آخر تحديث:00:06(بيروت)
الإثنين 07/10/2019
share

نستشعر "مؤامرة ".. بقي "المتآمر"

عصام الجردي | الإثنين 07/10/2019
شارك المقال :
نستشعر "مؤامرة ".. بقي "المتآمر" كل الاستحقاقات التي تلوح في الأفق لا يقابلها شعور بالمسؤولية (Getty)

لم تحرز اللجنة الوزارية المصغّرة المكلّفة دراسة اقتراحات عملية لوضع قرارات اجتماع بعبدا تقدمًا بعد. "وكأننا نريد الانهيار كي نقوم من جديد. وهذا ما يشغل البال. وبقي على خطة الإنقاذ شهور ثلاثة". كما قال النائب نعمة افرام. نعم، كل الاستحقاقات التي تلوح في الأفق لا يقابلها شعور بالمسؤولية. المواقف السياسية تقول ذلك. واستمرار شحن النفوس وضخّ الكراهية خير دليل. "الحقّ على الشعب والإعلام والصحافة"!  

"دعم خليجي عاجل"؟
لا نعرف مدى استجابة حكومة الإمارات العربية المتحدة  طلب دعم مالي عاجل للبنان، فُهم أن رئيس الحكومة سعد الحريري سيبحثه في أبو ظبي. وبالتنسيق مع دعم سعودي كان وعد به وزير المال محمد الجدعان قبل أسبوعين، ليكتمل مع قرار سابق لحكومة قطر كانت باشرت به لشراء 500 مليون دولار أميركي من سندات اليوروبوندز في الأسواق الخارجية. إصدار سندات اليوروبوندز الجديد بنحو ملياري دولار أميركي لتغطية إصدار بواقع مليار و500 مليون يستحق في الشهر الجاري ليس كافيًا. هناك استحقاق آخر بين آذار 2019 وحزيران من السنة نفسها بنحو 2.5 مليارات. ويبدو أن الدعم الخليجي لو حصل سيستبق موازنة 2020، لمنح الحكومة مددًا لالتزام تنفيذ موازنة 2019 بـ7.6 في المئة عجزًا مقدرًا في نهاية السنة.

هناك أشبه بنوبة جنون تضرب المسؤولين عن شؤون البلاد والعباد. رد فعلهم على اجتناب الأسوأ يشي بذلك. هناك تغير كبير في المعطيات النقدية لم يتلقفوه بعد. نحتاج إلى نحو 5 مليارات دولار أميركي ستخرج من موجودات مصرف لبنان لتغطية مستوردات المحروقات والقمح والأدوية. هذا لا يمكن أن يتكرر كقاعدة في 2020 ونستمر نتحدث عن استقرار نقدي وتثبيت سعر الصرف. وليس ما ينبئ بتغير في تراجع التدفقات النقدية الخارجية وعجز ميزان المدفوعات الذي بلغ في الشهور الثمانية حتى آب 2019، 4 مليارات و396 مليون دولار أميركي، مع عجز في الحساب الجاري بنحو 25 في المئة من الناتج المحلي.

تأمين العملات الأجنبية لاستيراد المحروقات والقمح والأدوية من مصرف لبنان، تحدٍ جديد يضاف إلى سداد ديون الدولة الخارجية في مواعيدها والاستقرار النقدي. وكما توقعنا في مقالة سابقة، فالقرار فتح شهية قطاعات أخرى للشغب على الدولة واستنزاف موجودات مصرف لبنان. يستحيل أن يوافق حاكم المصرف رياض سلامة على ذلك. قد لا ينتهي الكباش عند هذا الحدّ. أسعار السلع الأخرى غير الخاضعة لتسعيرة رسمية بالليرة اللبنانية، قد تشهد ارتفاعًا يلجأ إليه المستوردون والتجار حاجزًا وقائيًا لو تراجع سعر صرف الليرة. فيلتزموا البيع بها، إنما على أساس سعر صرف الدولار وتقلباته في السوق الموازية النقدية (الكاش). سلامة شدّد في حديث السبت لـ"النهار" على التزام المصارف التعميم 530. وكشف المكشوف الذي يتكتّم عنه المستوردون ومفاده أن للمستوردين حسابات بالعملات الأجنبية يمكن استخدامها بدلًا من إيثارهم جني الفوائد عليها واللجوء إلى مصرف لبنان لتمويل اعتماداتهم. سلامة اجتنب في حديثه الردّ على سؤال يتعلق بتهريب الدولار الأميركي إلى سوريا. وأحاله إلى الجمارك.

كل ذلك يحتاج إلى المزيد من الدفق النقدي. ودونه كل العلاجات مستعصية. لأن الجسد النقدي الوهِن لم يعد يتقبل المضادات الحيوية من الهندسات المالية دواءً ناجعًا بالوكالة عن علاج أصل الدّاء. ولأن المضادات الحيوية الموقتة نفسها، باتت عبئًا كبيرًا  بتكلفة فوائد تتجاوز تكلفة الدواء الشافي المستدام. عبثًا نبحث عن العلّة خارج مكانين استعصيا حتى الساعة على السلطة السياسية. الأول، سياسة مالية منضبطة، وموازنة تنتج فائضًا في الحساب الأولي بواقع 5 في المئة حدًا أدنى لسنوات خمسٍ تواليًا. والثاني، نمو اقتصادي يراوح في الفترة نفسها بين 5 في المئة وبين 7 في المئة حدًا أدنى. والأمران مترابطان بالكيمياء الاقتصادية. ولا فكاك بينهما. وأَخشى ما نخشاه، أن استمرار الوضع المالي متفلت من الضوابط، هو عبء على فرص النمو للخروج من الركود لسنوات مقبلة. حتى إذا لاحت الفرص، سنقع من جديد في فخّ الديون والفوائد الهائلة التي سيكون علينا سدادها بوتيرة أسرع من وتيرة النمو الحقيقي معدلًا على أساس التضخم. الموازنة المتوازنة لم تعد هي المطلوبة الآن بصفر في المئة عجزًا فحسب. بل وعلينا الاستعداد لسداد فوائد في الأجلين القصير والمتوسط، هي بين الأعلى في الدول المصدِّرة أوراق الدين السيادية.

كي تُقنع موازنة 2020 الأسواق المالية ودول سيدر ووكالات التصنيف، يفترض أن تشمل الديون المتوجبة الإداء التي تُسقَط من أرقام الموازنة، لمتعهدي الأشعال، والمستشفيات وللصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

لا نشبه أحدًا!
الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قضية بحجم الوطن أيضًا. لا توجد دولة متوحشة في العالم ينقطع فيها التأمين الصحي والاستشفائي عن مواطنيها بعد التقاعد. وعن العاطلين من العمل ولدينا بطالة فوق 35 في المئة حدًا أدنى. وهؤلاء من الأصحاء والشباب والكفايات العلمية والمهنية والموارد البشرية. لا غنى عنهم في الاقتصاد المعرفي والنمو والتنمية. ولا بديل لهم سوى العمل للعيش بكرامة وانسانية. ولا توجد دولة في العالم تتعاطى مع الضمان الاجتماعي كمثل ما تتعاطي دولتنا. الدولة ملزمة بقانون الصندوق سداد 25 في المئة من ميزانية فرع ضمان المرض والأمومة (الضمان الصحي). "نسيت سهوًا"! لم تكتف بذلك. مدّت يدها إلى فرع تعويض نهاية الخدمة تغرف منه بلا حسيب ولا رقيب لتمويل عجز فرع المرض والأمومة. والدولة نفسها لا تسدّد اشتراكاتها لفرع نهاية الخدمة عن أجرائها الخاضعين لقانون العمل في المصالح المستقلة والمؤسسات العامة. وبهذه الصفة فالدولة أكبر صاحب عمل في لبنان. وقد بدأ دين الدولة يقترب من 3 مليارات دولار أميركي للصندوق. كان الأمر ليكون مقبولًا لو التزم الصندوق بتغطية المتقاعدين والمسنين. مع ذلك فالعبث يستمر. تشبه هذه المؤسسة الاجتماعية الوحيدة في لبنان قضية الكهرباء. نحو نصف الدين العام عجزًا وبلا كهرباء. تشبهها أيضًا في غياب مجلس إدارة الصندوق. وفي الهيئة الناظمة التي يماثلها في الصندوق اللجنة الفنية. وهي مستقلة عن المديرية العامة. أيضًا عير مكتملة ولديها مشكلات قضائية بشبهات وتهم لرئيسها. كل أماكن إهدار المال السياسي والإداري هو في أدق المؤسسات وأهمها. وكل الشغور الوظيفي والمحاسبي في تلك المؤسسات بالذات.

نحسدهم "على راحة البال". نستشعر "مؤامرة" بالفعل كما يقول الوزير جبران باسيل. بقي المتآمر؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها