آخر تحديث:00:22(بيروت)
الجمعة 11/10/2019
share

حالة طوارئ على الدولة!

عصام الجردي | الجمعة 11/10/2019
شارك المقال :
حالة طوارئ على الدولة! أصحاب احتكارات النفط والقمح والدواء يريدون تركيع الدولة والمواطنين (Getty)

هل وقعت بقرة الدولة في مسلخ الاحتكارات؟ هي واقعة أصلًا قد يقول قائل. هذا صحيح وراسخ. لكن زمن القلّة ليس زمن الوفرة. حين يبدأ بلد اقتصاد حرّ بتأمين العملات الأجنبية لتجار القطاع الخاص لزوم استيراد السلع الضرورية من مصرفه المركزي، يعني ثمة شيئًا ما هيكليًا يتغير بسرعة. وحين يتمردّ التجار المستفيدون من الإجراء على الدولة، لأنهم يريدون تأمين التمويل على هواهم بلا قيود، وينفذون إضرابات ويهددون بأخرى يتأبطونها سلفًا قبل الاجتماع بالمسؤول الحكومي، ندرك حجم الهوّة التي نحن فيها.

منذ صدور التعميم الوسيط عن مصرف لبنان رقم 530، الذي قضى بتوفير العملات الأجنبية لتأمين استيراد المحروقات السائلة والقمح والأدوية، ثارت ثائرة المجموعات التجارية الاحتكارية التي تطبِق على القطاعات الثلاثة. فقط لأن التعميم تضمّن بعض الضوابط لاستخدام تلك العملات في الوجهة الصحيحة. شركات استيراد المحروقات السائلة التي تمسك بقطاع نقلها، وبمحطات التوزيع وتمتلك عددًا وفيرًا منها، لم يرُق لها أسلوب فتح الاعتمادات الذي لحظه التعميم. تريد خفض الهامش النقدي المجمّد لكل عملية، وإطلاق يدها في التصرف بالخزين المستورد قبل صدور التعميم. وإلاّ فالإضراب غبّ الطلب. تحالف أصحاب المطاحن والأفران وشركات استيراد الدواء في السلوك نفسه. والكل يريد "وصلًا بليلى". زيادة الأسعار. علمًا، أن القطاعات الثلاثة المصابة بقشعريرة من الليرة اللبنانية، تدفع أجور مستخدميها وعمالها بالليرة. وفواتير الكهرباء والمياه والهاتف الثابت والخدمات. وضرائبها كذلك من الدفاتر المزدوجة في الغالب الأعمّ.

مخالب ومليارات
هل فعلًا فرغ جراب الدولة من الدفاع عن نفسها؟ أبدًا. حين رأس سليم الحصّ الحكومة في عهد الرئيس الراحل الياس سركيس، قرّر أن تحتفظ وزارة الاقتصاد والتجارة بخزين احتياطي من القمح، يتيح للدولة التدخل لكسر الاحتكار أو لشحّ المادة في الأسواق الخارجية تداركًا لارتفاع أسعار الرغيف. وقرّر شراء القمح من المزارعين اللبنانيين بأسعار تشجيعية. وكان دقيق القمح مدعومًا للرغيف فقط لا غير. أسعار البنزين كانت مدعومة أيضًا. في ظروف الحرب استقوت احتكارات والقمح والمحروقات على الدولة. توسعّت وأثْرت من الخزانة والمكلّف اللبناني.

تحالف أصحاب المطاحن مع أصحاب الأفران. اختلط دقيق الرغيف المدعوم بالسعر الرسمي، بإنتاج الحلويات، والكرواسان، والكعك، والمناقيش والبيتزا والمعجنات. وغيرها. وجُلّها من دعم دقيق الرغيف المدعوم. وهي غير مسعرة رسمياً. كان اللبنانيون يأكلون خبزًا لا تتوفر فيه القيمة الغذائية على الدوام. الدقيق المطلوب لصناعة الحلويات والكرواسان والبيتي فور وغيرها يتطلب طحينًا من أنواع خاصة تستورده محال الباتيسري والحلويات. وكانت المطاحن توفر جزءًا كبيرًا منه للأفران (سميدة وفرخة) وغيرها من المسميات، باستخلاصه من الدقيق المدعوم المخصص للرغيف من دون غيره، لقاء أسعار خاصة. بات الدقيق يسرّب إلى خارج الأفران أيضًا.

عدد المطاحن التجارية الرئيسة المسيطرة على السوق، لم يكن قبل الحرب يتجاوز الخمسة. وما زال. لكن التغير الكبير طرأ على الأفران. وأتت كارتيلات فعلية الآن تمددت بفروعها إلى معظم المناطق اللبنانية. لم يعد هناك أفران تقليدية في المدن والمناطق والقرى. باتت صناعة آلية كبيرة لمجموعة ضيقة يغطي إنتاجها لبنان. وبعضها يصدّر إلى سوريا.

الدولة تملك إهراءات الحبوب في المرفأ. يمكنها تخزين احتياط من القمح تطرحه في السوق لكسر احتكار المطاحن، وتورده للأفران الملتزمة سعر الرغيف. وزارة الاقتصاد والتجارة قادرة على فرض سلطتها في القطاع. قاعدة تسعير الرغيف لا تقوم على الوزن والجودة فحسب. التشدّد بالأوزان. وبكمية المياه الزائدة في صناعة الرغيف التي تزيد الوزن وتنقص الجودة. وبالتعبئة والتغليف.

النفط و فرسان الحرب
حكاية شركات المحروقات وهيمنة الميليشيات اللبنانية والوصاية السورية عليها زمن الحرب معروفة. بما ذلك على منشآت النفط في طرابلس والزهراني. معظم شركات النفط العالمية المشهورة تخلّت عن حيازاتها في لبنان وأبقت على صلة تقنية. وتملّكها فرسان الحرب اللبنانيون بأسماء جديدة سياسية وتجارية. منذ ذلك الحين غدا لبنان مستوردًا المحروقات السيئة دون المواصفات. لا سيما الفيول أويل والمازوت لزوم كهرباء لبنان. لم يكن هناك مرجع للتدقيق في المواصفات. أو تدقيق منضبط في الحمولة. ولا مختبر خاص تشرف عليه الدولة. الوضع لم يتغير كثيرًا حتى الساعة. معظم الأعطال التي كانت تطرأ على معامل الكهرباء كانت تنيجة ذلك. من يدقق بمكيال البنزين والمازوت في المحطات وبنوعية الأوكتان؟ حين قررت إحدى شركات المحروقات المشهورة زمن الحرب الخروج عن قرار وزارة الصناعة والنفط (في حينه) وكان على رأسها الراحل غسان تويني، صدر قرار بوضعها تحت الحراسة القضائية وكُفّت يد مجلسها الإداري. هناك خزانات نفط ومحروقات تملكها الدولة في طرابلس والزهراني. تحولت خلال الحرب إلى كارتيلات قطاع المحروقات يستأجرونها بالسعر البخس. الموظفون ما زالوا يتقاضون أجورّا بلا مردود. يمكن الدولة عقد اتفاقات من دولة إلى دولة وتأمين خزين استراتيجي في الخزانات لكسر احتكار الشركات. حصل ذلك مع الكويت والجزائر.

المكتب الوطني للدواء يمكن أن يُفعّل. ويقال أن المكتب ما زال موجودًا بلا عمل. تعطى أفضلية لصناعة الأدوية اللبنانية. وهي متاحة بجودة. ويمكن استيراد أدوية الجنريك وبيعها من المستهلك أدنى بنحو 40 في المئة من أسعارها.

الصّمت السياسي؟
العجب هذا الصمت المريب من كل قوى السلطة السياسية حيال رد فعل الاحتكارات الثلاثة على تعميم مصرف لبنان. وهي المهيمنة على سلع استراتيجية تتصل بالأمن الاقتصادي والغذائي والصحي. وبالأمن النقدي والأمن الوطني اختصارًا. وكأن شيئًا لم يكن. سذجٌ لو اعتقدنا، أن طرفًا سياسيًا من الأوليغارشيا ليس له علاقة ما بتلك الاحتكارات. ملكية، أو شركة، أو استشارات قانونية، خدمات سياسية ورشىً على جداول الدفع والقبض. تقدّر حاجة استيراد السلع التي شملها تعميم مصرف لبنان بنحو 4 مليارت و500 مليون دولار أميركي سنويًا أو ما يزيد بقليل. بالقيمة الحقيقية علينا احتساب الفوائد الهائلة التي يدفعها مصرف لبنان لاجتذاب العملات الأجنبية ولا تقل عن 15 و16 في المئة عائدًا. من دون الدخول في تفاصيل موجودات المصرف المثقلة بالالتزامات، لا نخال إنه قادر على سلوك المسار نفسه في 2020. مع ذلك، تريد الاحتكارات الثلاثة أن تجثو الدولة على ركبتيها! وتطبق أحزاب السلطة صمتًا. حين تكرّ السبّحة لتسلك قطاعات تجارية أخرى الطريق إلى مصرف لبنان لتأمين العملات لزوم استيرادها، نكون في صلب حالة طوارئ اقتصادية. إنمّا من الاحتكارات على الدولة والشعب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها