آخر تحديث:00:55(بيروت)
الثلاثاء 05/11/2019
share

"الإنماء والإعمار" أمام القضاء: رضوخ للانتفاضة أم طعنة سياسية؟

خضر حسان | الثلاثاء 05/11/2019
شارك المقال :
"الإنماء والإعمار" أمام القضاء: رضوخ للانتفاضة أم طعنة سياسية؟ تحرك الأجهزة الرقابية يقطع الطريق أمام "مذهبة" فتح ملفات الفساد (الأرشيف، ريشار سمور)
فتحت الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 تشرين الأول، النقاش حول كل ملفات الفساد في البلاد. ساهَمَ الطابع الوطني غير الطائفي للانتفاضة في استهداف كل الوزارات والمؤسسات العامة والصناديق والمجالس المرتبطة بالوزارات والرئاسات، خصوصاً رئاستي الحكومة ومجلس النواب. وطال الاستهداف كبار المسؤولين في الدولة وزوجاتهم وأولادهم وأقربائهم، حتى بدا واضحاً أن المنتفضين في الشوارع لا يريدون الإبقاء على أي إصبع يمكن للسياسيين الاختباء خلفه.
وفي محاولات إرضاء المنتفضين، بدأت على حين غرة، تتفتح الملفات وتتحرك الجهات القضائية أو السياسية لكشف بعض قضايا الفساد.. وملاحقتها. 

هكذا، في سياق محاربة الفساد والهدر واستعادة أموال الدولة، ادعى المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم على مجلس الإنماء والإعمار وثلاث شركات أخرى هي دار الهندسة وbatco وlk، وذلك على خلفية "مخالفة دفتر الشروط وهدر في المال العام"، وفق ما يؤكد إبراهيم في حديث لـ"المدن".

سد بريصا
الشرارة التي أوصلت النار إلى مجلس الإنماء والإعمار انطلقت من مشروع سد بريصا في منطقة الضنية الشمالية، الذي يهدف إلى ري مساحات واسعة في الضنية وعكار والمنية. ومع انطلاق تشييد السد في العام 2003، انبعثت منه إشارات الفساد والهدر. وقد استلم إبراهيم الملف إثر تغييرات كثيرة شهدتها عملية التنفيذ، طالت الجوانب التقنية والمالية، خلافاً لدفتر الشروط. 

من الناحية التقنية، هناك أخطاء فنية كثيرة عرّضت المشروع للفشل، وهي أخطاء غفلت عنها الشركات المنفّذة، التي تعود ملكية إحداها (batco) إلى بدوي أزعور، والد وزير المال السابق جهاد أزعور. أما مالياً، فإن كلفة 10 مليون دولار المنصوص عنها في المخطط الرئيسي للسد، والمرصودة في القرض الموقع بين مجلس الإنماء والإعمار والصندوق السعودي للتنمية، باتت تتراوح بين 22 و25 مليون دولار، حسب تأكيد المجلس. علماً أن بعض المصادر أكدت أن الكلفة قد ترتفع لنحو 45 مليون دولار.

ويحصر إبراهيم أسباب ادعاءه "باستكمال الملف". وبرأيه فإن "القرار جاء نتيجة دراسة معمقة للملف، وفق العمل الطبيعي للنيابة العامة المالية". متجنباً وضع النتيجة في إطار ضغط الشارع لفتح ملفات الفساد.

فتح الملفات
ليست الجهة المدعى عليها أو أسباب الادعاء هي الحدث البارز، فليس سراً أن مجلس الإنماء والإعمار وُجِد ليكون قناةً لتمرير المشاريع والتنفيعات. لذلك، فإن توقيت فتح الملف هو الأهم.

القاضي إبراهيم سار بالقضية انطلاقاً من إخبار يتعلق بسد بريصا، لكن وصول الملف إلى خواتيمه في وقتٍ يتحرك فيه الشارع المؤيد لرئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، احتجاجاً على ما يراه الشارع تضحيةً بالموقع السنّي، بفعل الاستقالة تحت الضغط الشعبي، ومن دون حماية من باقي أطراف التسوية الرئاسية.. هذا الأمر قد يؤجج احتجاجات الشارع السني لأن مجلس الإنماء والإعمار يتبع رئاسة الحكومة، أي الرئاسة السنية حسب العرف الطائفي اللبناني.

ومن هنا، سيواجه إبراهيم مطالب بفتح ملفات تطال مؤسسات أخرى، على غرار مجلس الجنوب وصندوق المهجرين. أما مسألة الاستناد إلى الإخبارات، فلا تلقى أهمية عند الشارع الذي لا يرى سوى معادلة 6 و6 مكرر، حتى في المحاسبة.

غير أن التطورات مرهونة بخط السير القانوني للملف. إذ لا يكفي ادعاء إبراهيم على المجلس وشركائه لإدانتهم واتخاذ الاجراء القانوني المناسب. فالدعوى ستتحول إلى النيابة العامة في بيروت، لأن مقر المجلس في بيروت. وحينها، يتولى الملف قاضي التحقيق الأول الذي يفترض به إصدار قرار ظني. وفي حال كانت النتيجة هي ارتكاب المجلس جناية، فسيتحول الملف إلى الهيئة الاتهامية التي تقرر مصيره. وعلى هذا الطريق، يُتخوّف دائماً من وجود ألغام وعوائق تحرق الملف بكل شوائبه، أو بأحسن الأحوال تضعه في الأدراج إلى أجل غير مسمّى، على ان يُستعمَل سياسياً حين تدعو الحاجة.

الإطاحة بالرؤوس
تعلّق مصادر قضائية الآمال على القاضي إبراهيم لفتح المزيد من الملفات، خصوصاً وأن صلاحياته تشمل كامل الأراضي اللبنانية، على عكس بعض الأقسام القضائية التي تنحصر صلاحياتها بمناطق محددة. لكن المصادر عبّرت، خلال حديث لـ"المدن"، عن خشيتها من ملاقاة إبراهيم المصير ذاته لمدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي واجهت عقوبة مسلكية أصدرها بحقها النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات. عقوبة قيل أنها أتت على خلفية فتح عون ملفات تتعلق بالفساد بحق رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي.

أيضاً، يمكن لخطوة إبراهيم أن تؤخذ من زاوية مختلفة كلياً، وهي أن الزعامات السياسية الكبرى قد سرّعت على إثر التظاهرات الشعبية، عملية تنظيف ساحتها، عبر الإطاحة برؤوس كبيرة، تلافياً لوصول المساءلة إلى عقر دار الزعامات. فحينها، ستُفتح ملفات تطال الزوجات والأولاد والأقارب والأصدقاء وربما شركاء محليين وإقليميين ودوليين، ما يفرض الآن فك الارتباط مع أثقال فساد كبيرة. وهو ما يفسح المجال لوصول المحاسبة إلى داخل مجلس الجنوب وصندوق المهجرين.

وما تخفيض موازنات المجالس والصناديق بنسبة 70 بالمئة، ضمن ما جاء في الورقة الاقتصادية الاصلاحية التي أعلنها الحريري بالتوافق مع باقي أطراف السلطة، سوى مدخل لتدمير شواهد كبيرة على الفساد والهدر، تمهيداً لحماية كبار الشخصيات. على أنّ هذا المقصَد يًفترض به أن يكون بمثابة إخبار للأجهزة الرقابية والقضائية، لتعجيل التحقيق بكل ما يتّصل بتلك المجالس والصناديق، كي لا يعفي الزمن عن الارتكابات الحاصلة منذ مطلع التسعينيات، بصورة تشبه تصفير حسابات الدولة بعد الحرب.

تحرك الأجهزة الرقابية يقطع الطريق أمام "مذهبة" فتح ملفات الفساد، فلا الشيعة يريدون استهداف السنة، ولا الموارنة يريدون استهداف الدروز، بل هناك فئة متسلطة استولت على أجهزة الدولة بعد اتفاق الطائف، تريد - بالتراضي- نهب كل ما تختزنه الدولة، وتريد ضمان بقائها في السلطة، عن طريق الإستزلام للمحاور الخارجية الباحثة عن أدوار سلطوية حول العالم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها