آخر تحديث:00:36(بيروت)
الجمعة 15/11/2019
share

علاء أبو فخر

عصام الجردي | الجمعة 15/11/2019
شارك المقال :
علاء أبو فخر مسار التغيير طويل وشاق (مصطفى جمال الدين)

وحّد علاء أبو فخر مفهوم الشهيد والاستشهاد في لبنان، من خارج شرف الصراع مع العدو الصهيوني. جنازات رمزية في أكثر من منطقة. قُرعت أجراس الكنائس في مناطق أخرى أوان تشييعه إلى مثواه الأخير في الشويفات. ورفعت صوره في الساحات ورسوم غرافيك الجداريات.

هذا أيضًا كالثورة. وغير مسبوق في تاريخ لبنان. يستمد رمزيته من الثورة نفسها التي أصابت أيديولوجيا النظام الطائفي في الرأس من دون أن تُرديَه بعد. لكنها أرعبت زبانية النظام بتلاوينهم المزركشة. وبدوا وكأن الأمر أُسقط في يدهم، فراحوا يكيلون التهم والأوصاف، بالعلاقة مع السفارات والتمويل من الخارج، وسوى ذلك من الأراجيف والإفك الغارقين فيه والمعتاشين عليه مع زبائنهم. "يجود علينا الخيّرون بمالهم ونحن بمال الخيّرين نجود". على ما قال الشاعر الإعرابي للخليفة العباسي. لم يكتفوا بذلك، فحاولوا وسم الثوار والثورة بالشتيمة، لمجرد تلفّظ واحد من مئات الآلاف في الشوراع والساحات، بشتيمة لمسؤول أو لزعيم سياسي. الشرف في مفهوم هؤلاء، يُختصر بالأعضاء التناسلية شتيمةً ونقيصةً. الشتيمة على الشتّام مردودة أيًا كان مطلقها. لكن كل الموبقات والفساد وامتهان المواطن وانسانيته، وتهديد الوطن وكيانه، يؤتيها نظام سياسي، من الفضائل المحمودة تُعدّ وفي مدونة السلوك الحسن تكتب!

ثورة بكل المعاني

نحو شهر مضى على الانتفاضة التي تحولت ثورة مكتملة الأركان. فقط سدنة النظام، ومنظِرّون بائسون على شاشات ضحلة مسطّحة، لا يقرّون بذلك. "ليس الكفيفَ من أمسى بلا بصرٍ إنّي أرى من ذوي الأبصارِ عميانا". نظم شاعرنا الكبير إيليّا أبو ماضي. الثورة، تجاوزت في الشكل والمضمون انتفاضات كثيرة في العالم تحولت ثورات ودخلت التاريخ. ثورات فلاحين، وعمال، وطلبة أحدثت تغييرًا عميقًا. في الشكل، الانتفاضة اللبنانية التي تحولت ثورة، لم تكن قطاعية، أو تعبيرًا عن ظلامة لاحقة بشريحة محددة من اللبنانيين. بل كانت من كل شرائح الشعب اللبناني وطبقاته. هذا الأمر أكسب الثورة طابعها الشمولي بلا استثناء. ولو عددنا الاستثناءات النادرة، لجاء أهمها في تعميق بُعد الثورة المفهومي فحسب. إذ بلغت حد اشتراك موظفي الدولة والادارة العامة ومتقاعدين من أجهزة الدولة العسكرية والأمنية جنودًا وضباطًا من الرتب الكبيرة. وفي الشكل أيضًا، لم تكن الانتفاضة التي تحولت ثورة موضعية ومناطقية. بل شملت كل المناطق اللبنانية، مدنًا ومحافظات وقصبات كبيرة وقرى.

أمّا في المضمون الاجتماعي الانساني، لا حاجة إلى السردية المملّة لقضية الثورة الصلبة. الغذاء، والرغيف، والصحة، وغياب التأمينات الصحية والاجتماعية، والتعليم، إلى كل الخِدمات الإنسانية الحيوية. إلى البيئة، والموارد المائية الجوفية والسطحية التي ينعم بها لبنان، فرادة في محيط مهدد بالجفاف والتصحر. لم أصدق ما أبلغته فتاة لمندوبة قناة MTV التلفزيونية في منطقة بر الياس المتاخمة الليطاني. هي واحدة من أفراد سبعة في أسرة منكوبة بالسرطان. توفي أحد أفرادها والأخريات (شقيقات) تكابدنّ الداء نفسه.

في المضمون الاقتصادي، نموذج ريوع توقف عن إعمال العقل والمنطق والفكر الاقتصادي، منذ منتصف خمسينات القرن الماضي حين صيغ النموذج لاجتذاب أموال العرب الهاربين من التحولات السياسية الراديكالية في المنطقة العربية. فكان قانون سرية المصارف 1956، وتشريعات ليبرالية أخرى. من حرية القطع والتحويلات إلى الاستثمار والملكية الفردية والقطاع الخاص. النموذج انتعش أيضًا على التجارة المثلثّة والترانزيت والوساطة المالية والوكالات التجارية الحصرية. والتعليم والصحة والسياحة والمناخ وحرية الصحافة. والتنوع الثقافي وحقوق التأليف والنشر. كان الخارج وحده ماثلًا في النموذج. ولم يكن صدفة أن الداخل الاقتصادي قطاعات انتاجية، ومؤسسات زراعية صناعية كان الأضعف إلى حد الوهن. كل اقتصادات المحيط لاسيما الخليجي منه تبدّلت وتغيرت. الخِدمات على أنواعها والتِقانة والمناطق الصناعية والموانئ البحرية والجوية باتت موفورة وعالمية. إلّانا بقينا على نموذج الريوع. حتى اذا نضبت التدفقات النقدية وجفّ النموذج، سرّع من انكشاف البلد على العجز المالي والدين العام والبطالة ومعدلات الفقر. حتى السياحة اعتُدي على مواردها والمناخ المتميز. والقطاع المصرفي انكشف على دولة مكشوفة سيادةً واقتصادًا وتصنيفًا سياديًا وائتمانيًا في درجة التوقف عن السداد. في ظروف كهذه، يستحيل استقرار أسعار الصرف. وتستحيل السياسات النقدية في بلوغ أهدافها. فكيف إذا كانت تلك السياسات جزءًا لايتجزأ من نموذح الريوع والانكشاف على المخاطر في منظومة متكاملة من الاختلالات الاقتصادية العميقة؟

وفي النظام السياسي تتظهّر الثورة قضيةً ودوافع على نحو أشمل. هو لازمة نموذج الريوع الاقتصادي وحاميته. ونؤكد من جديد، أن النظام والنموذج وجهان العملة الواحدة. لم يبلغ النظام السياسي حد التوقف عن العمل وإنتاج الأزمات، والعجز عن تكوين المؤسسات الدستورية الكيانية من رئاسة الجمهورية إلى مجالس النواب إلى الحكومات، لو بقيت التدفقات النقدية على حالها والفوائض في ميزان المدفوعات، لتغطي نموذج الزبائنية السياسية. وتثبِت سعر الصرف، وتمول الفساد والفضائح في دولة منهوبة. القلّة هي التي كشفت عري النظام. وحكمٌ جائع للسلطة والهيمنة على الإدارة والقضاء والوظيفة العامة بدعوى حقوق الطائفة و"العرق الأنقى" فيها بدعوى الميثاقية. النازحون السوريون والعمالة الأجنبية، والمخاطر الجيوسياسية الإقليمية، تتمة. فأي قضية لثورة مكتملة الأركان تتقدم على قضايا ثورة الشعب اللبناني؟ وأي شعب وجمهور في مواجهة كل هذه القضايا لا يثور ويزلزل الأرض ضد الطغاة؟

عصية على الدعوشة

بقيت وسائل الثورة لبلوغ أهدافها. وقد اختارها الشعب سلمية حضارية راقية منذ اليوم الأول ولو كره الكارهون. ألم تبلغ كل قضايا الثورة والشعب مسامع المسؤولين بعد؟ وعلامَ يريدون الحوار قبل خطوة واحدة نحو الناس يلتمسون منها جِدّية وثقة في التصدى لمخاوفهم على غدهم ووطنهم؟

نؤكد من جديد على الإطار المؤسسي للثورة وبرناج العمل. أهم ما أنتجه الشعب اللبناني بعد شهر من الثورة هو الثورة إيّاها. وأهم ما أنتجته الثورة هو كسر الحلقة الطائفية وكانتونات الطوائف والمذاهب. الإطار المؤسسي هو للحفاظ على ديمومة الثورة وهذا النتاج. الوسيلة السلمية تقتضي بالعمل على قانون انتخابات نيابية جديد خارج القيد الطائفي ونسبي على أساس الدائرة الواحدة لكل لبنان. وخفض سن الاقتراع إلى 18 بدلًا من 21. أي الشريحة العمرية التي أمدّت الثورة وتمدها بالزخم والقوة. العفوية كانت محرك الثورة وقوتها. لذلك جمعت كل فئات الشعب اللبناني. إستشهاد علاء أبو فخر وردود الفعل الشاجبة والمتضامنة في ساحات لبنان تؤكد على أن مسار التغيير طويل وشاق. وأن الإطار المؤسسي للثورة والبرنامج ديمومة لها ولسلميتها ضد كل أنواع الدعوشة لوأدها والقضاء عليها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها