آخر تحديث:00:05(بيروت)
الثلاثاء 26/03/2019
share

حقائق مخيفة: أزمة نموذجنا الاقتصادي نحو الأسوأ

علي نور | الثلاثاء 26/03/2019
شارك المقال :
حقائق مخيفة: أزمة نموذجنا الاقتصادي نحو الأسوأ الحال أكثر خطورة، من فترات حرب تمّوز 2006 أو أحداث أيار 2008 أو حتّى إغتيال الرئيس الحريري (Getty)

بمعزل عن كل الأجواء الإعلاميّة المتفائلة، التي رافقت حلحلة عقد تشكيل الحكومة، في نهاية كانون الثاني الماضي، تدل المؤشّرات الاقتصاديّة أنّ لبنان مازال يسجّل هذه السنة -ولغاية اليوم- أسوأ أرقامه منذ بداية الأزمة الاقتصاديّة الراهنة. فالنتائج المتوفّرة حتى الآن تشير بوضوح إلى أنّ طبيعة الأزمة أصبحت أعمق من التأثّر بالانفراجات السياسيّة الظرفيّة، كما أصبحت أبعد من المعالجات التي يتم التداول بها اليوم، من قبيل إقرار موازنة هذا العام و"إصلاحاتها" أو الإستفادة من قروض مؤتمر سيدر مثلاً.

حركة المرفأ التجاريّة
حسب الأرقام التي ينشرها مرفأ بيروت، تراجعت واردات المرفأ حتّى شهر شباط من هذا العام لغاية 33.89 مليون دولار، مقارنةً بـ39.85 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. وبالتالي، تكون هذه الواردات قد سجّلت تراجعاً بنسبة 14.96 في المئة هذه السنة، رغم أنّ المؤشّرات الاقتصاديّة كانت تسجّل أساساً أرقام سيّئة جدّاً، خلال العام الماضي.

تعكس هذه الأرقام تراجعاً في حجم عمليّات الشحن، إذ تراجع وزن البضائع التي تمّ شحنها عبر مرفأ بيروت بنسبة 16.54 في المئة لغاية شهر شباط من هذا العام، بالمقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية. أمّا عدد البواخر التي قامت بعمليّات شحن من وإلى المرفأ، فتراجع لغاية 264 باخرة، بينما بلغ هذا الرقم 311 باخرة في الفترة ذاتها من السنة الماضية.

شراء السيارات
ولعلّ السيّارات كانت أبرز أنواع السلع التي طالها هذا التراجع في الحركة التجاريّة، ويبدو ذلك واضحاً في الأرقام التي نشرتها جمعيّة مستوردي السيّارات في لبنان. فحسب أرقام الجمعيّة، تراجع عدد السيّارات الجديدة التي تم تسجيلها لغاية شهر شباط الماضي بنسبة 21.9 في المئة، مقارنةً بالفترة نفسها السنة الماضية. أمّا التراجع الأقصى، فطال تحديداً عدد السيّارات المسجّلة التي يتم إستعمالها لغايات تجاريّة، إذ تراجع هذا العدد بنسبة 33.23 في المئة، وهو ما يعكس الظروف القاسية التي تعيشها المؤسسات التجاريّة.

ويظهر تراجع عمليّات شراء السيارات، استمرار تدنّي القدرة الشرائيّة في السوق، مع تراجع السيولة وضعف الحركة الاقتصاديّة. كما يعكس من ناحية أخرى، آثار الضغوط الماليّة التي أدّت إلى رفع الفوائد على قروض السيارات، ورفع المصارف لنسب الدفعة الأولى المطلوبة. وإذا استمر الوضع على هذه الحال هذا العام، فسيكون 2019 العام الثالث على التوالي، الذي يشهد تراجعاً في عدد السيارات الجديدة التي يتم تسجيلها، وهو ما يعني تحوّل هذا النمط إلى عارض مستمر، من عوارض الأزمة الاقتصاديّة التي يشهدها لبنان.

حركة الشيكات
حركة الشيكات، التي تعبّر عن حجم الحركة الماليّة بين التجّار، شهدت بدورها تراجعاً كبيراً، حسب الأرقام التي تنشرها جمعيّة المصارف. فالأرقام لغاية شهر شباط الماضي تظهر تراجع قيمة الشيكات المتداولة بنسبة 11.98 في المئة، مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، لتبلغ 9.76 مليار دولار. أمّا عدد هذه الشيكات فتراجع أيضاً بنسبة 11.1 في المئة. ويعود هذا التراجع تحديداً إلى تراجع قيمة الشيكات المحصّلة بالدولار الأميركي من 7.43 مليار دولار أميركي إلى 6.12 مليار دولار، بينما لم تشهد الشيكات بالليرة اللبنانيّة –الأقل عدداً وقيمة- تغييراً يُذكر. أمّا أكثر ما يعبّر عن الضغوط الاقتصاديّة على التجّار اللبنانيين فهو نسبة الشيكات المرتجعة في السوق، التي ارتفعت بين الفترتين من 2.14 في المئة إلى 2.61 في المئة، أي بزيادة نسبتها 22 في المئة في هذه النسبة.

أزمة السيولة وميزان المدفوعات
في الواقع، تأتي كل هذه المؤشّرات لتعبّر عن استمرار أزمة عنوانها الأساسي شح السيولة، في ظل تراجع التحويلات الخارجيّة، وتنامي عجز ميزان المدفوعات، الذي يختصر صافي التحويلات الماليّة بين لبنان والخارج. هذا المؤشّر والعجز الذي يسجّله، أصبح الرقم الأكثر الأهميّة اليوم، خصوصاً أنّ تراجعه كان العامل الأساسي الذي ضغط على السيولة المتوفّرة بالعملة الصعبة في السوق، منذ بداية الأزمة.

ولنفهم سبب تنامي المصاعب الاقتصاديّة مع بداية العام، يكفي أن نعرف أن ميزان المدفوعات سجّل في كانون الثاني من هذا العام أعلى عجز له في شهر واحد منذ سنة 1993، وبقيمة 1.38 مليار دولار، وذلك حسب أرقام مصرف لبنان. هذا العجز لم يسجّله لبنان من قبل في فترات أكثر خطورة، مثل حرب تمّوز 2006 أو أحداث أيار 2008 أو حتّى إغتيال الرئيس الحريري سنة 2005.

الأزمة إذاً أصبحت أبعد بكثير من مسألة الاستقرار السياسي، و"إصلاحات" الموازنة، وخطط مؤتمر سيدر. بل أصبحت أزمة تعبّر عن تعثّر نموذج اقتصادي كامل. فالنموذج الذي لطالما قام على تحويلات خارجيّة تعوّض عن عدم إنتاجيّته وعجز ميزانه التجاري، لم يعد قادراً على الاستمرار وفق النمط نفسه لأسباب كثيرة، بل وأثبتت التجربة أنّ هذا النمط الريعي لم يكن يوماً مستداماً. وإذا أردنا البحث عن حلول، على النقاش أن يبدأ من هنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها