آخر تحديث:19:08(بيروت)
الإثنين 07/05/2018
share

سنةُ العهد الأولى؟

عصام الجردي | الإثنين 07/05/2018
شارك المقال :

أعاد النظام السياسي تدوير نفسه من جديد. لم تكن عملية "الرسكلة" هذه مفاجئة لأحد. ستكتمل بفروعها في انتخاب رئيس مجلس النواب واللجان النيابية بعد 20 حزيران المقبل. وتتوج بالاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة المقبل وتشكيلها. وصوغ البيان الوزاري والحصول على ثقة مجلس النواب المنتخب. لا ميزان القوى الراهن يتقبل انتاج نخب جديدة قادرة على إحداث بداية تغيير ديموقراطي في النظام السياسي، يؤذن بصدع جدار الأوليغارشيا، والدخول في عصر الحداثة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدالة، ولا القانون الانتخابي صمم لإحداث مثل هذا التغيير الراديكالي في بنية النظام. القانون الذي سرق شعار النسبية والصوت التفضيلي وشوههما بالحواجز الطائفية والمذهبية وبتقسيم الدوائر غب الطلب، فرض على الناخب في آن لائحة مرشحين  مغلقة وقسرية لا خيار له فيها ولا قناعة. لمجرد اختياره الصوت التفضيلي يكون قد اقترع اللائحة كاملة. والصوت التفضيلي إنما للحفاظ على عرق الطائفة والمذهب. والحصة مضمونة في التوزيع مناصفة بين الطوائف حتى لو جاء المفضل أخيراً في اللائحة. "النائب يمثل الأمة جمعاء" كما في المادة 27 من الدستور. لكن "الأمة جمعاء" لا حق لها بموجب قانون الانتخاب أن تشترك في انتخابه. وفي القانون نحن أمم موزعة على دوائر وليس على دائرة الوطن الواحدة.

القانون الانتخابي نفسه جمع في لائحة واحدة ما لم تجمعه توجهات سياسية متجانسة ولا برامج. ترشحوا فرادى ضمن المهل. وركبوا لوائح مرشحين متنابذين أفرغوا معجم الشتائم من كل مفرداته. واستُحضر الخطاب الطائفي والمذهبي حيث تدعو الحاجة. السمة الوحيدة التي جمعت المتنابذين كانت شبه اجماع على سحق المرشحين من المجتمع المدني والخوارج على طوائفهم. فالنادي السياسي لا يتسع لهذه الفئة. وما تحقق من خرق مقعدين في بيروت الأولى بحسب نتائج الانتخابات غير الرسمية، هناك شكوك بعملية تزوير تقتصر على خرق واحد لبولا يعقوبيان وتقصي الثانية جمانة حداد.

كان لبنان سنوات التمديد للمجلس النيابي والشغور الرئاسي 29 شهراً تحت المجهر الدولي. بينما كانت البنى السياسية والدستورية تتآكل ويتم تجاوزها بما يوحي وكأن البلد باقٍ بقوة الأمر الواقع. في تلك الفترة استنزفنا كل قدراتنا المالية والاقتصادية وساءت مؤشرات الاقتصاد الكلي جميعها. وازدادت أعباء الدين والفوائد مصحوبة بثقل أعباء النازحين. بعد الانتخابات الرئاسية استمر المسار نفسه. قال الفريق المؤيد لرئيس الجمهورية ميشال عون إن سنة العهد الأولى تبدأ بعد الانتخابات النيابية. واستخدمنا الكلام نفسه في تعاطينا مع المجتمع الدولي رغم هشاشة هذه المزاعم ومساوئها. وكان حزام المخاطر الاقليمية يشتد حول لبنان والسلطة غارقة في النزاع على مصالحها. وبدأت أطراف الصراع داخل السلطة في استخدام ورقة الانتخابات النيابية قبل أكثر من عام على استحقاقها في أيار 2018. كل الأنظار تتجه الآن نحو الحكومة الجديدة. فترات السماح نفدت. لو دخلنا في الدوامة من جديد على من يرأس هذه الحكومة وعلى بيانها الوزاري وسياساتها المقبلة، فذاهبون الى الانهيار بعد الانتخابات النيابية. خصوصاً وأن الخسائر التي مني بها تيار رئيس الحكومة سعد الحريري في الانتخابات النيابية، وفقدان تيار رئيس الجمهورية مقاعد في دوائر كان يعتبرها قلاعاً حصينة، ألحقت خسائر في تحالف السلطة بين تياري الوطني الحر وتيار المستقبل. وبات جوهر هذا التحالف عرضة للاهتزاز في مرحلة تشكيل الحكومة وتسمية رئيسها. ويحتمل صراعاً جديداً على السلطة لو طال أوانها ستكون سيئة اقتصاديا ومالياً بكل المعايير. من دون إسقاط الفترة التي تسبق الحكومة لتموضع النواب الذين كانوا في لوائح متنابذة سياسياً في كتل نيابية.

كان لافتاً في الأيام العشرة التي سبقت 6 أيار، الرسائل السلبية من الأسواق المالية بما في ذلك سوق بيروت. وبحسب الأوساط المصرفية فقد تراجعت أسعار أوراق الدين اللبنانية يوروبوندز في الخارج نتيجة عروضها من مؤسسات ومستمرين أجانب تصفهم الأوساط بالمؤسسيين. و"ارتفع متوسط المردود المثقل بمقدار 19 نقطة أساس ليبلغ 7.53% وهو الأعلى منذ أزمة استقالة رئيس الحكومة اللبناني في تشرين الثاني 2017. كذلك، اتسع هامش مقايضة المخاطر الإئتمانية بمقدار 25 نقطة أساس ليبلغ 540 نقطة أساس أعلى مستوى منذ بداية 2018". المنحى التنازلي لأسعار السندات في الأسواق الناشئة لعب دوره. لكن أثره كان أكبر على السندات اللبنانية الخارجية. والأسبوع الماضي كان الدولار الاميركي مطلوباً في بيروت. وكان يفترض أن ترخي الانتخابات النيابية تمهيداً لاعادة تكوين المؤسسات الدستورية هامشاً ايجابياً على جاري العادة. والعكس حصل. ويعني أن قدرة لبنان على ولوج أسواق الدين ستكون بتكلفة أكبر. هي رسالة مالية سلبية. ورسالة سياسية مماثلة فيها شكوك حيال مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية والمشاق التي قد تعترض تشكيل الحكومة.

رئيس الجمهورية قال في مقابلة لـ"بي بي سي" قبل الانتخابات النيابية رداً على سؤال يتعلق بالحكومة المقبلة،  "سيتم تطبيق الدستور وما ينص عليه. وسنحاول دوما التوصل الى الاجماع، وهو الأمر المستحب. وفي غياب الاجماع هناك التصويت. وما يهمني دائماً الحفاظ على الوحدة الوطنية في أي عمل حكومي مقبل. واذا تعذّر ذلك فسنلجأ الى الاكثرية". أضاف "من يريد الدخول الى الحكومة عليه ان يلتزم القوانين التي ترعاها وطريقة العمل داخلها. ومن يريد البقاء خارجها وفي صفوف المعارضة، فهو حرّ بذلك".

تحدث رئيس الجمهورية وكأننا في بلد ديموقراطي حقاً. الحكم فيه لأكثرية نيابية. والأقلية تعارض. وهذه أرجوفة في ديموقراطية لبنان التوافقية. الكل يريد الاشتراك في السلطة وتقاسم منافعها. لا أحد يريد أن يعارض ليقصي نفسه عن تلك الوليمة. ثم هل "نسينا ميثاق العيش المشترك والطوائف والأقوى في طائفته"؟ الى الملفات الاقتصادية والمالية والخِدمية التي يفترض أن تتصدى لها الحكومة المقبلة، وفي مقدمها تعهدات مؤتمر سيدر وشفاعة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لبدء المرحلة الأولى من اعمار البنية التحتية، تربض المخاطر الجيوسياسية والاقليمية. قبل اعلان نتائج الانتخابات النيابية صرح وزير التعليم الصهيوني نفتالي بينيت أن "مكاسب حزب الله في الانتخابات اللبنانية تظهر أنه لا فرق بين الدولة والجماعة الشيعية المدعومة من ايران" أضاف أن "اسرائيل يجب ألا تفرق بينهما في أي حرب مستقبلية. واسرائيل لن تفرق بين دولة لبنان ذات السيادة وبين حزب الله وستعتبر لبنان مسؤولا عن أي عمل داخل أراضيه". استراتيجا الدفاعية ستحضر أيضاً مع البيان الوزاري. بدأت سنة العهد الأولى بتطبيق الدستور كما وعد الرئيس؟ لتكن ولنرَ.







شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها