آخر تحديث:00:01(بيروت)
الأحد 06/10/2019
share

ورقة الحريري الاقتصادية: بيع مرافق الدولة وفرض ضرائب متطرفة

علي نور | الأحد 06/10/2019
شارك المقال :
ورقة الحريري الاقتصادية: بيع مرافق الدولة وفرض ضرائب متطرفة البنود الضريبيّة المقترحة تستهدف القدرة الشرائيّة للفئات المحدودة الدخل (دالاتي ونهرا)

حين أعدّ وزير الماليّة أولى مسودّات مشروع موازنة 2020، حرص على إبعادها عن الأمور الأكثر إشكاليّة، وخصوصاً تلك المتعلّقة بفرض رسوم وضرائب جديدة، معللاً الأمر بعدم قدرة اللبنانيين على التحمّل. في الواقع، ربما أراد وزير المال بتلك الخطوة إبعاد نفسه عن تحمّل مسؤوليّة المواجهة منفرداً، مع علمه المسبق بأنّ الإجراءات المؤلمة والقاسية آتية لاحقاً لا محالة، عند مناقشة هذه الموازنة في مجلس الوزراء. وبالفعل، تم طرح هذه الإجراءات الموجعة أخيراً على "اللجنة الوزاريّة المكلّفة دراسة الإصلاحات الماليّة والإقتصاديّة"، في إطار مناقشتها لمشروع موازنة العام المقبل، من خلال ورقة وزّعها الرئيس الحريري بنفسه بعنوان "إجراءات إنقاذيّة للأشهر الستة المقبلة".

الزيادة الضريبيّة الأكثر تطرّفاً
اختار الحريري تضمين ورقته الزيادة الضريبيّة الأكثر تطرّفاً، فاقترح رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 في المئة إلى 15 في المئة بشكل فوري على جميع السلع الكماليّة، بينما تُرفع الضريبة على السلع الباقية أيضاً إلى 15 في المئة، لكن بشكل تدريجي خلال عامي 2021 و2022. كما تضمّنت الورقة مقترحات برفع الضريبة على المشروبات الكحوليّة بنسبة مئة في المئة، وعلى علب السجائر المستوردة بقيمة 3000 ليرة لبنانيّة للعلبة، وعلى علب السجائر المصنّعة محليّاً بقيمة 1500 ليرة لبنانيّة. أمّا الحسومات التقاعديّة فاقترحت ورقة الحريري رفعها من 6 في المئة إلى 10 في المئة.

باختصار، جميع البنود الضريبيّة المقترحة تستهدف بشكل مباشر القدرة الشرائيّة للفئات المحدودة الدخل، كما تحمّلهم وزر زيادة الواردات، في سبيل الوصول إلى مستوى العجز المحدد في الميزانيّة العامّة، حسب شروط مؤتمر سيدر. لكنّ المشكلة الأساسيّة في هذه الإجراءات – إذا تم تمريرها في مشروع الموازنة- ستتركّز تحديداً في حجم التضخّم الذي ستتركه في الأسواق. فمؤشّر أسعار المستهلك سجّل هذه السنة حتّى آب الماضي زيادة بنسبة 2.77 في المئة، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالسنة الماضية، لكنّ جميع المؤشرات تدل على ارتفاع مقبل في هذا المؤشّر في النصف الثاني من السنة، مع عدم وجود حلول جذريّة لأزمة سعر صرف الليرة. وفي حال تم إقرار أي زيادة في الضرائب على الإستهلاك، فمن المتوقّع أن تشهد الأسواق نسب تضخّم غير مسبوقة، نتيجة تضافر العاملَين، سعر الصرف والضرائب الجديدة.

بيع القطاع العام
تؤمن ورقة الحريري الاقتصاديّة بالخصخصة الكليّة أو الجزئيّة، مثل العديد من البرامج الاقتصاديّة التي تقدّمها بعض الأحزاب اللبنانيّة، التي تملك التوجّه نفسه. لكنّ هذه الورقة تحديداً توسّعت في شمل عدد كبير من القطاعات في إطار هذا التوجّه، من شركتي الخليوي وطيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان وصولاً إلى إدارة حصر التبغ والتنباك ومرفأ بيروت وباقي المرافىء.

ومن الملفت أيضاً، أن ما تطرحه الورقة لا يقدّم الخصخصة كوسيلة لمعالجة القطاعات التي فشلت الدولة في إدراتها، والتي تشكّل عبئاً على الدولة، بل تقدّمها كوسيلة لبيع القطاعات الأكثر ربحاً لها، والتي تثير اليوم شهيّة الكثير من المستثمرين، الراغبين بشراء هذه القطاعات من الدولة التي يهددها شبح الإفلاس، وبشروط لن تصب حكماً في مصلحة الدولة المأزومة ماليّاً.

أمّا أخطر ما في الورقة، فهو اقتراحها المباشرة في صياغة مشروع قانون يجيز للحكومة تحويل المؤسسات العامّة ذات الطابع التجاري إلى شركات مساهمة. كما يسمح بالبيع الكلي أو الجزئي لأسهم هذه الشركات. وتكمن خطورة المسألة في تسهيل عمليّة بيع القطاعات العامّة. إذ لن تعود الحكومة بحاجة إلى تمرير مشروع قانون خاص لخصخصة أي مؤسسة عامّة ذات طابع تجاري. وبينما يملك اللبنانيّون الأسباب الكافية للتخوّف من شفافيّة ونزاهة هذا النوع من الصفقات، لا يوجد حالياً ما يكفي من الضمانات في ما يخص حماية مصلحة الدولة في هذه العمليّات.

معالجات بعيدة عن الواقع
تبتعد بعض المعالجات الأخرى المطروحة عن الواقع، مثل طرح تخفيض سقف الدعم لمؤسسة كهرباء لبنان لغاية 1500 مليار ليرة في سنة 2020، بينما كلّفت هذه التحويلات الخزينة السنة الماضية ما يقارب 2,650 مليار ليرة. وهو ما يعني أنّ الدولة ستكون مضطرّة إلى رفع هذا السقف لاحقاً، كما جرت العادة حين كان يتم تخصيص مبالغ منخفضة لتحويلات كهرباء لبنان في الموازنات السابقة، لتخفيض العجز فيها شكليّاً، رغم علم معدّي الموازنة بحاجتهم إلى توفير اعتمادات إضافيّة لاحقاً. مع العلم أن الورقة ربطت إعادة النظر بالتعرفة ككل بزيادة التغذية لاحقاً، وربما راهنت على هذه المسألة لتقترح خفض سقف الدعم لغاية 750 مليار ليرة سنة 2021 وصفر في العام 2022.

كما اقترحت الورقة تخفيض النفقات – خارج خدمة الدين- بقيمة 500 مليار ليرة، مقارنة مع عام 2019. ومن غير الواضح البنود التي ستتقشّف فيها الموازنة لاحقاً، خصوصاً أن مستوى الإنفاق المستهدف في موازنة سنة 2019 جاء بعد عصر غير واقعي للنفقات فيها، وهو ما أدّى إلى إشارة وكالات التصنيف إلى أنّ مستوى العجز الفعلي في الميزانيّة العامّة سيتجاوز مستوى العجز المستهدف في الموازنة.

إجراءات لشراء الوقت
يتأمّل من أعد الورقة للحريري أن تتمكّن سلسلة عمليّات الخصخصة من تأمين واردات كافية للدولة لمعالجة المشاكل التمويليّة على المدى المنظور، كما يتوقّع أن تنجح في تأمين قدر معقول من السيولة بالعملة الصعبة من المستثمرين الأجانب. أما التقشّف والضرائب فستكون ضروريّة لتوفير مساحة كافية في الميزانيّة العامّة لسداد القدر المتزايد من خدمة الدين. لكنّ هذه الحلول تبقى مجرّد مسكّنات تهدف لشراء الوقت، بينما يستمر الاقتصاد اللبناني في مواجهة أزمة سيولة أعمق، ترتبط ببنيته وبخلل كبير في مستوى نشاطه الإنتاجي. وبينما يحتاج علاج هذه الأزمة مبادرات محفّزة للإنتاج، تقوم الإجراءات المؤلمة المطروحة بالعكس، من خلال لجم القدرة الشرائيّة في الأسواق، وتحجيم دور الدولة في دعم النشاط الإنتاجي من خلال التقشّف.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها