آخر تحديث:00:05(بيروت)
الخميس 07/11/2019
share

رياض سلامة على طريق اللاعودة: إما الوقوع أو الاستقالة

خضر حسان | الخميس 07/11/2019
شارك المقال :
رياض سلامة على طريق اللاعودة: إما الوقوع أو الاستقالة لم يتوانَ سلامة عن تقديم خدماته للسلطة السياسية والمالية (ريشار سمور)
خطَّت ثورة 17 تشرين الأول معالم بناء نظام جديد بقطيعة تامة مع النظام الذي بناه قادة ميليشيات الحرب الأهلية بعد اتفاق الطائف. لم تظهر التغييرات بعد، لكن طلاب المدارس والجامعات وبعض أساتذتها والموظفين والمثقفين والعمال والعاطلين عن العمل، قالوا كلمتهم في الشارع، غير آبهين بالتهديدات المباشرة وغير المباشرة، الصادرة عن السلطة الرسمية أو سلطة بلطجية الميليشيات. قالوا كلمتهم بعد رميهم ما سمّته السلطة بورقة الإجراءات والتدابير الإصلاحية والاقتصادية والمالية الصادرة عن اجتماع الحكومة في قصر بعبدا، والتي أُريد منها التحايل على المتظاهرين وإيهامهم أن السلطة بدأت باتخاذ إجراءات إصلاحية. 

ما يُبهِج القلب أكثر، هو أن الثورة تعرف تماماً وجهتها التي تعارض حكم المصرف. فالثوار يهتفون لسقوط حكم المصرف كمنظومة، بدءاً من مصرف لبنان وصولاً الى أصغر مصرف تجاري عامل ضمن جمعية المصارف. والسقوط لا يعني الإفلاس وضياع ودائع الناس، وإنما يعني التحرر من السياسات المالية التي رسمها المصرف المركزي.

سياسات إغراقية
لم يلعب مصرف لبنان دوره كمصرف رسمي يؤمّن مصلحة الدولة اللبنانية بوصفها قطاعاً عاماً، بل حوّل نفسه إلى راعٍ لمصالح القطاع الخاص، وعلى رأسه قادة الميليشيات الذين أصبحوا رؤوساء ووزراء ونواب يتحالفون مع كبار أصحاب رأس المال، المقيمين والآتين من دول عربية وغربية. فسار المصرف المركزي بسياسات أغرقت البلاد عبر دعم تحويل الاقتصاد من الإنتاج إلى الاستهلاك. كما شجّع المركزي استقطاب رؤوس الأموال وتوظيفها في البنوك عوض الإنتاج، حتى وصل الأمر إلى وجود نحو 3 مليون حساب مصرفي، بينها نحو 24 ألف حساب يستحوذون على 52 بالمئة من قيمة الموجودات. وهذه الحسابات فيها ما يعادل 85 مليار دولار. وهذا المؤشر يدل على مكان تركّز الثروة المالية التي يقابلها ثروة عقارية أكبر بكثير من الموجودات المصرفية.

عرّاب هذه السياسات هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الآتي إلى لبنان مطلع التسعينات من مؤسسة ميريل لينش، حيث كان يعمل في إدارة الثروات الخاصة للأثرياء. وفي لبنان استلم سلامة زمام إدارة ثروات من حكم البلاد بعد الحرب الأهلية، وبنى سياسات المصرف المركزي لخدمة أهل السلطة. ومن مظاهر تلك السياسات، تخفيض ضريبة الأرباح من معدل تصاعدي يصل إلى 29.5 بالمئة، إلى 10 بالمئة "مقطوعة"، وإعفاء فوائد الأرباح من أي ضريبة، كما ربط الليرة بالدولار، وثبّت سعر صرف الليرة لإعطاء ضمانة لأصحاب رأس لإيداع اموالهم في المصارف، من دون تعرضها لمخاطر تقلب سعر الصرف. وقد ساهمت سياسات سلامة بتدفق الرساميل. لكن عندما زادت الودائع في المصارف، توجهت الأخيرة إلى تحفيز الناس للاستدانة، وبالطبع بفوائد مرتفعة.

واستطراداً، ترافقت سياسات سلامة مع قرارات لإعفاء الربح العقاري وبيع الأسهم من الضريبة، فبات من يملك الشركات ويريد بيعها، يقسم الشركة إلى أسهم وتُباع الشركة كأسهم، وعليه فإن العقار الذي يضم الشركة لا يُباع، ولا يخضع لرسم الانتقال.

خدمات لأهل السلطة
لم يتوانَ سلامة عن تقديم خدماته للسلطة السياسية والمالية، فبعيداً عن الخدمات المجانية التي أسداها للمصارف عبر ما يسمى هندسات مالية متكررة، قفز سلامة فوق المطالب الشعبية التي تريد تحسين أوضاع البلاد، وأوعز للسلطة السياسية تضمين بند في الورقة الاصلاحية يهدف بحسب زعمه إلى المساهمة بإقرار موازنة 2020 بعجز صفر بالمئة، وعليه، قرر سلامة "مساهمة مصرف لبنان بخفض خدمة الدين العام لسنة 2020 بالتنسيق مع مصرف لبنان (4500 مليار) على أن يتابع رئيس مجلس الوزراء الاجراءات التنفيذية مع وزير المالية وحاكم مصرف لبنان". والمقصود بهذا النص غير المتوازن لغوياً، بأن مصرف لبنان يتنازل عن الفائدة التي سيحققها من سندات الخزينة بالليرة اللبنانية للعام 2020، وبذلك يكون قد ساهم بخفض العجز.

لكن هذا الأمر يعني أن الدولة تحملت المسؤولية وحدها، دون إشراك المصارف في تحمل المسؤولية، علماً أنها استفادت مجاناً ولسنوات من سياسات المصرف المركزي. علماً أن مساهمة المركزي هي لعام واحد، فماذا بعد العام 2020؟ أي أن ما يفاخر به سلامة لا يعدو كونه خدمة للنظام عن طريق محاولة تخفيض احتقان الشارع ضد السلطة والمصارف. والحديث عن تخفيض الدين العام هو عنوان فضفاض، لكنه يغري الرأي العام لقبول بعض الشروط، وهذا ما اعتقده سلامة وما رفضه الشارع.

مسار اللاعودة
سياسات سلامة أدخلت البلاد وأدخلته شخصياً في مسار اللاعودة. فسياساته المستمرة برغم رفض الشارع لكل المنظومة السياسية والمالية والاقتصادية، تدفع الاقتصاد إلى شفير الانهيار واحتمالات تدخل صندوق النقد الدولي بقوة، فضلاً عن الانعكاسات التي ستصيب لقمة عيش الناس. وبالتأكيد لا عودة إلى الوراء مع الانهيار. 

ما يصيب الاقتصاد ومالية الدولة ليس ببعيد عن سلامة، لأنه أصيب، وإن لم يعترف حتى اللحظة. فهو فقد ثقة اللبنانيين، وما عادت الطبقة السياسية التي حماها لسنوات، قادرةً على حمايته. وتناقضات مواقفه حول الليرة والوضع المالي زادت من غرقه في المستنقع الذي صنعه. وللتذكير فقط، عمد سلامة إلى طمأنة اللبنانيين على الليرة والدولار في ظل أزمة شح الدولار، وانفلات سعر صرف الليرة، وفي المقابل صرّح في حديث لـCNN أن لبنان على بعد أيام من "الانهيار" الاقتصادي، داعياً لايجاد "حل خلال أيام لاستعادة الثقة وتفادي الانهيار في المستقبل"، أي أن سلامة يلقي اللوم على مجهول ويطالبه بحل يتفادى نتائج سياساته التي مارسها على مدى 26 عاماً.

لذلك، لم يعد أمام سلامة في هذه الأوضاع إلا استكمال مسيرة سياساته وصولاً إلى الانهيار الذي حذّر منه بنفسه، وإما الاستقالة، وهي أمر مستبعد لأنه لن يعلن فشله.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها