آخر تحديث:00:36(بيروت)
الإثنين 11/11/2019
share

رياض سلامة إن حكى!

عصام الجردي | الإثنين 11/11/2019
شارك المقال :
رياض سلامة إن حكى! الستار الكثيف على حجم توظيفات المصارف في مصرف لبنان من العملات الأجنبية يتظهرّ اليوم (المدن)

لو استفقنا غدًا على سقوط مظلة فيها مليارات الدولار الأميركي على لبنان لن تغيّر من واقع الحال شيئًا. الثقة المفقودة ثم الثقة تكرارًا. تستعاد، يستعاد الاستقرار وتُفتح كوة تؤذن بالخروج من كمّاشة الانهيار. غير ذلك عبث العابثين.

كنا لنقول في الأزمات الكبيرة وأوقات الشدّة تعصف بالأوطان، تقتضي الحمية الوطنية حدًا أدنى، التوقف عن توزيع مسؤولياتها على فريق وعلى آخر. على مسؤول وعلى آخر. لينكبّ الجميع على وأد الحريق أولًا. من دون أن يعني الكلام البتّة التهاون مع مسبباته ومسببيه. لكن بعد أن اقترب الحريق من أثاث الوطن والأساس، نبحث عن رجل، عن قائد يصرخ في البرية ويشحذ الهمم ويصارح الناس كل الناس بحقيقة الوضع، ويستنفرهم  بعناوين محددة لتلطيف التداعيات ما أمكن والاستعداد لمرحلة جديدة تطوي فصل الآلام المبرّحة.

ستار الكتمان
لا نجد شيئاً من ذاك وذلك. كل الناس تسأل اليوم هل ستفتح المصارف الثلاثاء؟ أم أن "اضرابات التقية" بعناوين زائفة كفيلة بشراء وقت ما عاد معروضًا للبيع؟ ويغيب عن بال مديري الأزمة، أن الوقت المهدور لتفادي الطلب في الأزمات المالية والمصرفية، إنما يراكم الطلب ومفاعيله. يجعل ما كان متاحًا في الأمس عصيًا في الغد وأكثر تكلفة. ويبدّد ما بقي من أمل عند أصحاب النوايا الحسنة.

الاجتماع الموسّع الذي عقد السبت الماضي برئاسة الجمهورية كان يجب أن يخرج بقرار واضح وجريء يتلوه واحد من وزيرين حضرا الاجتماع. وزير المال علي حسن خليل، أو وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش. وأًقرّ بأني لا أعرف طبيعة مسؤوليات الوزير الثالث سليم جريصاتي. لا نعرف سلفًا ماذا سيقوله حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في المؤتمر الصحافي الذي يعقده اليوم. لكنه هو الوحيد الذي يعلم مع المصارف لماذا وضع معظمها قيودًا على سحوبات زبائنه. وما إذا كانت تحتاج فعليًا إلى سيولة كافية لتغطية طلبات زبائنها. وقد أدى ذلك إلى زيادة الضغوط على السحوبات وفاقم من حجم الهلع لدى المودعين.

وُضع ستار كثيف من الكتمان على ما تداوله المجتمعون في القصر الرئاسي. وبحسب ما خلصت إليه المعلومات، كان على وفد المصارف الإجابة الشافية عن سبب شحّ السيولة لاستجابة الطلب على السحوبات. قبل 17 تشرين الأول 2019 كانت الودائع الإجمالية ( ليرة وعملات أجنبية) في المصارف نحو 173 مليار دولار أميركي. حصة  العملات الأجنبية منها نحو 139 مليارًا. يحتمل الرقم بحسب مصادر مصرفية أموال المصارف الخاصة. يقابلها تسليفات للقطاع الخاص بواقع 40 مليارًا، و23 مليارًا يوروبوندز للدولة. و11 مليارًا تسليفات واستثمارت في الخارج. ونحو 11 مليارًا لدى المصارف المراسلة ومؤسسات تابعة. وزهاء 35 مليارًا لدى مصرف لبنان. أي ما مجموعه نحو 120 مليار دولار أميركي. تبقى السيولة نحو 19 مليار دولار أميركي. أي أن المصارف كانت قادرة على تلبية عملائها من دون قيود أدت إلى مخاوف المودعين وتهافتهم على سحب ودائع خصوصًا بالعملات الأجنبية. نسوق هذه الأرقام التقديرية بتحفظ. لأن شفافية الأرقام منقوصة في الأصل. وقاعدة احتسابها سواء للودائع أو لميزان المدفوعات مشوبة باللبس. بيد أن التحفظ لا يلغي مقاربة الأرقام للواقع وقدرة المصارف على اجتناب أزمة سحوبات.

الستار الكثيف على حجم توظيفات المصارف في مصرف لبنان من العملات الأجنبية سنوات طويلة يتظهرّ اليوم. الخلط الدائم بين موجودات مصرف لبنان الإجمالية التي تشمل تلك التوظيفات وبين الاحتياط الصافي لمصرف لبنان القابل للاستخدام  كشفت الأزمة هشاشته. حتى نهاية تشرين الأول 2019 كانت تلك الموجودات تفوق 34 مليار دولار أميركي. وكان مصرف لبنان يتعاطى معها ذخيرة لتثبيت سعر القطع. لا معلومات كم خرج منها للدفاع عن سعر صرف الليرة. وكم أعاد منها المصرف إلى المصارف لتلبية سحوبات عملائها. وكم خرج من تلك السيولة تحويلات إلى مصارف أجنبية ومؤسسات مالية. بالإضافة إلى سداد ديون خارجية عن وزارة المال وفوائد وخلافها.

مرة أولى يصل الخلاف بين مصرف لبنان وبين المصارف على خلفية تعميم الأخير وجوب زيادة أموال المصارف الخاصة الأساسية من أصحاب حقوق الأسهم العادية بواقع 20 في المئة على دفعتين. الاجتماع الذي عقد الثلاثاء الماضي بين حاكم مصرف لبنان وأركان جمعية المصارف لم يخرج بنتيجة.

تكلفة الإنقاذ
القطاع المصرفي ليس الموازنة العامة التي تعبث السلطة بتقديرات عجزها وتستدين، ولا تؤتي إصلاحًا، وتمرر موازنات خلافًا للدستور. هذه أموال الناس وحيلتهم على زمن جائر وأيام سود. لا غفران في هذا الملعب. والشعب في ثورة سلمية منذ ثلاثة أسابيع. والبلد يغلي في إقليم ملتهب. ولا يبدو أن مسؤولًا يتهيب الموقف بحجم مهابته. في صرف الاعتبار عمّن رمى شائعة فرض قيود على الرساميل والتحويلات الخارجية. القيود موجودة بلا قانون الآن في علاقات المصارف مع عملائها. والكل يتصرف على هواه. تفادي الانهيار مطلوب من الدولة ومؤسساتها. جريمة الاستمرار من دون حكومة موثوقة وقادرة على تفادي الانهيار والفوضى العارمة في البلاد. لم يعد البلد قادرًا على الاستدانة. ولا على التزام عائد على الديون قد يبلغ في وقت قريب 20 في المئة بعد خفض التصنيف السيادي والتصنيف الائتماني لثلاثة من كبريات المصارف Caa2. جدارة الدولة السياسية وجدارة المسؤول في لبنان باتت هي المشكلة. وكالة موديز قالت ذلك. وبات الحديث عن اعادة هيكلة الدين أو جدولته وتخلف الدولة عن السداد مقبولًا بلا رد فعل. والإشارات إلى ضعف حماية الدولة للودائع أمرٌ مماثل. الكلام منشور وأُبلغ علنًا.

هناك من سيدفع تكلفة الإنقاذ. غير ذلك الكارثة. فلماذا المراوغة والخداع وتعظيم ثمن تفادي الانهيار الشامل واستئخاره في انتظار غودو؟ هذا كرنفال الجنون الذي نعيشه اليوم. وإنكار لكل ما يواجه الوطن من تهديدات وتبعات جسام. ويبقى البلد بلا خطوة واحدة لتأليف حكومة حدًا أدنى في "دولة لبنان القوي". العقلية نفسها. وجموح الاستئثار بالسلطة والاستحصاص ذاته بلا تبديل. وكأن شيئًا بقي ليُستحص ويُستأثر. هذا كرنفال من الجنون لا يصدّق.

لن تنحسر أزمة السحوبات عن المصارف إلاّ بمزيد من السيولة تطرحها في تصرف أصحاب الحقوق واستحقاقاتهم. الثقة التي اهتزت بالجدارة السياسية المنقوصة، ليس بالضرورة أن تنسحب على الثقة بالقطاع المصرفي. رياض سلامة الذي اغتبط بالترويج والتملق لشخصه قرابة 25 عاماً على رأس مصرف لبنان، لا يطلب منه المواطن اليوم استخراج الأرانب من القبعّة. ولا قرع جرس بورصة نيويورك. فقط كلام صريح وصادق ومباشر.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها