آخر تحديث:02:25(بيروت)
الجمعة 12/04/2019
share

الصين في البقاع: قاعدة إعمار سوريا وأكثر

لوسي بارسخيان | الجمعة 12/04/2019
شارك المقال :
  • 0

الصين في البقاع: قاعدة إعمار سوريا وأكثر سيبدأ الحضور الصيني مع معرض دائم للبضائع الصينية (لوسي بارسخيان)

صارت الصين، فجأة، خشبة الخلاص الاقتصادية للبقاع، إلى حد المبالغة في المعلومات حول مساع "خاصة" شارفت على نهايتها، لاستحداث معرض دائم للبضائع الصينية، بأقسام من مجمع CASCADA MALL على طريق عام تعنايل - المصنع في البقاع، في صفقة تجارية لا تزال إدارة المجمع تتحفظ عن إعلانها، في وقت بات مؤكداً أن وفود المستثمرين الصينيين ستصل خلال خمسة عشر يوماً، لإنتقاء المساحات التي سيشغلونها داخل المجمع، وحجزها، كما للتعرف على طبيعة المنطقة وأهميتها الجغرافية بالنسبة للاستثمارات.

إعمار سوريا
حسب المعلومات المتوفرة، ومع إنطلاق مهمة البحث عن نسخة لبنانية جديدة من الـ"دراغون مول" الصيني في دبي، لم يكن البقاع وجهة مقررة مسبقاً، إلى أن دخلت على الخط شركة لبنانية، تعمل في مجال حجز تأمين المساحات التجارية لمستثمرين محليين وخارجيين. نجحت بالتعاون مع القيمين على مجموعة "دراغون مارت" الصينية، في عقد اتفاق مع مالك "كاسكادا مول" موريس طرباي، قضى باستئجار المجمع لمدة 15 سنة، لصالح شركات صينية تقلص عددها مع إبرام الإتفاق النهائي من 150 شركة إلى 115، سيشكل المجمع منصتها، لتأمين تسويق البضائع الصينية وخدماتها، على اختلاف أنواعها، من البقاع إلى مختلف أراضي لبنان، والأقطار العربية، وصولاً إلى أوروبا، من دون حاجة للسفر إلى الصين بعد الآن.

CHINA CITY هو الإسم الذي سيطلق على الجناح الصيني في المجمع، ولن يكون سوى الواجهة لتجارة أوسع، يطمح لها المستثمرون الصينيون عموماً، كما يؤكد النائب سيزار المعلوف، الذي يشير من خلال تواصله الواسع مع الوفود التي زارت لبنان، إلى إهتمام كبير للمستثمرين الصينيين بثلاث مناطق لبنانية، هي البقاع، عكار، وطرابلس، والتوجه إلى تفعيل الاتفاقات السابقة المعقودة مع معرض رشيد كرامي، عبر اتفاق جديد سيعقد على المستوى الرسمي.

لا شك أن موقع البقاع الجغرافي وقرب المجمع المذكور من الحدود اللبنانية السورية، ووقوعه في منطقة وسطية غير بعيدة عن بيروت، شكل عامل جذب أساسياً للمستثمرين الصينيين. وعليه، فإن سوريا وإن لم تكن الوجهة الوحيدة التي يبحث عنها المستثمرون الصينيون كما تؤكد المعلومات، فإن دور المجمع الصيني في البقاع الأبرز سيكون بتأمين حاجات السوق السورية، في مرحلة إعادة الإعمار.

استثمارات كبيرة
"الصفقة" ستنقذ عملياً المجمع التجاري الأول، والوحيد من نوعه في البقاع حتى الآن، من حالة الركود الاقتصادي التي يعيشها، وتمكنه من تحقيق الغاية من إنشائه في هذه المنطقة في لبنان. فالـCASCADA MALL، الذي سبق إطلاقه نشوب الأزمة السورية الطويلة، أُنشئ لخدمة الوافدين السوريين والعرب من بوابة المصنع الحدودية. إلا أن الحرب السورية، ومن ثم أزمة الحدود التي خلفتها، أخّرا افتتاح المجمع، إلى أن قرر موريس طرباي، وهو صاحب سلسلة مجمعات مشابهة أنشئت في مناطق نائية حول العالم، أن يطلق بعض أقسامه في عز الأزمة. ومن هنا، فإن الإقبال الصيني على المجمع، من شأنه أن يعيد له الدور الذي كان مخططاً له بالأساس، وخصوصا مع التوجه إلى مزيد من الاستقرار في الأحوال الأمنية السورية.

النائب سيزار المعلوف كان أول من كشف عن توجه الاستثمارات الصينية إلى البقاع، والتي اطلع عليها إثر مفاوضات متقدمة جرت معه لاستئجار نحو 200 وحدة سكنية في مشروعه السياحي، الذي شارف على الإنتهاء في منطقة مكسه. كان الصينيون يرغبون باستئجار كل وحدات المشروع السكنية وفقا لمعلوف، والبالغ عددها نحو 400، إلا أنه فضل الإحتفاظ بـ 200 وحدة، خدمة للمرافق السياحية المختلفة، التي ستتوفر في مشروعه. وإذا وصل الاتفاق إلى خواتيم مرضية للطرفين، فإن هذه الوحدات سيشغلها المقيمون الصينيون القيّمون على الـCHINA CITY ومستأجرو المساحات فيه لمدة 15 سنة.

يسعى المستثمرون الصينيون، كما يقول المعلوف، إلى إقامة مصانع ضخمة، واحد للسيراميك وآخر لصناعة الإطارات، والمياه المعدنية، إلى مصنع كبير للمفروشات، ما سيوفر فرص عمل لآلاف العاملين اللبنانيين. وبرأي المعلوف "إننا نستورد هنا التجار بدلاً من العمال". ومن هنا يبرر حماسته لتأمين التسهيلات المطلوبة للمستثمرين في الدوائر الرسمية، والتي قال أن الرئيس بري وعد بتأمينها، خلال لقاء عقده معه لهذه الغاية، وسيتابع بلقاء آخر، يرافق خلاله حلقة التواصل الصينية ومفاوضيها، الذين سيتقدمون خلال أيام بورقة عمل، تتضمن الحوافز المطلوبة في لبنان، أسوة بتلك التي يحصلون عليها في باقي الدول التي يستثمرون فيها.

مؤتمر اقتصادي في الصين
ولكن هذه ليست كل قصة البقاع مع الصين. بل يتحدث المعلوف أيضا عن انفتاح مواز على المستوى الرسمي الصيني على القطاع الاقتصادي اللبناني، قد يشكل انطلاقته مؤتمر اقتصادي دعي إليه في 23 ايار المقبل رؤساء بلديات من قضاء زحلة، وسيلتقون في غرفة تجارتها مع شركات تابعة مباشرة للدولة الصينية. من دون أن يكون لذلك علاقة بالاستثمارات الصينية الخاصة التي تحدثنا عنها، كما يؤكد المعلوف.

بالنسبة لأهالي البقاع تبدو هذه الاستثمارات سيفاً ذو حدين. فمن شأنها أن تقضي على حِرف صغيرة لا تزال تقاوم رغم الظروف. كما أن هناك تخوفاً من تأثيرها السلبي على استثمارات لبنانية في البضائع الصينية، التي تجد لها رواجاً في البقاع. إلا أن ذلك يمكن تداركه، حسب معلوف، بضوابط توضع لحماية الاستثمارات اللبنانية، وتشجع الاستثمارات غير المتوفرة بالأساس في هذه المنطقة، كصناعة السيراميك والإطارات وغيرها.

ثمة "لعاب سال" لاقتناص فرصة هكذا انفتاح صيني، قد لا تتكرر مجددا في البقاع، الذي لطالما تحولت بنيته التحتية غير المجهزة، وسمعته الأمنية السيئة، عاملاً سلبياً في جذب الإستثمارات. وبالفعل، نجحت بعض المبادرات الفردية في حمل مستثمري "الدراغون مول" على الاستماع إليها على الأقل، ولا سيما في تربل، حيث عقد عدد من ناشطيها اجتماعاً مع مستثمرين صينيين، بحث في مشروع بديل عن المدينة الصناعية، التي نجح معارضوها بطردها من البلدة، يتمثل في استحداث شبكة للإنارة الخضراء، يمكن استخدام طاقتها في ضخ مياه الآبار لري المزروعات.

البنية التحتية
إلا أن ذلك لا يعني أن حجم الاستثمارات الصينية في البقاع حتى الآن، سيجعل أهالي المنطقة يتكلمون "الصيني"، حتى لو كان النطق بالصيني، كما يقول المعلوف، لا يمكن تسييسه. إذ لا يوجد خلاف على أن الصين قوة اقتصادية كبيرة تجتاح العالم، وعلينا الاستفادة من هذه الفرصة، وذلك رهن بالقرارات التي يمكن أن تقدمها الدولة، لخلق حوافز إضافية تسهم في جذب استثمارات أوسع، خصوصاً أننا نتحدث هنا عن عينة لما يمكن أن تخلقه الصين من حيوية اقتصادية في هذه المنطقة.

وإذ لا تبدو الحماسة نفسها متوفرة لدى باقي المعنيين في المنطقة، الذين لم يطلع معظمهم على النشاط الصيني في البقاع، فإنهم يوافقون المعلوف على كونها فرصة يجب أن تتكامل مع تشريعات لبنانية، لإقامة منطقة اقتصادية حرة شبيهة بتلك التي أُقرت للبترون وصور في البقاع، خصوصاً أن البقاع بموقعه الجغرافي يمكن أن يشكل ميناء جافاً يجذب المستثمرين، مع تأمين البنية التحتية اللازمة لإنعاش هذه المنطقة، بدءاً من استكمال الأوتوستراد العربي، وبناء نفق حمانا، الموعودين منذ سبعينيات القرن الماضي، واللذين يجب تتخطى معوقاتهما ذرائع "التقشف بالإنفاق"، لا سيما أننا نتحدث هنا عن وصل الحدود البرية بالحدود البحرية، وما يمكن أن يتركه ذلك من إنتعاش وجذب للاستثمارات سواء من الصين أو غيرها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها