آخر تحديث:00:28(بيروت)
الإثنين 07/01/2019
share

سيدر وماكينزي في جُحر الثعابين

عصام الجردي | الإثنين 07/01/2019
شارك المقال :
سيدر وماكينزي في جُحر الثعابين أصررنا منذ ربع قرن على التفريط بكل التدفقات النقدية في قطاعات غير منتجة (Getty)

أن يعجز النظام السياسي عن ملء الشواغر في مؤسساته الدستورية، وتتعطل فيه السلطتان الإجرائية والتشريعية، بينما السلطة القضائية في قبضة الساسة، يعني دولة فاشلة بكل المعايير. تترنح الدولة عندنا إلاّ من طقوسها الشكلية.

الدولة الفاشلة
ويبقى النظام السياسي قائماً في وجه السخط الشعبي، للدفاع عن مصالح أركانه الضيقة، حتى لو استدعى الأمر عدم تأليف حكومة منذ ثمانية شهور. يحذر وزير المال من احتمال عدم توفر التمويل لديمومة كيان الدولة المالي، لو استمر البلد بلا حكومة أكثر من شهر. لا أحد يأبه. فالصراع بين متضادات النظام باقٍ، والدولة تبهت وتترنح، والمواطن يعاني حزمة أزمات غير مسبوقة منذ دولة لبنان الكبير 1920 تحت "الانتداب" الفرنسي ودولة الاستقلال 1943.

سمات الدولة الفاشلة عندنا أعمق بعد. قوانين لا تصدر قبل تهيئة المناخ، وعدة الميثاقية الطائفية المسمّاة وفاقاً وطنياً. تصدر قوانين وتنشر، ولا تنفذ. السلطة الاجرائية قاعدة من العمل. عاجزة حتى عن تطبيق أحكام قضائية. لا أحد يتحدث عن الدستور هذه الأيام. هو الآخر مستباح بالميثاقية والوفاق الوطني. يمضي النظام في الحذلقة والتذاكي والاستخفاف بذكاء العامة. فينتقي اجتهادات وسوابق لإقرار موازنة في الوقت الضائع مع حكومة تصرف الأعمال. علماً أن النص الدستوري واضح جليٌ. ولا اجتهادات بوجود النص. وقانون الموازنة السنوية أحد أهم التشريعات التي تصدرها مجالس النواب في العالم، إن لم يكن أهمها في المطلق. ومن سمات النظام السياسي الساقط الذي يقود إلى الدولة الفاشلة، أن الأخيرة عاجزة حتى عن تلقي دعماً مالياً خارجياً، قروضاً ميسرة ومساعدات طويلة الأجل. وشرط ذلك موازنة حسب الأصول. وإصلاحات تليها وتراقب. ومشاريع شفافة تلزيماً ومحاسبة قانونية وانجازاً. لا شيء من ذلك أبداً حتى لو تألفت حكومة ونالت ثقة مجلس النواب.

لا رؤية
كتبنا مرة عن خطة مشاريع البنى التحتية، وتكلفتها نحو 20 مليار دولار أميركي، بلا رؤية اقتصادية واجتماعية، لتصويب الاختلال الكبير في العقد الاقتصادي والاجتماعي، ولردم الفجوات الواسعة بين مَواطن الثروة ومَواطن الفقر والعوز والتهميش. رؤية خطة بهذا الحجم والتكلفة بالدين والقروض هي مَهمة الدولة. أي الحكومة ومجلس النواب والنقابات والمجتمع المدني وأطراف العقد الاجتماعي. وليست مَهمة شركات خاصة ومؤسسات تبتغي الربح، ولا يربطها بالدولة المستفيدة سوى عقد بين طرفين. وكي لاينتقل الصراع السياسي إلى الرؤية بالتفصيل، وفرت الحكومة على نفسها، وكلفت ماكينزي أند كومباني إعداد ورقة اقتصادية سمّتها رؤية اقتصادية. باستطلاع سريع ومنقوص لورقة ماكنزي، نلحظ خلوها من الرؤية التنموية والبعد الاجتماعي، وأغفلت السياسة النقدية وأسعار الصرف ربطاً بالتركيز على الوضع المالي.
ولا ندري ما اذا كانت رؤية ماكنزي وقعت في المحظور التقليدي لمعظم بيوت الخبرة والدراسات، إذ اعتقدت، أن زيادة معدلات النمو من دون توزيع عادل، يؤدي تلقائياً إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ونحيلها في هذا الجانب إلى دراسات مؤسسات النظام المالي والاقتصادي الدولي الذي انبثق بعد العولمة. وقد أكدت شائبة عدم شمول النمو الفئات الأكثر تهميشاً من عمليات الاستخصاص وابتكارات الشراكة. في أي حال، لقد بات لدينا الآن رؤية ماكينزي وتعهدات مؤتمر سيدر. وبينهما موازنة 2019 من خارج الدستور وبلا قطوع حسابات ونفقات المَهمة. لكن الحكومة ليست موجودة، والعريس لم يحضر بعد! وهناك شوط كبير لماكينزي، المرتبطة مشاريعها حكماً بتعهدات مؤتمر سيدر، وما سيليها من الإصلاح الميؤوس والثمار الفجّة، لكي تعبر في مجلس النواب لاستنان القوانين وإشراك القطاع الخاص في مشاريع تتربصها القوارض والهوامير وسمك القرش.

الحلقة المفرغة
اجتنبت رؤية ماكنزي الوضع السياسي. لكنها تحدثت أكثر من مرة عن الفساد المالي والإداري. ووصفت النموذج الاقتصادي اللبناني عالقا في الحلقة المفرغة. "لم يحقّق الاقتصاد اللبناني أي زيادة في ثروته خلال السنوات الأربعين الماضية، ولم يستطع مجاراة البلدان الأخرى في السنوات السبع الماضية، بحيث نما نصيب الفرد من الناتج المحلّي الإجمالي بنسبة 30 في المئة خلال الأربعين سنة الماضية، في مقابل متوسّط عالمي 120 في المئة، و8 في المئة خلال السنوات السبع الماضية، في مقابل متوسّط عالمي 14 في المئة". لحظت ماكينزي أن كل التدفقات النقدية إلى لبنان بقيت قاصرة عن النفقات الحكومية الترسملية في الموازنة، التي لم تشكل "سوى 4 في المئة خلال السنوات العشر الماضية مقابل 10-20 في المئة معياراَ مرجعياً. أسهم ذلك في تراجع البنية التحتية، وبات لبنان يحتل المرتبة 113 بين 137 دولة في هذا المؤشر، وهو ما ولّد بيئة أعمال غير مواتية، فتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر 30 في المئة في  سنوات 2010 و2017، وانخفض إسهام القطاعات المنتجة في الناتج المحلي، بحيث شكّلت 14 في المئة سنوات 2010 و2016، في مقابل 20 في المئة معياراً مرجعياً. وبالتالي تراجعت فرص العمل والإنتاجية. وهي عوامل تطيل أمد هذه الحلقة المفرغة".
واستحضرت ماكينزي مؤشر المصرف الدولي لمدركات الفساد. وقد حلّ في لبنان في المرتبة 180 على 209. كان ملفتاً أن ماكينزي عبرت على غير هدى بملف الكهرباء وعجزه التراكمي نحو 40 في المئة من الدين العام. وطالبت بالعودة إلى الخطة 2010 لإصلاح القطاع. أي إلى الهيئة الناظمة، وبناء معامل استيلاد الطاقة، وإدارة كفية لمؤسسة كهرباء لبنان. ولم يتحقق شيء من تلك الخطة. فاستدام العجز المالي واستدام انقطاع التيار.

التسيب المالي والإداري
في لحظة الحقيقة ستعود كل الخطط والدراسات إلى مختبر النظام السياسي الفاسد والدولة الفاشلة. والإصلاح هنا ليست شغلة ماكينزي ومؤسسات الدراسات. وهنا مربط الفرس. ولو ذهبنا إلى أبعد لقلنا أن هذا التسيب المالي والإداري، ومعه نظام الريع والرشى والمحسوبية يقتات على النظام السياسي والثاني يقتات على الأول. هكذا أصررنا منذ ربع قرن على التفريط بكل التدفقات النقدية في قطاعات غير منتجة ولا تجزي فرص عمل كافية. حولناها استثمارات غير مباشرة وظرفية، وكنا قادرين بالنظر إلى ديمومة تلك التدفقات سنوات توالياً، على استثمارها في مشاريع القيمة المضافة وفرص العمل. ماكينزي تتوقع 320 ألف فرصة عمل بعد انجاز الرؤية ومشاريعها. لكن ما هي حصة اللبنانيين من تلك الفرص؟ سيدر وماكينزي في جحر الثعابين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها