آخر تحديث:00:06(بيروت)
الإثنين 09/12/2019
share

مواجِعنا قبل صندوق النقد!

عصام الجردي | الإثنين 09/12/2019
شارك المقال :
مواجِعنا قبل صندوق النقد! توزيع ثياب وأطعمة للمحتاجين أمام مصرف لبنان (علي علّوش)

بينما بات جليًا أن لبنان في حاجة فورية إلى المساعدات المالية للتخفيف من أثر الهبوط المفرط، ليس واضحًا بعد ما إذا كان اجتماع المجموعة الدولية لدعم لبنان، المقرر يوم 11 كانون الأول، في باريس، سيضيف إلى ما سبق وأعلنته المجموعة في مؤتمر سيدر في نيسان 2018. الإصلاح القطاعي والهيكلي للحصول على تعهدات المؤتمر.

الفترة الزمنية الفاصلة عن انعقاد المؤتمر، كانت كافية وتزيد للشروع في الإصلاحات المطلوبة، وإظهار جدِية سياسية لاستكمالها كي تبدأ تعهدات سيدر بالوصول تباعًا على وقع الاصلاحات. ما حصل شيء من ذلك، بل نقيضه. ومن المفارقات العجيبة، أن يكون اجتماع المجموعة الدولية في ظل غياب حكومة لبنانية يفترض أنها متلقية الدعم. الداعم يستعجل والمدعوم يستأخر. تحديد رئيس الجمهورية ميشال عون موعد الاستشارات النيابية لتكليف من يشكل الحكومة، جاء بعد تحديد المجموعة موعد اجتماع المجموعة الدولية. وكان واضحًا أن الاستشارات هي للتصديق على قرار تكليف من لا يستطيع التأليف. لا وفقًا لما تطالب به ثورة الشعب اللبناني حكومة مستقلين واختصاصيين رئيسًا وأعضاء، ولا بموجب دستور الطائف، ولا بميثاقية هذا "التيار الجارف" الذي اخترب لبنان في عهده. وإلاّ كيف اعتذر سمير الخطيب قبل أن يكلّف تأليف الحكومة!

حكومة من؟
ناشد رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، الدول الصديقة لبنان، مدّه بالأموال اللازمة لتمويل فاتورة استيراد السلع الحيوية. من غذاء وأدوية ومستلزمات. هذا ليس تصريف أعمال في المعنى الضيّق كما نص الدستور. بل شأن سيادي سواءٌ أكان العون الذي طلبه الحريري مساعدات خارجية أم قروضًا. لم يعلق "حلف الممانعة" على طلب الحريري. هذا هو الدور الذي يريده الحلف للحريري رئيسًا لحكومة لبنان. ويصر على أن يكون هو من يكلّف تأليف الحكومة الجديدة. مع ذلك لا يدعه الحلف يؤلف حكومته. يريدونه تأليف "حكومة ممانعة" على غرار حكومات طهران وبغداد ونظام دمشق. يتنكرون لكونهم معزولين عن لبنان العربي وعمقه الاقتصادي والسياسي. وعن بقية العالم بما في ذلك المجموعة الدولية لدعم لبنان. ويحذّر "فتى العهد الأغرّ" الذي بات وزيرًا لخارجيتنا، "ولا علاقة له بالتأكيد بأحداث قبر شمون – البساتين"، من "فوضى مدمّرة وفتنة". "قد تتطور إلى أكثر من ذلك". وسأل في مقابلة مع فرانس 24 "إلى أين يريدون أخذ البلد"!

نريد الأموال الآن. لكن نريد حكومة ذات صدقية بالحدّ الأدنى لتعيد بناء ثقة بالحدّ الأدنى قبل  الأموال وفورًا. تعهدات سيدر لم تأتِ بالمجان. كانت على خلفية سياسية من دول عربية وغربية لا مصلحة لها بخراب لبنان. وكانت مشروطة باصلاحات تستدعي مسؤولياتنا القيام بها. حصلنا على أكثر من فترة سماح سياسية أيضًا ولم نفعل. راعي مؤتمر سيدر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يواجه إضرابات وتظاهرات شعبية واسعة في بلاده طابعها اقتصادي واجتماعي، ما زال لديه الوقت والمال لدعم لبنان. وليحضّ الغير على الدعم أيضًا. والدول العربية الخليجية التي يناصبها "لبنان الممانع" العداء، ما زالت جاهزة للدعم. إذا كنتم تريدون حكومة ممانعة شكّلوها وتحمّلوا المسؤولية. واذا كنتم عاجزين وتكابرون لينفتح البلد على أزمة حُكم أوسع، فإنكم تذهبون بالبلد وشعبه إلى التهلكة.

يسأل الشعب اللبناني الطيّب والنظيف والمثقف في الشارع، ماذا يضيركم لو تألفّت حكومة من وجوه جديدة كفية ونزيهة ومستقلة؟ "جرّبناكم عقودًا لنجرّب غيركم". نسمع السؤال كل يوم. بينما المتمسكون بالسلطة يتوخون حماية امتيازاتهم المالية والسياسية، وحماية أنفسهم من عقاب لا بدَ آتٍ ولو طال الزمن. ما انكشف من فضائح بعد الثورة واتهامات الفساد يكيلها واحدهم إلى الآخر، سيظهر الكثير منها لو خرجوا من السلطة ودخلها شرفاء وطنيون ونزهاء. لن يقوم البلد من محنته هذه، باستمرار النظام الزبائنية السياسية. وسيلتحق الرعاة من الزبائن عمّا قريب بالأمر الواقع بالشعب والثورة. الغذاء ينضب. وفرص العمل تتبخرّ. والفقر يعمّ. والمرض والتلوث والقمامة. المهانة الانسانية تسود اليوم.

كنا لنتوقع من مجموعة الدعم الدولية فترة سماح سياسية جديدة لمدّ يد العون المالي الطارئ والفوري. حبّذا. التعهدات بواقع 10.8 مليارات دولار أميركي مقررة أصلًا لمشاريع البنى التحتية. بعد نحو أحد وعشرين شهرًا على سيدر، لم تعد مشاريع البنى التحتية أولوية. أخلت مكانها لدعم مالي طارئ نحتاجه لتفادي الانهيار الشامل. ومجموعة الدعم الدولية تعلم الوضع بالتفاصيل. وتدرك أن القروض الميسّرة والمشاريع الانشائية على أهميتها الكبيرة اقتصاديًا، يحتاج تفعيل أثرها إلى نحو سنتين حدًا أدنى بعد وصول التعهدات والشروع بالمشاريع. هناك 800 مليون دولار اميركي من أصل التعهدات في شكل هبات لضمان القروض. وربما تمّت كي يتمكن لبنان في فترة تنفيذ المشاريع الاستثمارية من التقاط أنفاسه والحصول على قروض ميسّرة بضمانة من دول المؤتمر نفسها. ويمكن أن تصل تلك القروض إلى نحو ملياري دولار أميركي. لكن المشكلة تبقى في الحُكم. وفي حكومة توحي بالثقة ومؤهلة لتلقي مزيدًا من المال. لتبدأ في الاصلاحات الهيكلية والقطاعية المطلوبة.

مسألة وقت
الصحافة  ووسائل الاعلام الدولية لا تتحدث سوى عن موعد إعلان إعسار لبنان. وكالة بلومبيرغ توقعته في آذار 2020. واعتبرت إعادة هيكلة الدين وخفض سعر الصرف رسميًا بات مسألة وقت. بعض الخبراء الدوليين يتحدث عن صندوق النقد الدولي ملاذًا أخيرًا وهبوطًا اضطراريًا، لأسباب القصور السياسي في قمرة القيادة،  قبل الدواعي الفنية. نعلم ردة الفعل التلقائية على الصندوق. نحن من أنصارها أيضًا. لكن دعونا نقول، أن الدول الصلبة مؤسسيًا هي التي تتحمّل وصفة الصندوق. بمعنى القادرة على استيعاب صدمات العلاج الكيميائية للصندوق على المستويين الشعبي والاجتماعي، ولو تطلب الأمر القوة والقمع. ولدينا منها نماذج في المحيط العربي. وغالبًا ما تكون دول فساد وبطانة. بيد أن الشعب اللبناني يعاني الآن مخرجات النظام السياسي الفاسد وبطانته، قبل الذهاب إلى الصندوق. ومن خلال فوضى غير منظمة ولا إدارة أزمة. شروط الصندوق المضافة التي قد تحمي من الانهيار إلى حين، ستكون موجعة تضاف إلى موجعات. وتحتاج كذلك إلى مؤسسات تلتزم الشروط وتنفذها. ويعوز السلطة القمع والقوة كي يذعن الشعب ويتحمّل الآلام فوق ما يحمل على طريقة مقتلة أنظمة بغداد وطهران ودمشق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها