آخر تحديث:00:03(بيروت)
الإثنين 02/12/2019
share

ذهبُنا يلمع في أقبية نيويورك!

عصام الجردي | الإثنين 02/12/2019
شارك المقال :
ذهبُنا يلمع في أقبية نيويورك! الغياب التام لمصرف لبنان عن سوق القطع باتت تداعياته كبيرة (Getty)

طافت الاستعصاءات المالية والنقدية. ومعها استعصاء النمو السالب لنطفو فوق سطح الماء. الاستعصاءات الداخلية ليست أقل فداحة من الخارجية ومفاعيلها، لو وصلنا إليها لارتدّت على الداخل بحجم الكارثة. لكن الأفدح، هو القيادة السياسية التي يمكن وصفها بحالة الانفصام الوطني التي نعاني بين دقة الوضع وحراجته من جهة، وبين المخاطر المحدقة التي دهمت وتنذر بفوضى عصيبة لن ينجو أحد منها. لا حكومة في بلد يواجه ما يواجهه. العقلية التي سيطرت على مفهوم الحكم ما تزال تمنع تأليف حكومة. "لا تقوم حكومة بلا هذا وذاك وذينك". وفي الغالب، مجموعة ثبُت فشلها سنوات. وما زالت تعتقد أن بقي في الوطن ما يستحق الاستئثار به. وفريق آخر في الحكم يصر على إقحام البلد في "حلف ممانع" إقليمي، ينتفض شعبه في وجهه سلمًا من أجل الحرية والرغيف. ويواجهه بممانعة حرون، دمًا وقتلًا وقمعًا. السيناريو العصي في لبنان. لا الجيش آلة قتل عندنا. ولا الشعب استدعى العنف ليكون كذلك. وإذ يعلم الحكم أن حالة الإنكار لما نحن فيه تشبه إنكار المريض مرضه حتى على الطبيب المعالج، يلجأ إلى وصفات موضعية لا يُستطبّ بها ويُستشفى. اجتماعات تترى. وخطب وتصريحات مصادر والمطلوب واحد. حكومة اليوم. هي التي تتولى المهمّات بموجب الدستور. ولا حقّ للفاشلين أن يملوا شروطهم ليعودوا إلى حكومة جديدة.

الـ"ميدل إيست" أيضًا!
وكأن البلد المكشوف على الخارج بكل المعايير، قرّر صمّ أذنيه عمّا يقوله الخارج هذه الأيام. تقرير بنك أوف أميركا ميريل لينش كان مرعبًا. هيكلة الديون السيادية والتوقف عن الدفع يراه أمرًا شبه محتوم. بلغ التقرير حد التحدث عن احتجاز الذهب الذي يحوزه مصرف لبنان، ويستودع جزءًا كبيرًا منه في أحد أقبية مجلس الاحتياط الفدرالي الأميركي في نيويورك. والحجز على شركة طيران الشرق الأوسط الناقل الوطني الوحيد المملوكة من مصرف لبنان، باعتباره مصرف الدولة اللبنانية. ولا يرى التقرير ضيرًا في القانون الصادر في الجريدة الرسمية في 2-11-1986 الذي منع بيع الذهب، والتصرف به في أي شكل من الأشكال. ويستشهد التقرير بأحكام صدرت عن محكمة استئناف نيويورك في حالات شبيهة، حين إعسار دولة عن الوفاء بديونها السيادية. صحيفة "فايننشال تايمز" تعتقد أن تغطية فواتير الاستيراد قد تكون لها أسبقية على الوفاء بتعهدات الدين الخارجي في مواعيدها. بينما خدمات الدين في 2020 نحو 6.5 مليار دولار أميركي. تقرير بنك أوف أميركا ميريل يرى أن احتياطات مصرف لبنان قد تنفد قبل نهاية 2020.

حين قرع حاكم مصرف لبنان جرس افتتاح إحدى جلسات بورصة وول ستريت قبل سنوات، كانت أجراس النذٌر المالية تقرع في بيروت. وكنا نهلّل للإقبال على إصدرات أوراق الدين السيادية يوروبوندز في الأسواق الخارجية، "فعل إيمان بلبنان"، ومشدوهين بلعبة تركيب الطرابيش للوفاء بالفوائد وخدمة الدين. تحلّل الطربوش الآن، ولم يعد هناك رأس ليركب عليه! وأذُن وقت الحساب. وما زال الطربوش السياسي يبحث عن رأس حكومة استعصت استعصاء محنتنا، لإعادة توزيع مغارم تعتقدها البطانة مغانم من حقوق "العرق الميثاقي الأنقى" في بلد معذّب. محنة..

"الفجوة الرمادية"
طُلب إلى حاكم مصرف لبنان في اجتماع القصر الجمهوري الأخير، إجراءت نستعين بها على الآلام المبرّحة فحسب. خفض الفوائد 50 في المئة. رفع ضمانة الوديعة المصرفية من المؤسسة الوطنية لضمان الودائع إلى 75 مليون ليرة لبنانية من 5 ملايين. أي ما دون الـ75 مليونًا أو ما يوازيها بالعملات الأجنبية يحصل على المبلغ نفسه. الباقي فوق الضمانة الذي بقي في لبنان ولم يحوّل إلى الخارج له القرش الدائر في "حال دارت الدائرة"! وطُلب أيضًا إجراءات أخرى لتلطيف القيود على السحوبات والتحويلات الخارجية الضرورية. والضروري كل المواد الغذائية والسلع الملحّة التي تحتمل تقنينًا ولا تحتمل تأجيلًا. وإذ شدّد حاكم مصرف لبنان على وجوب زيادة المصارف 20 في المئة على أموالها الخاصة لتعزيز ملاءتها 10 في المئة منها قبل نهاية 2019، فلأنه يعلم ما فوق الطاولة وتحتها. لكن السؤال عن حقيقة الملاءة المصرفية في الظروف الراهنة، وما إذا كانت هناك فجوة بين الموجودات وبين المطلوبات، بقي رماديًا بلا جواب. لم يُبلغ رئيس الجمهورية المجتمعين متى تأليف الحكومة. وبعض ما تقرّر في الاجتماع، يحتاج إلى قوانين وحكومة وإداراة سياسية. والبعض الآخر إلى إجراءات استثنائية يتيحها قانون النقد والتسليف ولم يسبق استخدامها من قبل.

نعلم أسباب انكفاء مصرف لبنان عن سوق القطع. لكن الغياب التام باتت تداعياته كبيرة. وتحتاج إلى عمل نظامي حدًا أدنى. الإصرار على التمسك بسعر الصرف الرسمي الذي تجاوزته السوق فعليا إلى ما يتجاوز 2200 ليرة، بات يفسّر بأن السلطات المعنية تنتظر معطيات جديدة لخفض سعر الصرف رسميًا للدفاع عنه على مستوى أعلى. وهي إشارة ضعف تحتمل تكرار تجربة السعرين وعدم تفعيل التثبيت. وسعر الصرف يمسّ كتلة الأجور وقوتها الشرائية والأسعار وعقود الذمم المالية والوضع المعيشي والاجتماعي.

اللافت في سوق القطع اتجاهها الواحد نحو الارتفاع. الأمر أفقد التداول عملية تصحيح تقني تقليدية لا بدّ أن تحصل في سوق القطع وفقًا لتحليل الدعم (support) والمقاومة (resistance). الدعم في سعر الصرف حين تتراجع العملة بحدة، يتوفر لها الدعم من خلال الطلب على سعر مخفوض لتغطية مراكز في انتظار جولة جديدة معاكسة. فيرتفع سعر الصرف ويعرض على أسعار أعلى يحقق أرباحًا. أما المقاومة فحين يرتفع سعر الصرف بحدّة، ويتوقف على سقف معين، نتيجة عروض لتحقيق أرباح ليعود السعر إلى التراجع وهكذا دواليك. وفي  الدعم على قعر سعر الصرف، والمقاومة على سقف السعر، تكمن المضاربات للتأثير في قاعدة العرض والطلب، من خلال مؤشرات اقتصادية ومالية وتسريب أخبار سياسية وأمنية وخلافها. نقدّر هاجس مصرف لبنان لاستبقاء ما أمكن من عملات أجنبية لديه لغايات جسيمة. لكنه قادر على تقليم أظافر الفوضى في السوق، لمجرد التماس الصيارفة استعداده لعرض ما وسّع من العملات للحدّ من هلع المواطن وكسر حدة الطلب. والمصرف قادر على استعادة جزء كبير مما تدخل به حين تراجع السوق. وحاكم مصرف لبنان بارع في المجال. لا يضطر الصيارفة إلى المضاربة لتحقيق الأرباح طالما سوق قطع محكومة بالطلب على الدولار الأميركي بعامل القلق على الليرة والرواتب والأجور، أو لحاجات الاستهلاك التي ارتفعت أسعارها. الدولار الأميركي نقدًا الموجود خارج المصارف نحو 3 مليارات. وينتقل إلى الصيارفة بوتيرة سريعة. وعرضة للشحن إلى الخارج.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها