آخر تحديث:00:51(بيروت)
الثلاثاء 12/11/2019
share

خطة إنقاذ اقتصادية طارئة للبنان (2)

سامي خليفة | الثلاثاء 12/11/2019
شارك المقال :
خطة إنقاذ اقتصادية طارئة للبنان (2) تتطلب الإصلاحات المطلوبة عملاً مضنياً ومستداماً (مصطفى جمال الدين)

ضمن الحوارات المفتوحة والجامعة التي وفرتها فضاءات الانتفاضة اللبنانية، اجتمعت مجموعة من الاقتصاديين وخبراء السياسة والحقوقيين اللبنانيين بتاريخ 1 تشرين الثاني 2019 ضمت: سامي عطاالله، جوزيف باحوط، كريم إميل بيطار، عامر بساط، جاد شعبان، جورج قرم، كريم ضاهر، إسحاق ديوان، جمال حيدر، كمال حمدان، نديم حوري، شبلي ملاط، سيبيل رزق، نزار صاغية، بول سالم، نسرين سلطي، فادي تويني، مها يحيى.

المجموعة قدمت توصياتها بشأن كيفية التعامل مع التحديات المالية والاقتصادية الطارئة التي تواجهها البلاد راهناً. واعتبرت المجموعة أنه يجب على لبنان أن يتحرك الآن للعمل بسرعة وبتصميم لتجنب خطر الانهيار المالي والاقتصادي، مشيرين إلى إن الفشل في التصرف بسرعة سيؤدي إلى انخفاض حاد في قيمة الليرة اللبنانية، ما يولد التضخم والبطالة والفقر وتدهوراً إضافياً في الخدمات العامة الأساسية.
وهنا الجزء الثاني من هذه التوصيات، أو الخطة الإنقاذية:

إعادة هيكلة الديون
تُعتبر الجهود المذكورة أعلاه ضرورية لتحسين جودة النفقات وتقليص العجز المالي، إلا أنها لن تكون كافية لوضع الدين العام على مسار مستدام. وحسب أرقام صندوق النقد الدولي، إذا أراد لبنان الخروج من وضع الدين الحالي، فإن هذا سيتطلب فائضاً مالياً أولياً (وهو الرصيد المالي باستثناء خدمة الدين) بنسبة 5 في المئة سنوياً لمدة 20 عاماً متتالية (المادة 4 من صندوق النقد الدولي، 2019). لكن وللموضوعية، لم يتم تنفيذ خطة التقشف العميقة هذه في أي بلد من قبل، وهي غير واقعية على الإطلاق.

تسوق بعض الجهات الاقتصادية الفاعلة لفكرة أن خفض أسعار الفائدة بشكل مصطنع على الدين العام يمكن أن يخفف من حدة الضغوط المالية الحالية. يسير هذا الاقتراح في الاتجاه الصحيح، ويقلل من الضغوط الفورية على الليرة اللبنانية. ولكن نظراً لأن الاستثمارات العامة والخاصة تتطلب أفقاً للتخطيط لفترة أطول، هناك حاجة أيضاً إلى مزيد من الوضوح حول المستقبل. وبالتالي، يعتقد الخبراء أن التدابير المؤقتة، رغم أنها ضرورية في المستقبل القريب، لم تعد كافية.

يرى الخبراء أنه يجب الآن النظر في تخفيض الديون. يتجاوز الدين العام في لبنان 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن الحد الآمن المعترف به دولياً هو 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. طبعاً يجب أن تكون هذه المرة الأولى والأخيرة التي يلجأ فيها لبنان إلى تخفيض الديون. كما يجب إعادة هيكلة الديون بعناية لتناسب ظروف لبنان المحددة.

تدرك مجموعة الخبراء أن هذا سيؤثر على سمعة البلد كوجهة لتدفقات رأس المال. لذلك يجب عمل كل شيء لتقليل تكاليف السمعة هذه. وتقترح المجموعة اتباع ثلاثة مبادئ تبدأ بخطوة تخفيض الديون، بحيث يجب أن تكون عميقة بدرجة كافية لتولد الاعتقاد بأنها لن تحدث مرة أخرى. أما المبدأ الثاني المهم فيتمحور حول العدالة. فالحل يجب أن يكون منصفاً اجتماعياً ويوزع عبء الخسائر إلى حد ما، عبر حاملي الدين في الداخل والخارج، ويحمل العبء الأكبر لأولئك الذين استفادوا بشكل كبير من مدفوعات الفائدة المرتفعة الماضية. وبالنظر إلى ضخامة الخسائر، سيتعين أن يشمل توزيعها على حاملي الأسهم والديون لدى المصارف، وكذلك بعض المودعين، وبالتحديد أولئك الذين تتجاوز ودائعهم سقوف معينة.

أما المبدأ الثالث فهو ضرورة أن يخرج القطاع المصرفي من الأزمة بصورة أقوى، لأنه يقع في قلب فرص النمو المستقبلية في لبنان. لذلك ستكون هناك حاجة إلى إعادة هيكلة تشغيلية ومالية للقطاع المصرفي، والتي ستكون فرصة للحد من تركيز الملكية.

الضوابط على رأس المال
مع الحديث الكثير عن الضوابط على رأس المال، يوصي الخبراء بفرض نظام عاجل لضوابط رأس المال على أساس مؤقت، ليس بهدف تعقب رأس المال الفاسد، كما هو موصى به من قبل العديد من الجهات وحسب، ولكن أيضاً لتقليل الضغوط على الليرة اللبنانية الناتجة عن هروب رأس المال.

ربما تكون الضوابط الناعمة الحالية قد أبطأت التدفقات الخارجية، لكنها أيضًا تخلق حوافز تعزز الريع والفساد، مما يسمح لرأس المال المؤثر بالهروب، مع محاصرة مدخرات المودعين العاديين. وحسب الخبراء، هناك حوالى 800 مليون دولار خرجت من البلاد بين 15 تشرين أول و 7 تشرين ثاني، وهي فترة تم خلالها إغلاق النظام المصرفي رسمياً. كما هناك حاجة أيضاً إلى ضوابط رأس المال للحفاظ على قاعدة الودائع، والسماح بخفض الديون بطريقة عادلة. وسيتعين اتخاذ تدابير موازية لضمان عدم زيادة الضغط على سوق الدولار الموازي.

ضد الخصخصة 
تعارض مجموعة الخبراء، الخصخصة في البيئة الحالية. فمع انخفاض مستوى الثقة والسيولة، تعني الخصخصة بيع قطاعات الدولة بسعر زهيد.

بعض عمليات الخصخصة قد تكون ضرورية، إلا أنها يجب أن تنتظر ظهور بيئة سياسية واقتصادية أكثر استقراراً، مع وجود آليات رقابة ومساءلة أفضل. علاوةً على ذلك، فإن الخصخصة المضطلع بها الآن سينتهي بها المطاف بنقل سلطة الاحتكار إلى قطاع احتكاري خاص، ولا سيما الجزء المرتبط بالطبقة السياسية، إذا سبق ذلك إنشاء قدرة تنظيمية أقوى.

التدابير الاجتماعية المطلوبة
يقترح الخبراء، تطوير التدابير الاجتماعية على الفور لمساعدة القطاعات الضعيفة من السكان على التعامل مع البيئة الحالية. تشير التقديرات إلى أن انخفاض قيمة الليرة بنسبة 30 في المئة من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع معدل الفقر إلى أكثر من 50 في المئة من السكان (تقديرات البنك الدولي الأخيرة).

يتطلب هذا الخطر الوشيك العديد من التدابير، من بينها ما يلي: اعتماد تعديلات تلقائية للأجور والمعاشات التقاعدية عندما ترتفع أسعار المستهلك بأكثر من 10 في المئة؛ استبدال أنظمة الصحة العامة وشبه العامة الكثيرة بنظام صحي عالمي؛ تعزيز وتوسيع شبكات الأمان التي تحمي الفقراء؛ تنفيذ تدابير عاجلة لرفع مستوى التعليم العام والمهني. وتجدر الإشارة إلى أن تخفيض سعر الفائدة سيؤدي إلى إفقار العديد من أفراد الطبقة الوسطى، الذين انسحبوا من سوق العمل. لذلك فإن البرنامج الذي يساعد على إعادة هؤلاء الأفراد إلى سوق العمل، بالتوازي مع التدابير المتخذة لزيادة النمو، سيجعلهم قادرين على التكيف مع الظروف الاقتصادية الجديدة.

آليات مراقبة موثوقة
من الأهمية بمكان، حسب الخبراء، الاستثمار بسرعة في آليات الرقابة الحكومية، التي أُفسدت وأُضعفت بمرور الوقت. تحقيقاً لهذه الغاية، يجب ضمان استقلال القضاء؛ وديوان المحاسبة في لبنان؛ وتعزيز سلطة وكالة المشتريات في لبنان، المخولة بإخضاع جميع العقود العامة لعطاءات شفافة وتنافسية؛ كما يجب تفعيل الهيئات الناظمة في قطاعيّ الكهرباء والاتصالات.

بالإضافة إلى هذه الإصلاحات، التي من شأنها أن تساعد في محاربة الفساد، هناك حاجة إلى إنشاء آلية واضحة لاسترداد الأموال العامة المنهوبة، وكذلك تقييم وتدقيق المشاريع الممولة من القطاع العام والتي يحوم حولها الكثير من الشكوك.

ستستغرق هذه الإجراءات بعض الوقت لتكون فعالة. لذلك يوصي الخبراء بإنشاء آلية مراقبة تشاركية عاجلة لأداء الحكومة (بما في ذلك مصرف لبنان). ومن أجل إعادة بناء الثقة مع المواطنين، يحتاج صناع السياسة إلى التواصل مع الشعب، وإتاحة المعلومات للجمهور، بما في ذلك عن طريق تفعيل القانون الجديد بشأن الوصول إلى المعلومات. وعلى المنوال نفسه، توصي المجموعة بإطلاق عملية تشاور مع أصحاب المصلحة الرئيسيين لبناء توافق في الآراء بشأن حزمة الإنقاذ، بما في ذلك التشاور مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي ورابطات الأعمال والنقابات العمالية والحركات العمالية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني. 

الدعم الخارجي
سيكون الدعم الخارجي، حسب رؤية الخبراء، ذات قيمة كبيرة في دعم هذه الجهود. وبرأيهم سيعزز الدعم المالي الطارئ على المدى القصير الاحتياطيات الأجنبية، ويساعد على استقرار سعر الصرف الثابت، وتجنب التدهور المحتمل لسعر الصرف. في حين أن الدعم على المدى المتوسط من شأنه أن يقلل من الألم الاجتماعي المرتبط بالإصلاحات اللازمة.

يمكن أن يلعب الالتزام الدولي الحالي دوراً مفيداً في تحسين آفاق النمو. ومع ذلك، يجب تحديث هذه الالتزامات وتكييفها مع الوضع الحالي، بما في ذلك من حيث توفير المزيد من الدعم للتدابير قصيرة الأجل اللازمة، ومناقشة جدوى وجود برنامج داعم لصندوق النقد الدولي، وإذا كان من الممكن تكييفه بالكامل مع خصائص الوضع اللبناني.

نداء للعمل
يخلص الخبراء بالقول، أن هناك حاجة ملحة لتشكيل حكومة ذات مصداقية يمكنها أن تعزز الثقة وتقلل من المخاطر الكارثية التي تلوح في الأفق. ويجب أن تبدأ الحكومة العتيدة في سد فجوة الثقة بين الحكومة وشعبها، وكذلك مع المجتمع الدولي، واتخاذ القرارات المصيرية اللازمة للحفاظ على الصالح العام.

ستتطلب الإصلاحات المطلوبة عملاً مضنياً ومستداماً، وقدرة على إجبار الجهات الفاعلة المحلية القوية على الامتثال. في غضون ذلك، من غير المسؤول ترك القرارات الحاسمة المطلوبة في الأيام والأسابيع المقبلة، وخصوصاً على الجبهتين النقدية والمالية ، إلى مصرف لبنان وحده. لذلك من الضروري أن تقوم حكومة تصريف الأعمال بتعيين مجموعة أزمات على الفور، بما في ذلك خبراء ماليون وقانونيون، يتمتعون بالقدرة المؤسسية، والوسائل القانونية للتصرف في أكثر الأمور إلحاحاً التي لا يمكن تأجيلها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها