للدستور والقوانين ومجلسي الوزراء والنواب. "ديموقراطية توافقية"!

لم تنشر بعد فذلكة الموازنة. للإضاءة على أهدافها وتعليل النفقات. لا أمل في إصلاح قبل ردم الفجوات المؤسسية وقيام الدولة. عدنا لشراء الوقت إنما مما يعتقده النظام السهل المباح. الطريف أن المسؤولين أكدوا على عدم تحميل أعباء لأصحاب الدخل المحدود والطبقة المتوسطة. وأن لا ضرائب جديدة. لكن ما حصل هو أسوأ من الضرائب وقد حصلت فعلاً وزيدت في مجالات عدة مع الرسوم. الإقتطاع من رواتب العاملين في القطاع العام ضريبة مستحقة على كعبها. وكذلك من معاشات التقاعد وتقديمات الأسلاك المدنية والعسكرية. تعويضات اللجان والرواتب المزدوجة وغيرها لا يجادل أحدٌ في مقاربتها. لكن الرواتب وملاحقها أصبحت حقوقاً مكتسبة بموجب القوانين. ساعة الحساب أزُفت. والوطن أهم من النظام.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها