آخر تحديث:00:11(بيروت)
الإثنين 25/11/2019
share

من يدفع نحو الفوضى؟

عصام الجردي | الإثنين 25/11/2019
شارك المقال :
من يدفع نحو الفوضى؟ نظام سياسي عاطل من العمل (الأرشيف)

هل هناك من يدفع عمدًا إلى الفوضى المدمّرة في لبنان؟ لقد بتنا في قلب الخطر الكبير ولسنا على ضفافه. ولا نجد قلبًا ينفطر على لبنان، سوى الناس المفطورة قلوبهم على يومهم وغدهم ووطنهم في الشوارع والساحات شهرًا ثانيًا بلا توقف. لو زودّنا العقل الالكتروني المعطيات المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة، معطوفة على المعطيات السياسية وأهل حكمٍ غير مؤهلين، ونظام سياسي عاطل من العمل. وطلبنا سيناريوًا متوقعًا للبلاد والعباد في قبل نهاية السنة. ماذا ستكون النتيجة غير المشهد المرعب؟

مع ذلك يبقى البلد بلا حكومة. ويتعطّل الدستور الذي يلزم رئيس الجمهورية باستشارات نيابية نتائجها ملزمة لتكليف من يؤلف حكومة. والحكومة لن تحل أي معضلة من معضلات يواجهها الشعب. وبالإذن من ثورة الشعب المقدامة، ليأتِ من يأتي على رأس الحكومة ووزرائها. شرط أن تكون حكومة انتقالية تتعهد أمرين. الأول، أن تعالج الضغط المالي والنقدي بما يتيح وصول الناس إلى حقوقها في المصارف. سواءٌ من سيولتها المعقّمة لدى مصرف لبنان وتوظيفاتها فيه، وأن تعلن للبنانيين حقيقة الوضع المالي ومستقبل سعر الصرف. وتضع خطة عاجلة فيها الحد الأدنى المتاح من الطمأنينة للناس على عملتهم وودائعهم. استمرار التهافت على المصارف معروفة نتائجه. واستمرار الثقة المفقودة لن يوقف التهافت. الأمر الثاني، أن تتعهد مع رئيس الجمهورية ومجلس النواب باستقدام موعد الانتخابات النيابية على أساس قانون انتخابي جديد نسبي خارج القيد الطائفي. والدائرة الانتخابية الواحدة. وخفض سن الاقتراع إلى 18. غير ذلك تنكرٌ للواقع وطريق التغيير وصون الوطن.

الانهيار والحكومة!
لا نصدّق أن تكون سرعة الانهيار أسرع من اعلان رئيس الجمهورية موعد الاستشارات النيابية بمنطوق الدستور لتأليف الحكومة. "حزب الله" القابض على اللعبة السياسية في البلد مع رئيس الجمهورية وتياره، يصر على سعد الحريري رئيسًا للحكومة. فالأخير مِلحفة أخرى للحزب والرئيس وتياره على الدول العربية التي تشكل عمق لبنان الاقتصادي. ونافذة يبدو إنها ما زالت مفتوحة في وجه الحريري على الدول الغربية التماسًا للعون المالي وقروض مؤتمر سيدر والدعم السياسي. لكن ممنوع على الحريري أن يؤلف حكومته "بالتوافق مع رئيس الجمهورية" وفقًا للدستور. وعليه في مرحلة لاحقة أن يطلب ثقة مجلس النواب على بيان وزاري لا يقتنع به. وأن يدافع أمام مجلس النواب عن حكومة ليس مقتنعًا بها. أي في اختصار، العودة إلى مسار الحكومة السابقة المستقيلة التي تحّكم بها وتنمّر، فتى أرعن مغرور وفاشل. والحريري كان مسؤولًا مباشرًا عن تسوية عقدها مع العهد. لم يصعد "الفتى الأغرّ" ليمسك بمصير الحكومة. الحريري هبط فصعد الفتى!

هل هذه هي الحكومة التي يراد لها أن تتصدى للانهيار؟ وهل هي مؤهلة لتحقيق إصلاحات اقتصادية ومالية وإجراء تغيير جذري في النموذج الاقتصادي الذي انكشف على دولة مكشوفة على ثقة مفقودة في الداخل والخارج؟ أم هناك من يدفع إلى الفوضى لأن النظام ليس مستعدًا للتنازل عن امتيازاته. وعلى كتفه الآن شعبٌ في شوارع كل لبنان يريد التغيير والكرامة. وفرص العمل في بلده ووقف نهب موارده. ويريد تعديلات جذرية في نموذج الريوع الاقتصادي. علمًا، أن النموذج نفسه أتاح فرصًا عدة لتصويب المسار الاقتصادي من دون تنازلات كبيرة من الـ"أوليغارشيا" أوقات الفوائض المالية.

فرّطنا بالتدفقات والفوائض
كانت سنة 2009 شاهدًا على السياسات الحكومية الأحادية في الاقتصاد الكلّي، وغياب التنسيق وتكريس الريوع في الاقتصاد، وتوسيع الاختلالات في الاقتصاد. بدلًا من استثمار الفوائض في قطاعات منتجة أكثر ثباتًا، تزيد من حجم النمو المستدام، والقيمة المضافة الحقيقية، وتستولد فرص عمل، وتزيد إيرادات الخزانة والموازنة من الرسوم والضرائب وتحد من العجز المالي.

نتائج 2009 الاقتصادية كانت باهرة بكل المعايير، وقت كانت اقتصادات الدول الصناعية، خصوصًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان تجثو على ركبتيها طلبًا للنجاة من كارثة 2008 المالية. حقق لبنان 8 في المئة نموًا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. أعلى رقم في المنطقة والعالم، وفوق معدل النمو في الصين. صادرات بواقع 3 مليارات و484 مليون دولار أميركي. نمو السياحة بواقع 39 في المئة الأعلى في العالم. وكان الرقم المذهل 20 مليارًا و693 مليون دولار أميركي حجم التدفقات النقدية من الخارج، غطّت عجزًا تجاريًا بواقع 12 مليارا و758 مليون دولار أمريكي واستبقت 7 مليارات و899.1 مليون دولار أميركي فائضًا في ميزان المدفوعات. وجرّاء ذلك حققت الودائع المصرفية نموًا بنحو 21 في المئة. الأعلى في منطقة الشرق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بينما تراجعت التدفقات النقدية إلى دول المنطقة في السنة نفسها بواقع 6.3 في المئة.

لكن السؤال، أين استثمرنا التدفقات النقدية غير المسبوقة منذ ولادة دولة لبنان الكبير واستقلال 1943؟ وبالتالي، ماذا كان أثر التدفقات النقدية في القيمة المضافة والاقتصاد الحقيقي وفرص العمل؟

الإجابة كانت مذهلة أكثر من حجم التدفقات النقدية ونتائج مؤشرات 2009. 8 مليارات و693.1 مليون دولار أميركي زيادة في موجودات مصرف لبنان في 31-12-2009، بحسب احصاءات الموجودات الخارجية الصافية التي تستخلص منها وضعية ميزان المدفوعات. بينما تراجعت الموجودات في القطاع المصرفي بواقع 794 مليون دولار أميركي. أي أن مصرف لبنان استوعب كل الفائض في ميزان المدفوعات وزيادة من الودائع المصرفية. جزءٌ منها نتيجة طلب على الليرة اللبنانية في مقابل عروض كبيرة من الدولار الأميركي اشتراها المصرف، وآخر توظيفات للمصارف في شهادات الإيداع وودائع وخلافها لقاء فوائد مرتفعة. وكل ذلك لزيادة موجودات مصرف لبنان التي يسميها احتياطات لتثبيت سعر الصرف ولسداد نفقات حكومية والتزامات. لينتهي الوضع الآن إلى الواقع المرّ، رغم التكلفة الباهظة لتثبيت سعر الصرف وتمويل الدولة. عجز مستدام منذ 2011 في ميزان المدفوعات عرضة ليكون جائرًا في نهاية 2019. سعر الصرف بات يحدده الصيارفة بقفزات هائلة كل يوم. شحّ في سيولة المصارف لتلبية عملائها. دولة على شفا التوقف عن السداد. أجور خسرت نحو ثلث قوتها التحويلية والشرائية. بطالة وقفل مؤسسات وتوقف التسهيلات المصرفية وشحّ في معروض السلع يتفاقم كل يوم. والآتي معلوم.. من له مصلحة في الفوضى؟ ومن يدفع نحوها؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها