آخر تحديث:01:05(بيروت)
السبت 02/02/2019
share

وزارات اختفت وأخرى ابتُدعت: حقائب الوهم وحقائب الصفقات

خضر حسان | السبت 02/02/2019
شارك المقال :
  • 0

وزارات اختفت وأخرى ابتُدعت: حقائب الوهم وحقائب الصفقات صورة السلطة نفسها يُعاد إنتاجها مرة أخرى (ريشار سمور)
جنّدَت قوى السلطة نفسها في العام 2016 لمكافحة الفساد، وكان ذلك شعار الحكومة الأولى لعهد رئيس الجمهورية ميشال عون، كردٍّ على تصاعد الأصوات الشعبية التي ضاق صدرها من حجم الفساد المنتشر بكافة القطاعات، وبخاصة في ملفات النفايات والصحة والكهرباء. وعليه، استُحدثت وزارة دولة لشؤون مكافحة الفساد، وعلى رأسها الوزير نقولا تويني. وإيماناً من الحكومة بأهمية حقوق الإنسان، أضيفت إلى التشكيلة الحكومية، وزارة دولة لشؤون حقوق الإنسان، تولاها الوزير أيمن شقير. أما التخطيط، ولتصحيح خطأ إلغاء وزارة التصميم التي إستُبدِلت في العام 1977 بمجلس الإنماء والإعمار، فقد جرى إنشاء وزارة دولة لشؤون التخطيط، تولّى حقيبتها ميشال فرعون.

أموال بلا محفظة
سنتان من عمر حكومة "العهد" الأولى، طوِيَتا. وأعلنت يوم الخميس 31 كانون الثاني، حكومة العهد الثانية، بتوزيع الحقائب بين قوى السلطة نفسها. لكن السلطة هذه المرة لم تستحِ، ويقول المثل الشعبي "إن لم تستحِ فافعل ما شئت"، وكان ذلك. إذ لم تجد السلطة حرجاً في إلغاء وزارة الدولة لشؤون مكافحة الفساد. وبما أن مكافحة الفساد لم يعنِ للسلطة شيئاً، فلا داعي لوجود وزارة الدولة لشؤون التخطيط، فالتخطيط ومكافحة الفساد فعلان متوازيان. أما حقوق الإنسان، فمنتهكة في لبنان من نواحٍ عديدة. ونظراً لعدم أهمية ملف حقوق الإنسان بالنسبة للسلطة، تخلّت عن وزارة الدولة لشؤون حقوق الإنسان. وبهذه الإجراءات، تصبح أفواه قوى السلطة بحلٍّ من أي إلتزام إجرائي داخل الحكومة، قد "يكسر" عينها أمام الفساد وحقوق الإنسان والتخطيط.

لم يأسَف الشعب على الوزارات التي ألغيت. إذ كانت "لزوم ما لا يلزم"، في ظل التركيبة السياسية المتوارثة منذ انتهاء الحرب الأهلية. ويؤكد أصحاب الحقائب على عدم جدوى تلك الوزارات، التي بقيت منذ تأسيسها "بلا ملاك وبلا موازنة"، وفق ما يؤكده وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد، سابقاً، نقولا تويني. ويبرر تويني في حديث إلى "المدن"، أن "مالية الدولة ككل كانت متعَبة، ولم يكن ممكناً زيادة الأعباء عليها". ومع ذلك، أثمَرت الوزارة "مليونان و750 ألف يورو، كدعم من الاتحاد الأوروبي للوزارة. وقد جرى توقيع الاتفاق بشأن المبلغ، واجتمعنا مع مدقق الحسابات، الذي تم تعيينه من قبل الاتحاد". ومع إلغاء الوزارة يقول تويني "لا أعرف أين ستذهب الأموال. ويُفترض بالحكومة الجديدة ان تتوافق مع الاتحاد الأوروبي على كيفية دفع الأموال، ولأي جهة قد تذهب، طالما ان الوزارة ألغيت".

وزارات التوافق السياسي
وكما أُسِّسَت ثلاث وزارات وطارت لأهداف سياسية، ابتكَرت السلطة اليوم وزارتي دولة بعنوانين فضفاضين، الأولى لشؤون التجارة الخارجية، يتولاها الوزير حسن مراد، والثانية لشؤون تكنولوجيا المعلومات، يتولاها الوزير عادل أفيوني. ولإبقاء عدد الوزراء 30 وزيراً، بات منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، موقعاً منفرداً تولاه الوزير غسان حاصباني، الذي تولاه في الحكومة السابقة أيضاً، إلى جانب حقيبة وزارة الصحة، التي تولاها اليوم الوزير جميل جبق.

الوزارتان الجديدتان بلا ملاك أو موازنة، وبلا مهام واضحة ومستقلة. إذ ينحصر دورهما بالتنسيق بين بعض الوزارات. وبالتالي، تنحصر مهام مراد "بالتنسيق بين وزارات الخارجية والصناعة والزراعة والاقتصاد والتجارة بما يتعلق بالملفات الخارجية، فيما الوزارات الأساسية تتولى الملفات الداخلية"، على حد تعبير مراد، الذي أكد لـ"المدن" أنه "لن يكون هناك تعارض في المهام بين الوزارات". وأعرب أفيوني في حديث لـ"المدن" عن عزمه "الاستفادة من فرق العمل الموجودة في مجلس الوزراء وباقي الوزارات، لأن وزارتنا ستكون على تواصل وتنسيق مع كل الوزارات".
وحول تضارب الصلاحيات بين وزارته ووزارة الاتصالات، المعنية بملف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لفت أفيوني النظر إلى أن مهام وزارته "تتقاطع مع وزارة الاتصالات". وطمأن أفيوني القطاع الخاص، عبر التأكيد على أن الوزارة "ستعمل على تشجيع القطاع الخاص للعمل في مجال الاتصالات، ولن يتركز عملنا فقط على القطاع الحكومي، لأن القطاع الخاص لديه خبرات وإمكانيات كبيرة، ويستطيع خلق فرص عمل للشباب".

وبما أن "التنسيق" فقط، هو وجهة عمل الوزارتين الجديدتين، ألم يكن الأجدى تشكيل لجان داخل الوزارات الأساسية، تقوم بمهمة التنسيق؟ وفي الأصل، ألا يوجد تنسيق بين الوزارات عبر اجتماعات مجلس الوزراء، وعبر التواصل بين الوزارات، وهو عمل بديهي لا يحتاج لتخصيص وزارات له؟ الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن داخل بنية النظام نفسه، الذي يَتقن فنّ التوظيف السياسي وابتداع المناصب الوهمية، التي ترهق مؤسسات الدولة وخزينتها.

غياب الرقابة
لم يتحرك أي جهاز رقابي للتدقيق في عملية "تصفية" الوزارات السابقة. ولم يستفز غيابها، غير المبرر، أحداً من جمهور أحزاب السلطة، لسؤال حزبه عن سبب الغياب، وعمّا تحقق من الوعود التي كانت منتظرة من تلك الوزارات. وبالتأكيد، لم يسأل أحد عن تبرير استحداث وزارات جديدة، وإذا ما سيكون مصيرها كمصير سابقاتها. وليس غياب الرقابة مفاجئاً في ظل دولة تغيب فيها الأجهزة، وتحضر تبعاً للمصالح السياسية، وفي ظل وجود شعب لا يعرف بأن صناديق الاقتراع هي صورة من صور الرقابة، ولا يتحرّك إلاّ للدفاع عن صفقات زعمائه، من دون أن ينعم بدولار واحد من تلك الصفقات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها