آخر تحديث:00:24(بيروت)
الجمعة 04/10/2019
share

حذارِ الرغيف والحرّية

عصام الجردي | الجمعة 04/10/2019
شارك المقال :
حذارِ الرغيف والحرّية نظام سياسي حرون يرفض التخلي عن امتيازاته (دالاتي ونهرا)

حين تبدأ السلطة السياسية بمصادرة الرغيف والحرية معاً، يعني أن النظام السياسي يعلن بنفسه إفلاسه وعدم جدارته بحكم دولة وشعب. وليس يجدي تقديم أمثلة وشواهد. كل محيطنا العربي والإسلامي القريب والبعيد ثبت مرجع وإسناد. لم نعد نخشى السقوط إلى القاع، بمقدار خشيتنا من نظام سياسي حرون يرفض التخلي عن امتيازاته، يوغل في الفساد، ينافق في الإصلاح، ويناور لكسب وقت ما عاد في وسعنا شراؤه.

تحوير الحَراك
كنا نعتقد أن التحركات الشعبية التي حصلت الأحد 29 أيلول الماضي، وعبرّت عن وجع المواطن وحنقه على السلطة السياسية بكل مكوناتها، وعلى الحكم والحكومة، من شأنها أن تنبه المسؤول وتحضه نحو استشعار المرحلة الخطيرة التي يعيشها المواطن والوطن، بعد أن بلغت الأزمة المعيشية حدودًا جائرة ومقلقة. وإذ نفاجأ بتحوير الحَراك نحو رئيس الجمهورية ميشال عون، لمجرد إطلاق هتافات تضمنت مواقف من كل أركان السلطة. تجاهل الحَراك على تواضع عديده، شمل أيضًا وسائل إعلام راحت كالعادة كما حصل في الحَراك الشعبي الكبير في 2015، تسأل "من وراء الحّراك"؟ من أمامه"؟ ومن إلى "جانبه"! الغريب كان ما نشر عن مصادر رئيس الجمهورية ومفاده أن رحلته الى نيويورك "استُخدمت حجة لردود الفعل، وتمّ معها ضخّ كمية هائلة من الشائعات من جهات عدة، واستكملت الحملة بتحركات الشارع، وبالهتافات التي تحمّل الرئيس عون مسؤولية تراكمات عمرها أكثر من ثلاثين سنة. فيما هو ليس مسؤولاً سوى في السنوات الثلاث الأخيرة". لتتابع المصادر، هناك كثيرون يناصبون "التيار الوطني الحر" العداء، ويريدون بالأساس إفشال عهد الرئيس. وقالت "إن الرئيس عون تابع تحركات يوم الأحد وتلقى تقارير مفصلة عن طبيعتها والجهات التي كانت تنظم عملية الاحتجاج، وستتم ملاحقة كل من يقف وراء حفلة الشائعات والإساءة إلى العهد". رئيس الجمهورية استهلّ جلسة مجلس الوزراء أمس بقوله "حق التظاهر لا يعني حق الشتيمة وحرية الإعلام لا تعني حرية إطلاق الشائعات المغرضة والمؤذية للوطن".

للحرية حرّاسها
دعونا القول، أن الشتيمة مردودة لأصحابها. أمّا حرية الإعلام فحرّاسها حارسو الوطن. "الشائعات المغرضة المؤذية للوطن والمواطن"، دونها قانون المطبوعات. لا علاقة للحَراك الشعبي بكل الأجواء المحيطة بزيارة الرئيس إلى نيويورك. وبوقوف رئيس الوزراء سعد الحريري في باريس إلى جانب رؤساء الدول ومسؤوليها في تشييع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. الناس والبلد في واد والسلطة في وادٍ آخر. الذين تعرّضوا لقوى الأمن في حَراك 2015، وقفوا أمام الكاميرات. واتُهم المتظاهرون بـ"الشغب والتعدي على الأملاك الخاصة والعامة". الحَراك الأخير كان سلميًا. تنابُذ أركان الحكم والحكومة وزعماء الطوائف آخر هموم الناس. كنا ننتظر أن تلقى صرخة الرجل المسنّ الذي بكى أمام الكاميرات لإنه عاجز عن  تأمين تكلفة عملية جراحية تنقذه من الموت من يسمعها في الحكم والحكومة. تلقّفه مشاركون في الحَراك لتأمين مساعدته. بات الصراخ والاحتجاج هو المشكلة. وليس وجع الناس وهواجسهم على مستقبلهم ومستقبل أولادهم والوطن. أمّا التهديد بقمع الحريات الإعلامية بقانون العقوبات، فلن يرهب الأقلام الحّرة، لتُطلق العنان للمرتشين ومتملقي السلطان. ولمن هم على لوائح الدفع والقبض. وللأسف، باتت تلك اللوائح تتسع للنُخب وللمثقّفين أيضًا.

كنا نعتقد أن ما يميّز لبنان عن دول محيطه، مساحة الحرية التي كفلها الدستور، وليس ما يماثلها في تلك الدول. مساحة الحرية هذه، هي التي أسهمت في فترات ازدهار لبنان الاقتصادي حقبة الخمسينات والستينات، في صرف النظر عن فجوات توزيع الثروة ونظام الوكالات التجارية الاحتكارية. ليس النظام المالي والسرية المصرفية كانا وراء إقبال الرساميل العربية والأجنبية على لبنان فحسب. بل وحرية الصحافة والرأي والتنوع الثقافي. وكذلك نظام برلماني ديموقراطي لم تعرفه دول المحيط الأقرب. كنا نعرف من زمان أن الدولة التي قامت على بحبوحة التدفقات المالية الدؤوبة خلال عقود، وفرت مددًا للنظام السياسي الطائفي، رغم كل تشوهاته وارتباطاته بالخارج، ولنموذج الريوع الاقتصادي بكل اختلالاته الاجتماعية الهائلة، ستنكشف في لحظة الحقيقة. وأيّ انكشاف. أن نجرؤ على الحرية نكون قد بلغنا مرحلة "التصفية الذاتية". الشتّامون تعرفونهم. هم بينكم في النظام السياسي. كل مفردات الشتيمة تتقاذفونها كما تتقاذفون المسؤولية في الأزمة الاقتصادية. ومفردات الخيانة أيضًا والسفيه من الكلام. حتى داخل مجلس الوزراء وفي مجلس النواب. لم يبقَ إلاّ المواطن ممنوع أن يصرخ أو يتبرّم. ولا أحد يقبل التنازل للوطن وللمواطن.

الناس يريدون الخلاص. هناك إشارات كل يوم بأن لبنان يتغير في كل شيء. لاسيما على الصعد النقدية والمالية والاقتصادية عمومًا. نظامنا السياسي لا يعمل إلاّ ضد الاقتصاد والوطن. الأرجنتين في درجة تصنيفنا السيادي نفسه. بدّلت رؤساء وحكومات في فترة وجيزة. وها هي من جديد دعت إلى انتخابات نيابية مبكرة في 27 تشرين الأول الجاري تحت ضغط الشارع بعد أن فرضت مطلع أيلول الماضي، قيودًا على حرية التحويل إلى الخارج والنظام المالي في أيلول الماضي. نظامها السياسي ما زال يعمل. والديموقراطية كذلك. اليونان أيضًا. موديز تقول لم يبقَ شبهٌ لنا إلاّ موزمبيق!

ليس الشعب في خدمة العهد. ولا في خدمة الحكم والحكومة. العكس صحيح. ها هي التسويات السياسية التي عُقدت قبل انتخابات رئاسة الجمهورية تنكشف عن تسويات ومنافع سياسية، واقتسام الإدارة والقطاع العام ومؤسساته. وإلاّ ما تفسير انفراط عقد كل التحالفات الآن؟ لا يوجد فريق سياسي على وفاق مع الآخر. يتكتلون فقط في وجه الإصلاح والتخلي عن امتيازات من حقوق المواطن. ويضيقون ذرعًا بأي تحرك شعبي. يخونِونه ويدعوِشونه على غرار الأنظمة العربية البائدة. ويتهمونه بـ"النيل من روح الأمّة ومعنويات الوطن"! ها هو العراق الآن ينتفض على الفساد ويقدم شهداءً أقحاحًا للخلاص من موروث فساد قلّ نظيره زمن نور الدين المالكي وغيره من الحكّام الفاسدين. ومن أجل الحرية والكرامة.

آن لهذا الليل أن ينجلي. الطريق إلى الخلاص من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية معروف وواضح. لا تبحثوا عنه في كومة قشّ. النظام الذي يعجز عن الكهرباء ومعالجة النفايات، وضبط عصابات التهريب عبر حدوده لأنها محميّات سياسية، ليس في وسعه مصادرة الرغيف والحرية معًا. لا تجربّوا. نضنّ بالوطن ولا نضنّ بكم!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها