آخر تحديث:00:03(بيروت)
الإثنين 11/03/2019
share

متى يتوقف كرنفال الفساد؟

عصام الجردي | الإثنين 11/03/2019
شارك المقال :
متى يتوقف كرنفال الفساد؟ توقفوا عن سرقة المال العام وإهداره، ثم تعالوا للبحث في التوازن المالي (Getty)

لماذا انفجر دَست الفساد الآن؟ في اختصار لأن الدَّست فاض بما فيه وطاف بالقانون العلمي. لماذا انكشف طوفان الفساد الآن؟ لأن البلد دخل نفق الإنهيار، على ما قال تصنيف وكالة موديز في مندرجات طائفة C. لماذا يحترب سدنة النظام السياسي على الفساد وادّعاء النزاهة؟ لأن "القلّة بتولد النقار". لماذا لن تؤتي  الحملة على الفساد أُكلَها؟ لأن عمقها السياسي بالجلباب الطائفي والمذهبي كفيل بدحر النزاهة واستدامة الفساد. ألا من سبيل لنهاية هذه المحنة؟ بلى. شطف الدرج من فوق ونزولاً. ماذا عن الـ"تحت"؟ هو أساس الفوق، يعيد تدويره ويصنعه. من أين نبدأ في الفرز إذن؟  نبدأ من المصدر. من تحت. كيف؟ أهذا غير الـ"تحت" الأول؟ بلى. التّحت تحتان. زبائني نفعي يقبّل أيدي الفوق وأحذيته، ويلتحس سَقط مَتاعه ويعيد إنتاجه. وآخر مواطن، إنسانٌ وكرامة، ينام على مهانة، ويصحى عليها قنوعاً صبوراً مثواه الجنّة لا ريب. أَلا من سبيل للخروج من هذه البأساء؟ بلى. بالفرز من المصدر. وبتفكيك النظام الزبائني وزبائنه، وبالطمر والحرق لا فرق. شريطة عدم تدويره من جديد لاجتناب السماد المسموم، ومراعاة لمعايير البيئة وبناء الدولة العادلة والقادرة.

تهافت دولي على لبنان!
كتبت الرئيسة الإنتقالية لمجموعة المصرف الدولي والمديرة العامة الإدارية، كريستالينا جورجيفا، لم يكن والداي يعلمان أن الاسم الذي اختاراه لي يعني شفافية بالأسبانية. "لكنهما كانا يعلمان أهمية الشفافية والأمانة والنزاهة. ومنحاني هذه القيم وأنا أكبر في بلغاريا. أعتز بهذه القيم في عملي في البنك الدولي". تابعت، لا شك أن غياب الشفافية يشجع على الفساد، وقوة مدمرة "أشد المتألمين منها هم الفقراء والمساكين. فالفساد يحرم المرضى من الدواء والعقاقير. ويحول دون بناء المدارس. ويؤدي إلى انجراف الطرق تحت الأمطار ويهدر المال العام".

كان لافتاً تهافت المسؤولين الدوليين على لبنان في الأيام العشرة الأخيرة. وكلهم علامات سياسية من نجوم خمسة. الفرنسي، الأميركي، البريطاني، الألماني ومن الأمم المتحدة. وفي الطريق وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. بقيت الصين وروسيا من ذوي حق النقض في مجلس الأمن الدولي لم تحضرا. يبدو إن لبنان الذي كان على هامش اهتمامات القوى الدولية المقررة طيلة الحرب في سوريا، عاد ليكون تحت العين الدولية بوظيفة إقليمية. لو استثنينا الولايات المتحدة التي تمد الجيش اللبناني وقوى الأمن بالدعم، وبعض مساعدات من برامج وكالاتها ذوات الصلة بأجهزة الأمن القومي، فموفدو البلدان الأخرى كانوا من الدول المشاركة في مؤتمر سيدر. وقد شهدوا جميعهم لاسيما الفرنسي فيليب دوكان منسق مؤتمر سيدر، الضجّة القائمة على الفساد في لبنان. وفهمنا أن دوكان حمل معه ملفاً مهماً عن الفساد وأبعاده السياسية، وعن قدرة الحكومة اللبنانية على التصدي له جزءاً أساسياً من الاصلاح الهيكلي المشروط بالحصول على تعهدات المؤتمر، إلى جانب الإصلاح القطاعي. وقد حددها المؤتمر ثلاثة بالأولوية. الكهرباء والمياه والنفايات. وقد غادر دوكان مفعماً بالشكوك حيال وجود قرار سياسي بتنفيذ الإصلاحات وجِدّية التنفيذ.

ورشة غير مسبوقة
في لبنان الاهتمام بالإصلاح القطاعي أكبر منه في الإصلاح الهيكلي. الأول فيه نحو 250 مشروعاً وإسهام القطاع الخاص بتقديرات أولية من نحو 5 مليارات دولار أميركي، وورشة عمل كبيرة غير مسبوقة منذ عملية إعادة الإعمار بعد الحرب. والحزمة واحدة على مراحل من التمويل والمتابعة. ولنا أن نفترض أن دوكان ساوره عدم اليقين في إنجاز الاصلاح القطاعي بشفافية ونزاهة في ظل الأجواء السياسية المشحونة. وعلى خلفية التنافس الشديد المنتظر للفوز بالمشاريع بين مراكز القوى السياسية المتنافرة. أكان مباشرة من خلال شركاتهم، أم عبر وكلاء شركات إعمار وخدمات لبنانية وأجنبية. ونفترض أيضاً، أن إمرار المشاريع في الحكومة وبعضها في مجلس النواب قد يواجه عقبات كثيرة للأسباب نفسها. هذا لو سلمنا بجاهزية الإدارة اللبنانية في وضعها الحالي، الخاضع للضغط السياسي، على تنفيذ المشاريع والتقيد بروزنامتها. في الاعتبارات اللبنانية، ينظر إلى الإصلاح القطاعي ومشاريعه في حال التوافق عليه وظيفة للنخبة الأوليغارشية. وضرورة لـ"الوفاق الوطني والصيغة والميثاقية". وفي حال التنابذ على المنافع حرباً تكون، تُستحضر فيها كل الاتهامات والاتهامات المضادة إلى حد تعطيل المشاريع.

نهج الحكومة
أما الاصلاح الهيكلي وهو الأساس، ويتصل بخفض العجز المالي، وإعداد الموازنات دورياً، والضرائب والرسوم، فعلى تماس مباشر بنهج الحكومة ورؤيتها لتوزيع أعباء الأزمة والاصلاح على طبقات الشعب اللبناني وشرائحه الاجتماعية. ونعني بالحكومة كما هي السلطات مجتمعة. الحكومة ومجلس النواب ورئاسة الجمهورية. لأن المعارضة "قُبحٌ ونقيصة في نظام برلماني ديموقراطي. تتعارض مع الدستور والميثاقية وتهدد الوفاق الوطني"! الاصلاح الهيكلي سيكون ملعباً للقوى السياسية لكشف أوراقها ورؤاها في شؤون على تماس مباشر بالناس. وهناك أسئلة، من أين نبدأ خفض الإنفاق، وزيادة الإيرادات، والضريبة والرسوم والدعم؟ وغيرها الكثير. وفي هذا الجزء تكمن قضية الفساد وسيبرز الخطاب شرطاً مسبقاً عن حق، شعبياً وشعبوياً، أن "توقفوا عن سرقة المال العام وإهداره، ثم تعالوا للبحث في التوازن المالي". لو استمر تسييس ملف الفساد يعني أن الإصلاح الهيكلي مكتوب عليه الفشل. ونستدرك ليس على سبيل السخرية، لو تم الاتفاق على المشاريع الدسمة في الإصلاح القطاعي بين الأوليغارشيا، لتوافق الساسة على الإصلاح الهيكلي! لكن لهذا السيناريو نتائج خطرة على المستوى الاجتماعي والاستقرار السياسي في البلاد، مهما تمادى سدنة النظام في الرهان على صبر الناس وطول أناتهم.

كرنفال الفساد
ليس سراً أن مؤتمر سيدر يركز على الإصلاح الهيكلي في المقام الأول. ولازمته المشاريع الشفافة في الإصلاح القطاعي على عكس "الرؤية البلدية". ويطلب رفع الدعم عن الكهرباء، وضريبة البنزين، وزيادة ضريبة القيمة المضافة وخلافها. لا توجد أي مشكلة في رفع الدعم عن الكهرباء، شريطة تأمينها بجودة ووفرة على مدار الساعة والاقلاع عن فاتورة المولدات الكهربائية. التكلفة ستبقى أقلّ في كل الحالات. هذا نبض الناس ولسانهم. لكن يجب أن يتوقف كرنفال الفساد في هذا القطاع فوراً. المالي والاداري والتقني. القطاع الخاص جاهز لمشاريع الطاقة والمياه والنفايات. إنما بشروط الإفصاح والشفافية والتقانة، وحفظ حق الدولة والمستهلك. والناس لن يدفعوا ضرائب جديدة. لا يوجد نظام في العالم بهذا السوء من توزيع الثروة، ويعيد توزيع أعباء الخروج من الأزمة بإجحاف أسوأ. ولسنا في حاجة إلى تذكير دوكان بأن الرئيس إيمانويل ماكرون تراجع عن ضريبة الوقود أسبوعين بعد تظاهرات أصحاب السُترات الصفر. ورفع الحد الأدنى للأجور. ظني أن دوكان يعلم عمق الثقب الاجتماعي في لبنان وتداعياته. جماعتنا يتنكّرون!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها