آخر تحديث:00:17(بيروت)
السبت 20/04/2019
share

ميزانيّات المصارف: بصمة الأزمة تلطّخ القطاع المالي

علي نور | السبت 20/04/2019
شارك المقال :
ميزانيّات المصارف: بصمة الأزمة تلطّخ القطاع المالي استمرار حركة تحويل بعض الودائع من الليرة إلى الدولار (ريشار سمور)

أنجزت المصارف اللبنانيّة ميزانيّاتها حتّى نهاية العام الماضي، ونشرتها، لتعرض من خلالها حصيلة أعمالها، التي عكست بوضوح توجّه إدارات المصارف إلى أداء محافظ وحذر، في ظل الضغوط الماليّة القائمة. وبمعزل عن هذه التوجّهات، تجلّت تداعيات الأزمة في مؤشّرات عديدة ضمن هذه الميزانيّات، كما تجلّت أيضاً التدابير الاستثنائيّة التي كان يقوم بها مصرف لبنان طوال الفترة الماضية.

الودائع: نمو ولكن..
مصارف مجموعة ألفا، أي المصارف التي يتجاوز مجموع ودائعها الملياري دولار أميركي، تمكّنت من تحقيق نمو طفيف في حجم الودائع المصرفيّة، بنسبة 2.13 في المئة. مع العلم أنّ حجم النمو هذا تراجع مقارنةً مع العام السابق الذي سجّل نمو بنسبة 3.5 في المئة. وبغض النظر عن التراجع في حجم النمو بين العامين، فمن الواضح أنّ حجم النمو هذا يقل بنسبة كبيرة عن حجم الفوائد، التي تقاضتها أساساً الودائع الموجودة خلال العام، وهو ما يعكس حركة سحوبات وإن بشكل محدود. مع العلم أنّ متوسّط الفوائد على الودائع المصرفيّة بلغ في نهاية العام الماضي 8.3 في المئة بالنسبة إلى الودائع بالليرة، و5.15 في المئة بالنسبة إلى الودائع بالدولار الأميركي.

حركة نمو الودائع أظهرت أيضاً تزايد معدّلات الدولرة، أي نسبة الودائع بالدولار الأميركي من إجمالي ودائع القطاع. فالودائع بالليرة اللبنانيّة تراجعت خلال العام بنسبة 3.05 في المئة، مقارنة بنمو بنسبة 5.61 في المئة بالنسبة إلى الودائع بالدولار الأميركي. وهو ما يظهر أيضاً استمرار حركة تحويل بعض الودائع من الليرة إلى الدولار.

لا شهيّة لمنح القروض
الميزانيّات المنشورة تظهر أداءً محافظاً وحذراً اتجاه منح القروض المصرفيّة. فإجمالي القروض الممنوحة من قبل المصارف تراجع خلال العام بنسبة 4.64 في المئة. وهو ما عكس عدم وجود شهيّة من قبل المصارف لمنح القروض في ظل الظروف الاقتصاديّة القائمة في البلاد. وعمليّاً، تظهر هذه النسبة تشدّد معظم المصارف في سياسات التسليف التي تعتمدها منذ بداية الأزمة، في محاولة للتحوّط للسيناريوهات الأكثر ضغطاً.

وبالإضافة إلى التشدد في سياسات التسليف، تعكس هذه الأرقام أيضاً تأثيرات السياسات التي اتبعها المصرف المركزي، لضبط السيولة في السوق، مؤخّراً. خصوصاً أن تراجع التسليفات بالدولار الأميركي (بنسبة 2.1 في المئة) يرتبط بشكل مباشر بفرص توظيف المصارف السيولة بالعملة الصعبة في الهندسات الماليّة، التي مازال يجريها مصرف لبنان. كما يعكس التراجع الأكبر في التسليفات بالليرة اللبنانيّة (بنسبة 5.68 في المئة) أثر قرار مصرف لبنان، الذي ألزم المصارف بتخفيض التسليفات بالليرة اللبنانيّة، مقارنةً بالودائع.

لغز نمو الموجودات الكبير
رغم محدوديّة نمو الودائع من ناحية الالتزامات المتوجّبة على المصارف في الميزانيّة، وتراجع حجم القروض المصرفيّة الممنوحة من ناحية الموجودات المصرفيّة، استطاعت مصارف ألفا تحقيق نسبة نمو كبيرة في إجمالي موجوداتها خلال العام، بلغت 11.29 في المئة. وهو ما يدفع تلقائيّاً إلى السؤال عن لغز هذا النمو، الذي لا ينسجم مع تغيّرات الودائع والقروض، التي تشكّل أهم قطبين في ناحيتي الميزانيّة.

الجواب يكمن أيضاً في الهندسات المستمرّة، والتي خلقت نمواً كبيراً في الموجودات، بمعزل عن الأرقام المتواضعة التي حققها نشاط المصارف التقليدي في إستقبال الودائع ومنح التسليفات. فالدخول في تفاصيل الموجودات يظهر بوضوح نمواً كبيراً في موجودات المصارف الموظّفة في مصرف لبنان بنسبة 34.35 في المئة، وهو ما رفع نسبة هذه التوظيفات من إجمالي موجودات المصارف لغاية 39.58 في المئة.

ولشرح المسألة بشكل أدق، تقوم الهندسات، التي تابع مصرف لبنان القيام بها، على تلقّي توظيفات المصارف بالدولار الأميركي، مقابل منحها تسليفات بالليرة بنسبة فائدة متدنيّة جداً، على أن تقوم المصارف بإعادة توظيف السيولة الناتجة عن هذه التسليفات بشراء سندات الخزينة من مصرف لبنان، أو توظيفها في شهادات الإيداع. هذه الهندسات، خلقت تلقائيّاً نمواً كبيراً في الموجودات المصرفيّة، وبالأخص بالليرة اللبنانيّة. مع العلم أنّ الموجودات بالليرة اللبنانيّة وحدها نمت بنسبة 26.14 في المئة خلال العام.

تحسّن في السيولة وتراجع الأرباح
الأداء المتحفّظ القائم على التشدد في منح القروض، والذي أدّى إلى تراجع حجم القروض مع نمو طفيف في الودائع، أدّى تلقائيّاً إلى انخفاض نسبة القروض للودائع في القطاع، من 36.32 في المئة سنة 2017 إلى حدود الـ33.91 في المئة سنة 2018. ويمكن القول أنّ هذا الانخفاض يُعتبر - مصرفيّاً - تحسّناً في نسبة السيولة المتوفّرة، وهو ما يمكن تفسيره مجدّداً بالتحوّط من الضغوط الماليّة القائمة.

لكنّ هذا جاء بالتوازي مع تراجع حجم أرباح المصارف، وللمرّة الأولى منذ خمس سنوات. فنتائج العام أظهرت تراجع هذه الأرباح بنسبة 5.52 في المئة، رغم ارتفاع حجم الفوائد المحصّلة من التوظفات بنسبة 10.45 في المئة. وتدل هذا الأرقام بوضوح إلى أن ارتفاع كلفة الفوائد المدفوعة على الودائع المصرفيّة كان أعلى من ارتفاع الفوائد المحصّلة من التوظيفات المصرفيّة، وهو ما أدّى بالنتيجة إلى انخفاض صافي الأرباح.

آثار الأزمة والمعالجات
تشرح الميزانيّات، بأرقامها، طبيعة آثار الأزمة على ودائع وتسليفات القطاع، بالإضافة إلى آثار المعالجات التي كان يقوم بها مؤخّراً مصرف لبنان. لكنّ أرقام السنة الماضية قد لا تظهر وحدها كامل نتائج الأزمة، فأرقام بداية 2019 مثلاً تظهر أن ودائع القطاع تراجعت خلال أوّل شهرين من العام بقيمة 2.45 مليار دولار. وهكذا، من المتوقّع أن نستمر برؤية المزيد من الضغوط التي تترجمها مؤشّرات القطاع المالي المختلفة، طالما أنّ الأزمة قائمة على المستوى الإقتصادي، وطالما أنّها مستمرّة بترك بصماتها على كل القطاعات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها