آخر تحديث:00:19(بيروت)
الإثنين 14/10/2019
share

الّلهمّ نجِّنا من الساعة السوداء!

عصام الجردي | الإثنين 14/10/2019
شارك المقال :
الّلهمّ نجِّنا من الساعة السوداء! لم يصل لبنان إلى ما وصل إليه لولا النظام السياسي الطائفي (Getty)

لا نعرف هوية التحويلات التي خرجت من لبنان في 2019 وقبلها. ولا هوية أصحابها ووكلائها المفوضين. لكن لنا أن نلحظ، أن الجزء الأكبر من تلك التحويلات كان من لبنانيين. فودائع غير المقيمين خرج معظمها قبل فترة طويلة كما تؤكد مصادر مصرفية. بما في ذلك تصفية سندات بالليرة اللبنانية وتحويل أرصدتها عملات أجنبية إلى الخارج. سندات الدين اليوروبوندز، متاحة كل لحظة في الأسواق الثانوية. وهذا أتاح تراجع أسعارها وارتفاع العائد عليها وسعر تأمينها ضد مخاطر عدم السداد. المحفظة الكبيرة الباقية للمصارف ومصرف لبنان. أي أننا أعدنا بعوامل السوق المعاكسة لانعدام الثقة، الجزء الأكبر من انكشاف الدين على الخارج. وهنا مصدر الخطورة الحقيقية في حال استمر المسار المالي المالي أولًا، وتابعه المسار النقدي في الاتجاه نفسه.

لتفادي الأسوأ
بقي أمامنا مجالان لتفادي الأسوأ لو تمكّنا من ذلك وعلى وجه السرعة. الأول، موازنة مخفوضة النفقات إلى الحدّ الأقصى الممكن في 2020. وتنفيذ خطة الكهرباء بشفافية من خلال إدارة المناقصات ورقابة ديوان المحاسبة. وتوفير الكهرباء على مدار الساعة بتدابير استثنائية للاستغناء عن المولدات الخاصة. ورفع التعرفة شرائح تبعًا لحجم الاستهلاك. والتشدّد في تطبيق جباية الضرائب بلا إعفاءات من الغرامات. وتطبيق القوانين بدقّة. التصريح الكاذب، والتلاعب بالقيود من دفترين وثلاثة، وما شبِه، يحال أصحابها بتهمة تبييض الأموال. وتنفذ في حقهم القوانين الضامنة حقوق الدولة والمواطن. واذا كانت زيادة الضرائب وصفة مناوئة لصلب الأزمة وهو النمو الراكد، فهناك طرف يجب أن يدفع في النهاية، ليسهم في بداية المخرج. الفقراء ما معهم ليدفعوا.

المجال الثاني سيمفونية الإصلاح الممجوجة. جيل النظام السياسي الأوليغارشي ليس صالحًا ليُصلِح. وفي المحصّلة يتوجب كسره من "الشعب الغفور"! لكن الدولة تهتزّ. والوطن أمام التحدّي. ورقّاص الساعة ليس في مصلحتنا. ما العمل؟ صرنا نرتضي بالأقلّ ممّا بقي لدينا من مؤسسات تنتج في القطاع العام. هل يمكن أن يستريح الفاسدون بين الشوط والآخر؟ ويكفّوا عن نقل المعركة إلى ملاعب  وهمية أخرى ليستمروا في مباريات فساد مفتوحة، بلا حكّام ولا رقابة ولا حساب؟

الاتصالات أهم قطاع. على خدماته تقوم كل أنشطة الاقتصادات المعاصرة والخدمات المالية والصناعات وغيرها. وكنا اعتقدنا أن هذا القطاع بعد انتقاله من الدولة "التاجر الفاشل"، سيتطور ويجزي الخزانة عائدات بحجم أهميته، بعد انتقاله إلى القطاع الخاص "الشاطر". وكان لسنوات مصدر عائدات رئيسًا مع الجمارك. تراجعت عائدات الاتصالات بنحو 50 في المئة في 2018 2019. لا يزال القطاع بلا هيئة ناظمة مثل الكهرباء. لجنة الاتصالات النيابية تحدثت عن فضائح مالية في الاتصالات. رفض وزير الاتصالات محمد شقير وسلفه الوزير محمد الجرّاح المثول أمام المدعي العام المالي علي ابراهيم، بعد تسلمه ملفًا من لجنة الاتصالات النيابية فيه ما يستدعي حضورهما. يردّ الوزيران السبب لغائية سياسية لـ"فريق الممانعة" الذي قرّر بدء حملة مكافحة الفساد بفريق كان يسمّى 14 آذار. قد يكون الكلام صحيحًا إلى حد كبير. لكن هل يستدعي ذلك عدم الدفاع عن النفس، أو حتى تزويد القضاء بمعلومات لبيان الحقيقة؟ والأمر يتصل بحقوق عامة في مؤسسة للدولة لا تزال تنبض.

الدولة الهشّة
في الدولة العميقة التي تحترم مواطنيها ودساتيرها، ويتحلى مسؤولوها بحسّ المسؤولية تجاه القانون والشعب، مجرد شائبة في وزارة قد تحمل الوزير على تقديم استقالته. حتى لو لم يكن مسؤولًا مباشرًا عنها. القضايا الكبيرة المتصلة بالفساد تطيح حكومات ورؤساء. وحين تبدأ أحجار الدومينو تتساقط، ويرمي كل واحد رئيسًا ومرؤسًا التبعة على الآخر، منجاةً من تحقيق برلماني أو قضائي، تنفتح الدهاليز المقفلة أمام الصحافة والإعلام والرأي العام. في الدول الهشّة الفاسدة، حيث أقبية الدهاليز مقفَلة بإحكام، لا شيء من ذلك. بل ونقيضه. فينتظر الشعب الحقيقة من تقاذف المسؤولين والساسة كرة الفساد. الفكر الطائفي هو حائط الصدّ لوصول الفساد والمفسدين إلى قوس العدالة. لذلك رغم كل الفساد لم نرَ سياسيًا فاسدًا بعد يساق إلى العدالة. خلا وزير سابق للنفط.

دول مؤتمر سيدر لا تنتظر إصلاحًا قطاعيًا وهيكليًا ناجزًا من لبنان وحكومته كي تفرج عن التعهدات المالية. تعلم أن لبنان لم يصل إلى ما وصل إليه لولا النظام السياسي الطائفي. وأن مؤسسات الرقابة والمحاسبة المولجة بالنزاهة والشفافية وصيانة حقوق الدولة وحيازاتها وأموال الخزانة تولد بارادة النظام السياسي. وبصفقات من خارج مجلس الوزراء. مراسيم التعيين تصدر مع المجلس فحسب. الدستور يخضع معظم تلك المؤسسات لمجلس الوزراء. لكنها لا تُغضب مرجعياتها السياسية والطائفية في سياق تنفيذها الأعمال الموكلة اليها. 

"الحِمض النووي"
تعلم دول مؤتمر سيدر أيضًا، أن حكومة لبنان حكومات مقسومة على نفسها في الملفات الكبيرة. لكن ما لم تتوصل إلى فكّ شيفرته بعد، هذا التناحر على مغانم المراكز الحسّاسة في القطاع العام إلى حد يُبقي المصرف المركزي في شغور سبعة شهور في مجلسه المركزي صاحب القرار بموجب قانون النقد والتسليف. لا لشيء سوى أن "التيار الوطني الحر الإصلاحي والتغييريّ" يريد بالإضافة إلى حصرية تمثيله طائفته، الهيمنة على حقوق كل الطوائف المسيحية في المراكز الأساسية الخاضعة للمناصفة، بما في ذلك الأرمن. بات معلومًا أن الوزير جبران باسيل يستأخر مراسيم تعيين نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة في مجلس الوزراء. لأنه يريد حصة  نائب الحاكم الرابع من الطائفة الأرمنية للإطباق على مفاصل الدولة. علمًا، حزب الطاشناق حليف تياره. وحاكم مصرف لبنان مسيحي ماروني قحّ. لكن "المختبرات الباسيلية للحمض النووي"، أظهرت بما لا يقبل الجدل أن "حِمض رياض سلامة النووي مشكوك في مسيحيته ومارونيته"! ولو استشار باسيل نظيره سليم جريصاتي، ليصدّق على صحة الاختبار لقال بلى، إن "الحِمض يتعارض مع الميثاق والدستور معًا. ولا بدّ لنا من عين تراقب بالمباشر ما يجري في هذه المؤسسة التي تدير دين الدولة وتهندس، وتوفر المدَد للنظام السياسي وتدعو له بالعمر المديد"! نعم، نعيش مثل هذه الترّهات التي تصلح مادة لمسرحية كوميدية ومحزنة في آن. رغم كل المآسي والمخاطر التي تحيق بنا من كل الجهات.

ستوكات الاحتكارات نفدت
تكرارًا نقول، أن الابتزاز الذي تمارسه بتنسيق احتكارات النفط والمطاحن ومحطات توزيع المحروقات، لم يحظ بتعليق واحد من السياسيين. خلا وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش المعني مباشرة بالمستهلك. ونلفت نظر الحكم والحكومة إلى أن اضراب الأفران المقرّر اليوم الإثنين (قابل للإلغاء أيضًا) يدّر على أصحابه مزيدًا من الأرباح تحققت أصلًا في الأيام الثلاثة الأخيرة. نفد الطحين تحت ضغط الطلب، وتدافع المواطنون على الرغيف قبل تنفيذ الإضراب. ودقيق المطاحن في سبيله إلى النفاد بعد تحقيق أرباح لمجرد التهويل بالإضرابات والعودة عنها. هكذا الحال في تهويل شركات استيراد المحروقات ومحطات التوزيع. البنزين خزين المنازل الآن. والرغيف والكعك، وكل ما طالت يد المواطن على سبيل الحيطة. مصرف لبنان مطالب بتأمين العملات لسلع لم تستهلك بعد. ولإعادة تأمين عملات أخرى لبناء ستوكات المحروقات والدقيق من جديد. وإلاّ، "اللهمّ نجّنا من الساعة السوداء"!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب

لن ندعكم تهربون الجمعة 22/11/2019
علاء أبو فخر الجمعة 15/11/2019
رياض سلامة إن حكى! الإثنين 11/11/2019
المزيد