آخر تحديث:00:45(بيروت)
الخميس 28/02/2019
share

أغلب اللبنانيين يتعايشون مع الفساد

خضر حسان | الخميس 28/02/2019
شارك المقال :
أغلب اللبنانيين يتعايشون مع الفساد إعادة انتخاب أحزاب السلطة يعني دعم استمرار الفساد (خليل حسن)
لم تشفع عملية تشكيل الحكومة الجديدة للبنان، لمنع اتجاهه نحو مزيد من التأزّم السياسي والاقتصادي، ذلك أن ما استجدّ في حكومة العام 2019، هو بعض التغييرات الشكلية لا الجوهرية. وبالتالي يبقى الانحدار هو السمة الأبرز للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللبنانية، التي يلفّها الفساد بكافة أشكاله. والأسوأ، هو اعتياد اللبنانيين على واقع الحال، رغم تأكيد معرفتهم بأسباب الأزمة.

تأكيد على الفساد
تُضفي الأرقام طابعاً علمياً على أي ظاهرة. فهي تُثبت أو تنفي وجهات النظر، التي تحملها التحليلات السياسية والاقتصادية. ولا يبتعد لبنان عن مرمى الأرقام، التي باتت تصيب نواحيه السلبية نظراً لكثرتها، مقارنة مع الإيجابيات، وبالأخص في ما يتعلّق بالحديث عن أدء الطبقة السياسية وإنجازاتها، على مدى أكثر من ربع قرن.


وبعد نحو شهر على إعلان الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية - لا فساد، إحتلال لبنان المرتبة 138 عالمياً، من أصل 180 دولة، على سلّم مؤشر مدركات الفساد لعام 2018، خلصت مؤسسة كونراد آديناور الألمانية إلى أرقام تعكس ترجمة مرتبة الفساد اللبنانية، على مستوى الشعبي. فقد رأت المؤسسة الألمانية، التي استعانت بشركة ستاتستيك ليبانون لإجراء إستطلاع ميداني، حول الوضع المعيشي للمواطن اللبناني، والرأي العام إزاء الأوضاع الاقتصادية في لبنان، أن 88 في المئة من اللبنانيين وصفوا أداء الحكومة بأنه سيىء، في حين أن 87 في المئة قالوا بأن أداء الأحزاب السياسية سيىء، ووجد 83 في المئة أداء مجلس النواب سيئاً. أما وزارة المالية، فأداؤها كان سيئاً بالنسبة إلى 82 في المئة من المستطلَعين. فيما التقييم الإيجابي الوحيد كان تجاه القوى الأمنية، حيث رأى 59 في المئة من المستطلَعين ان أداءها جيد.

النظرة السلبية، تعود بالنسبة إلى اللبنانين، إلى تغلغل الفساد داخل الدولة. لذلك، اعتبر 89 في المئة من المستطلَعين أن مكافحة الفساد يؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد، فيما رأى 89 في المئة أيضاً أن الحل يكمن في معالجة أزمة الكهرباء. وشكّل إقرار البطاقة الصحية أحد الحلول، التي تؤثر إيجاباً على الوضع الحالي للبنان، بالنسبة الى 88 في المئة من المستطلَعين. وفي المقابل، يشكّل وقف الهدر المالي الحل بالنسبة إلى 86 في المئة من المستطلَعين. أما إلغاء الطائفية فهي الحل بالنسبة إلى 84 في المئة، وكذلك النسبة ذاتها للحل المتمثّل باستخراج النفط والغاز، ولإعادة تفعيل مجلس الخدمة المدنية. اما تشريع الحشيشة لأغراض طبية، فهي الحل بالنسبة إلى 72 في المئة.

واقع حال اللبنانيين
شملت الدراسة التي أُطلقت يوم الأربعاء 27 شباط، 1200 مستطلَع من مختلف المحافظات اللبنانية، والمجموعات الاجتماعية والاقتصادية، وسجّلت انخراط 75 في المئة منهم في سوق العمل، يعمل 97 في المئة منهم في وظيفة واحدة، ويعمل 42 في المئة منهم لحسابهم الخاص، و35 في المئة في وظائف بدوام كامل، ويستقطب قطاع الخدمات والمبيعات 52 في المئة من القوى العاملة. في المقابل، فإن 25 في المئة من المستطلَعين عاطلون عن العمل كلياً، من ضمنهم 23 في المئة يبحثون عن عمل. وتشكّل ربّات المنازل 49 في المئة من نسبة العاطلين عن العمل.

تتراوح أجور 22 في المئة من المستطلَعين، بين 2001 و3500 دولار، في حين أن 36 في المئة منهم تتراوح أجورهم بين 1001 و2000 دولار، وهؤلاء يشكّلون ذوي الدخل المتوسّط. أما ذوي الدخل المنخفض، أي الذين يتقاضون بين 500 و1000 دولار، فتبلغ نسبتهم 24 في المئة.

ومن بين المستطلَعين، هناك 53 في المئة ليس لديهم تغطية صحية. 43 في المئة لديهم قروض شخصية، و9 في المئة لديهم قرض إسكان. 16 في المئة فقط قادرون على الإدخار. 48 في المئة لديهم وسائل كافية للبقاء، لكن ليس لديهم المال الكافي لشراء حاجات إضافية.
هذا الواقع أدى إلى إشارة 61 في المئة من المستطلَعين إلى تراجع مستوى جودة الحياة في الأشهر الإثني عشر الأخيرة. كما قرر 92 في المئة من المستطلَعين عدم التفكير في الإستثمار في لبنان.

عدم الرغبة في التغيير
واقع الحال يشير إلى اعتبار 95 في المئة من المستطلَعين أن الأمور في البلاد تسير بشكل خاطىء، لكن الاصطفافات السياسية والطائفية توقع اللبنانيين في التناقضات. ففي حين يرى 89 في المئة من المستطلَعين أن مكافحة الفساد يؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد، يُحمّل 40 في المئة منهم مسؤولية واقع الحال إلى الفساد، و39 في المئة يحمّلون المسؤولية لارتفاع تكلفة المعيشة، فيما يحمّل 34 في المئة منهم المسؤولية إلى عدم وجود فرص عمل. ما يعني أن حوالى 60 في المئة من اللبنانيين لا يرون أن الفساد هو السبب وراء الأزمات.

ليس مستغرباً أن تُحيّد غالبية اللبنانيين الفساد من درب القوى السياسية التي تدير البلاد، ذلك أن تلك الغالبية تؤيّد بصورة أو بأخرى أحزاب السلطة. فالإقرار بأن الفساد هو أصل العلّة، يعني الإقرار بأن تلك الأحزاب هي التي تدير الفساد، فيجب حينها عدم الإنصياع لها. وهذا يتناقض مع الواقع الذي يؤكد دفاع الأغلبية عن أحزابها، في وجه بعضها البعض. فيما ينفي كل جمهور تهمة الفساد عن حزبه ويلصقها بالحزب الخصم. وهذا الصراع بين الخصوم، يُظهر وكأن جوهر الصراع سياسي، وليس المصالح الاقتصادية لزعماء الأحزاب، في حين ان أحزاب السلطة تُبدّل تحالفاتها حسب التسويات حول الصفقات والمشاريع، رغم تناقضاتها السياسية والدينية.

هذا التحييد جعل من مؤيدي أحزاب السلطة يرون بأن غياب فرص العمل، وارتفاع كلفة المعيشة وأزمة الكهرباء والاتصالات وغيرها، أسباباً قائمة بحد ذاتها، وليست انعكاساً لفساد أحزابهم. والغريب أن هؤلاء قيّموا أداء الحكومة والمجلس النيابي بصورة سيّئة، ومع ذلك يفصلون بين أحزابهم وبين الدولة، فيُظهِرون بأن الدولة كيان أو جهة منفصلة عن الأحزاب التي تمسك بالسلطة، فيطالبون الدولة بوقف الفساد وبإيجاد فرص عمل وبخفض كلفة المعيشة... وما إلى ذلك، ويرون بأحزابهم المخلّص الآتي إلى إنقاذهم من ظلم الدولة. وفي حال ثبت تورط حزب أو زعيم سياسي في الفساد، يدافع أنصاره عنه تحت حجّة "البلد هيك"، ويُترجم الأنصار وجهة نظرهم عبر الانتخابات النيابية، حين يجددون الولاء لأحزابهم. وهذا إقرار مباشر بأن صيغة الحكم في البلاد حالياً، هي توليفة فساد مستمر، يتعايش معها أنصار أحزاب السلطة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها