آخر تحديث:00:12(بيروت)
الجمعة 25/01/2019
share

في الاقتصاد الرقمي وتمويله: المصارف تريد مصلحتها أولاً

خضر حسان | الجمعة 25/01/2019
شارك المقال :
  • 0

في الاقتصاد الرقمي وتمويله: المصارف تريد مصلحتها أولاً لم تلحظ المبادرات، التي أطلقت في القمم العربية، أي تغييرات كبيرة في الواقع الاقتصادي العربي (علي علوش)
باتت التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي في الزمن الحالي، هي الأرضية الأساس للمشاريع الجديدة في مختلف القطاعات، وبخاصة الخدماتية منها، كالمصارف وعموم المؤسسات المالية. والدول التي تتخلّف عن اللحاق بركب التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، تتخلّف حكماً عن تحقيق معدلات النمو الاقتصادي، المطلوبة لرفع مستوى الاقتصاد، وتحسين نمط عيش المواطنين.

هذا العنوان العريض لأهمية التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، كان حاضراً في القمة العربية التنموية في بيروت، يوم الأحد 20 كانون الثاني. لكن اللافت، كان دعوة المؤسسات المالية والمصرفية إلى المساهمة في الصندوق الخاص بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. فهل للمصارف رغبة في الدعم؟

المشروعات الصغيرة
تدرك الدول العربية حاجتها إلى تطوير اقتصاداتها، بما يتلاءم مع التطور التكنولوجي المستمر. غير أن المؤسسات العربية غير قادرة على مواكبة التطور، بالمستوى والسرعة عينها، خصوصاً الصغيرة منها. إذ يحتاج بعضها إلى دعم مالي. ولهذا السبب، كانت المبادرة الكويتية لإنشاء الصندوق العربي لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية، لدعم وتمويل مـشاريع القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، برأسمال يبلغ 2 مليار دولار، وذلك في القمة العربية التنموية التي عقدت في الكويت عام 2009. وقد ساهمت الدول العربية حتى الآن، بنحو مليار و200 مليون دولار، وضعت في صندوق خاص في عهدة الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، الذي سيدير أيضاً مبادرة إنشاء صندوق مشاريع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، الذي ساهمت فيه الكويت بمبلغ 50 مليون دولار، وكذلك ساهمت قطر بمبلغ مماثل، خلال قمة بيروت.

المصارف وهوى الربح
دعت قمة بيروت المصارف والمؤسسات المالية العربية إلى المساهمة في الصندوق الخاص بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. الدعوة التي حملها الوفد الكويتي تكتسب ثقتها من خلال التجربة الكويتية في الكثير من الصناديق السابقة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وهو صندوق مالي كويتي تأسس في العام 1961 لتوفير وإدارة المساعدات المالية والتقنية للدول النامية. وقدّم الصندوق مساعدات كثيرة في الدول العربية. غير أن الثقة الكويتية لا تستطيع المصارف تلقّفها، ليس لأنها لا تثق بالكويت وبمبادراتها، بل لأن أسلوب تفكير المصارف لا ينسجم مع المبادرات التطوّعية التي لا تبغى الربح. فالكويت حين تساهم في مشاريع تنموية، تدفع من جيبها الخاص، وهذا ما لا يستهوي المصارف التي تبحث عن ربحها الخاص. وعليه، فإن الرغبة الكويتية، قد لا تجد آذاناً صاغية من المصارف والمؤسسات المالية العربية.

في السياق، يشير أمين عام اتحاد المصارف العربية وسام فتوح إلى أن "المصارف هي مؤسسات ربحية بالدرجة الأولى، وتنظر إلى مصلحتها من ناحية توفير الربح، حتى في مثل القرارات المتعلقة بإنشاء صناديق لدعم المشاريع التنموية. لذلك ستختلف قرارات المصارف بين من يوافق على المساهمة في مثل هذه المبادرات، وبين من لا يهتم بها".

لم يُقفل فتوح الأمل نهائياً، إذ لفت النظر في حديث إلى "المدن"، إلى ان المبادرة المتعلقة بالاقتصاد الرقمي، قد تجذب المصارف العربية، لأن لها "تأثيرات إيجابية على ربحية المصارف العربية. فهي تستفيد من الاقتصاد الرقمي لتطوير نفسها، والاستمرار في المنافسة داخل السوق. ومن لا يستطيع من المصارف اللحاق بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، يخرج من المنافسة تلقائياً".

لمصداقية الجهة التي أعلنت المبادرة بعض التأثير على مشاركة المصارف. لكن برأي فتوح "التأثير الأكبر سيكون على المصارف الكويتية والقطرية. لأن البلدين أعلنا المساهمة في الصندوق، ومن الطبيعي أن تبادر المصارف فيهما إلى المساهمة لإضفاء مصداقية أكثر على المبادرة. غير ان نسبة مشاركة المصارف في الدول الأخرى ستكون أقل". وبغض النظر عن مشاركة المصارف اللبنانية في المبادرة أم لا، إلا أن هذه المصارف "تُعتبر متطورة من ناحية اللحاق بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا".

جهود خيالية
الأحلام الجميلة لا تستطيع تغيير الواقع بسهولة، ما لم تقترن بأفعال علمية مادية. فالصناديق العربية وأموالها لم تذهب بالاتجاه الصحيح، بل ذهبت إلى مشاريع غير واضحة المعالم، فاستفادت منها بعض المؤسسات في الدول العربية الأغنى مادياً، في حين كانت الدول الأكثر فقراً تبحث عن مشاريع غذائية، ولا تكترث للتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. ولو استطاعت الدول العربية الفقيرة التخلّص من حاجتها الملحّة إلى الغذاء، وخفض معدلات البطالة والأمية، لاصطدمت بالتقارير السلبية للبنك الدولي التي توصّف الحالة العربية بامتياز. 

فقد رأى المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي، في تقريره الصادر في شهر تشرين الأول 2018، أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تحتاج إلى "جهد شامل، شبيه بما قامت به الولايات المتحدة بعد أن قررت في أوائل الستينيات أن تصل إلى سطح القمر. ويمكن لمثل هذه الانطلاقة الكبرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تُوحِّد الناس خلف هدف مشترك، وتساعد على تحقيق تحوُّل في الطريقة التي تمارس بها الحكومات والشركات والمؤسسات المالية الدولية ومنظمات المجتمع المدني أعمالها. وسيحدث ذلك تحولاً في اقتصاد بلدان المنطقة، ما يساعد على ضمان أن يجد الملايين من الشباب الكثير من الوظائف الجيدة والفرص التي يستحقونها".

وكترجمة واقعية لمحتوى التقرير، ينبغي على الحكومات العربية أن تقوم بجهد يشبه جهد الوصول إلى القمر، في حين ان أقصى ما تهتم به تلك الحكومات اليوم، هو بسط نفوذها السياسي خارج حدودها الجغرافية. وربطاً بالمبادرة نحو الاقتصاد الرقمي، فإن "الجهد الشامل" يعني خلق بنية تحتية عربية، قادرة على استيعاب التطور التكنولوجي عموماً، والرقمي خصوصاً، وهو أمر بعيد المنال، لأن مستوى تطور الدول العربية متفاوت بشكل تعجز فيه المبالغ المرصودة لدعم المشاريع، عن سد الثغرات في الدول العربية. وهذا ما يجعل من السهل استغلال الأموال في مشاريع تنفّذ في الدول العربية الأكثر نمواً، على اعتبار أن تلك الأموال قادرة على تطوير عمل مؤسسة قائمة، في حين لا تكفي لإنشاء وإطلاق وتطوير مؤسسة لم تولد بعد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها