آخر تحديث:00:02(بيروت)
الجمعة 22/11/2019
share

لن ندعكم تهربون

عصام الجردي | الجمعة 22/11/2019
شارك المقال :
لن ندعكم تهربون الخزانة فرغت.. ومدخرات الناس مهددة (Getty)

"إفتهمتكم"، قال الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في إطلالته المتلفزة الأخيرة على شعبه. كان أعدّ العدة، وحزم حقائبه وغادر خلسة في طوافة عسكرية إلى المطار، ومعه الحرم المصون ليلى طرابلسي وما تيسّر من البطانة. مكّنه الجيش من ذلك، لأنه لم يشأ قمع الشعب في بلد بلغ من الحرية مقادير. "كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغَر الشررِ". على ما نُسب إلى إبن قيم الجوزية. لم تكن عربة محمد البوعزيزي العاطل من العمل التي ركنها قرب مركز ولاية سيدي بو زيد لبيع الخُضر والفاكهة، هي التي فجرّت الثورة التونسية التي أطاحت زين العابدين. كانت مستصغرَ الشررِ. غضّت قيادة الجيش التونسي الطرف عنه لحقن الدماء. وعادت تونس الدولة والمؤسسات والديموقراطية إلى إعمال الدستور وانطلقت من جديد.

في لبنان مستكبرُ الشرور وليس صغائرها، والقبائح والأخلاق السياسية المنحطّة، إلى حد الخيانة والتآمر على الوطن. لهذا كانت ثورة الشعب في لبنان. شيبًا وشبابًا وشابّات. وطلبة وأُسر من كل لبنان. لم "تفتهم" السلطة عندنا والنظام السياسي الفاشل العاطل من العمل، لا الشعب ولا الثورة. من "افتهم" وأعلن تأييده المطالب، رياءً فعل. وراح يكيل كل التهم الشنيعة ويلقي التبعة على الشعب. ولم يتردّد في استلحاق نفسه وتحويل ما تيسّر من أمواله إلى الخارج وقت كانت المصارف مقفلة للجمهور ومفتوحة للذوات في أقسامها الخارجية. وكان بعضهم قد شرع في التحويلات قبل إضراب المصارف. لم يرُق لهم قيام الجيش وقوى الأمن بواجباتهم الوطنية بحماية الناس في الشوراع. ولم ترُق لهم سلمية الثورة ورقيها. لا طائفة لهم سوى الوطن والمواطَنة. المتظاهرون بفكر الـ"أوليغارشيا" والنظام الطائفي مقطوعون من شجرة. واحتياط الطائفة والمذهب جاهز للمهمة القذرة والفتنة. جرّبوها ولم تنفع. الآن يحصل الأسوأ بعد فضّ جلسة مجلس النواب الأخيرة بلا نصاب. إنتقاد لقيادة الجيش وقوى الأمن لأنها "لم تقم بواجباتها"! لم تقمع ناسها وشعبها ومستقبلها. "ولا تريد غسل نقائصنا وسرقاتنا لنستمر في سلطة النقائص والمثالب من جديد. ولإعادة تدوير نظام عفِن ورسكلته".

يا جماعة الخير والشرّ. الخزانة فرغت. ومدخرات الناس مهددة. انتهت لعبة تركيب الطرابيش. لا أحد راغب إقراضنا لتستمر. باتت الأسواق تنظر إلى سعر السند اللبناني يوروبوندز الذي يستحق في آذار 2020 بقيمة 77سنتا بدلًا من مئة. وسعر سند 2021 65 سنتاً. والعائد على السند 105 في المئة. حتى في الأرجنتين التي لا تثق الأسواق بقدرة حكومتها على درء المشكلات الاقتصادية يبلغ العائد فقط 85 في المئة.

"إفتهموا ما يجري"
لقد احتاطت الحكومة لسداد 1.5 مليار دولار أميركي تستحق في 28 تشرين الثاني الجاري. سيسدده مصرف لبنان قيل. الاستحقاق الأول المقبل سيكون في آذار 2021 بواقع 1.2 مليار العائد عليه 105 في المئة من 13 في المئة قبل أسابيع ثلاثة. "السوابات" أفُل زمانها. ارتفاع العائد يساوي القلق على استرداد الأصل. والقلق يجسّد فقدان الثقة نهائياً بدولة لبنان. حكمًا ومؤسسات وسلطات.

عدد قليل من المصارف الكبيرة فتح حسابات لعملائه من نوع جديد بعملات ثلاث. الدولار الأميركي واليور والجنيه الإسترليني، للاستعمال الشخصي والتجاري. شرط تمويلهما من المستفيد إمّا نقدًا وإمّا حوالة بالعملات الأجنبية. الحسابات السابقة منفصلة وتخضع لقيود. التاجر المتاح له استعمال الحساب الجديد بالعملات لاستيراد السلع، مضطر للبيع بالعملات نفسها لسوق الجملة كي يعيد تغذية الحساب. وتجار التجزئة سيقتفون أثر عملة الجملة. والمستهلكون لا قدرة لهم على السداد بالدولار الأميركي طالما رواتبهم بالليرة. وقد خسرت حتى الآن نحو 25 في المئة من قوتها التحويلية ونحو 20 في المئة من قوتها الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار. أي نحو 45 في المئة. لو استمر تجار التجزئة قبول الليرة اللبنانية، يتوجهون إلى الصيارفة لاستبدالها دولارًا أميركيًا كي يسددوا تجار الجملة بعملات المستوردين لفتح اعتماداتهم الجديدة. مستوردو المحروقات السائلة والقمح والأدوية يقولون إن مصرف لبنان يوفر 85 في المئة من التمويل الذي تعهده للسلع الثلاث. نحن في حال من الفوضى على كل الصعُد. وعرضة لفقدان المواد الغذائية والضرورية وشحّ الأدوية لو استمر الوضع على حاله.

وفي المقلب الآخر من الصورة تربض ديون القطاع الخاص للمصارف. وديون الشركات بعضها للبعض الآخر. الشيكات المتبادلة ما عادت للسحوبات بمقدار ما هي لفتح حسابات جديدة. والديون المشكوك فيها إلى ارتفاع غير مسبوق. والمؤونات المفترضة عليها منقوصة. اشتباك الذمم المالية تتراكم. ولا يمكن بت الدعاوى لو أقيمت في ظل القيود على التصرف بحسابات العملات الأجنبية. تعقيد الأزمة يغلّ يد لجنة الرقابة على المصارف ومصرف لبنان. حتى في المنطقة الأشد حساسية المتعلقة بوجوب زيادة رساميل المصارف وأموالها الخاصة للتناسب مع المخاطر. المؤسسات التجارية والصناعية مهددة بالتوقف ما لم تضمن خطوط اعتماد وتسهيلات تجارية توقف العمل بها. ووسط كل تلك العوامل السالبة نواجه تراجعًا كبيرًا في معدل النمو 2019 غير مسبوق منذ عقود. وربما الأول من نوعه منذ الاستقلال. الربع الأخير من السنة تقليدًا يعتدّ به لتحريك الاستهلاك فترتي الميلاد ورأس السنة. وهو مصدر تمويل الخزانة والموازنة بالرسوم والضرائب. وحجمه نحو 70 في المئة من الناتج المحلي. وموسم عمل لليد العاملة. يحصل العكس حاليًا. صرف عمال. وخفض أجور. وقفل مؤسسات.

قيود بحكومة ورؤية
دول عدة فرضت قيودًا على التحويلات المالية في أزماتها المعقدّة. وكان لها ما يسوغها. إنمّا وفق رؤية وقوانين موقتة وتدابير. بما في ذلك الاقتطاع من الودائع. وإعادة هيكلة الديون. والتوقف عن سداد دينها السيادي. واضطرت إلى تغيير حكومات عدة في سنة واحدة كاليونان. واستقدمت موعد الانتخابات النيابية كما حصل في الأرجنتين قبل فترة.

لكن تلك الدول لا تشبهنا. بلغنا القعر الآن ونحن بلا حكومة. السؤال كيف نخرج إلى السطح؟ الجنون أو الفعل العمد تآمر وخيانة. الخطاب السياسي هو نفسه بلا تغيير. "لدى الفتى الأغرّ الكتلة النيابية الأكبر. ولا يجوز حرمان البلد من مواهبه. حكومة تكنوسياسية برئاسة فلان. وحكومة تكنوقراط بفلان. وحكومة بأسماء شتى لا تثير حساسية الإقليم ولا تتآمر على هذا المحور أو ذاك". وغيرها من الترّهات البائسة المشبوهة. هربّتم أموالكم؟ لن ندعكم تهربون!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها