آخر تحديث:00:16(بيروت)
الإثنين 31/12/2018
share

وحدها الأزمة سنرثها من 2018 اقتصاديّاً

علي نور | الإثنين 31/12/2018
شارك المقال :
  • 0

وحدها الأزمة سنرثها من 2018 اقتصاديّاً تفاقمت أزمة القطاع العقاري خلال هذا العام، مع توقّف القروض السكنيّة (Getty)
يمكن القول أن عام 2018 شهد الإنفلاش الأكبر، لملامح الأزمة الإقتصاديّة، التي تعيشها البلاد على مختلف المستويات. فقد تركت هذه الأزمة بصمتها على مختلف المؤشّرات الماليّة والنقديّة من دون إستثناء. وإذا أردنا رسم المشهد الإقتصادي بدقّة، للعام المشرف على الإنصراف، فلابد من المرور بجردة حساب عامّة لهذه المؤشّرات، لنعرف بالضبط أي تركة سنحمل معنا في العام الجديد.

ميزان المدفوعات: عجز قياسي
ميزان المدفوعات، ومنذ 2011، كان أولى بوادر الأزمة وعنوانها العريض. فهذا المؤشّر الذي يعبّر عن صافي التحويلات الماليّة بين لبنان والخارج، لطالما سجّل – قبل الأزمة- فوائض كافية، لتغطية حاجة البلاد من العملة الصعبة، حين كانت تحويلات المغتربين والمستثمرين العقاريين، كافية لتعويض العجز الناتج عن فارق الصادرات والواردات (الميزان التجاري). لكن منذ ثمانية سنوات، دخل هذا المؤشّر مرحلة العجز، فكان طليعة علامات التعثّر ومحرّكها الأوّل. ومنذ ذلك الوقت، ثابر هذا المؤشّر على تسجيل عجوزات متواصلة، في سابقة خطيرة، بإستثناء سنة 2016 التي شهدت هندسات مصرف لبنان.

لم يسجّل هذا المؤشّر عجزاً إضافيّاً في 2018 فقط، بل سجّل أكبر عجز له على الإطلاق منذ الإستقلال. العجز الفعلي، حسب آليّات احتسابه التقليديّة، بلغ 4.8 مليار دولار لغاية أيلول الماضي. أمّا مصرف لبنان فاعتمد آليّة معدّلة تجميليّة لاحتساب ميزان المدفوعات، يدرج ضمنه ما يملكه من سندات خزينة بالدولار ضمن هذا الميزان، رغم أنّها لا تشكّل فعليّاً أي تحويل مالي من الخارج. وحتّى مع احتساب هذه السندات، بلغ العجز وفقاً لآليّة مصرف لبنان 1.3 مليار دولار، مقارنةً مع 189.9 مليون دولار خلال الفترة ذاتها في السنة السابقة.

تضخّم العجز التجاري
عجز الميزان التجاري، الذي يمثّل الفارق بين الصادرات والواردات، لطالما مثّل خللاً بنيوياً أساسياً في طبيعة النموذج الإقتصادي اللبناني. لكنّ تضخّم هذا العجز في 2018 مثّل عامل ضغط إضافياً على أزمة ميزان المدفوعات، وشح التدفّقات الماليّة الخارجيّة. فعجز الميزان التجاري تضخّم حتّى شهر أيلول بنسبة 3.93 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، ليتجاوز عتبة الـ12.9 مليار دولار. ويبدو الخلل واضحاً في توازن الواردات والصادرات، فبينما إرتفعت الواردات بنسبة 4.8 في المئة لتبلغ 15.1 مليار دولار، لم تتجاوز صادرات لبنان خلال الفترة نفسها الـ2.2 مليار دولار.

القطاع المالي
في ظل كل هذه المؤشّرات السلبيّة كان من الطبيعي أن يتأثّر الوضع المالي. فالاحتياطات من العملات الأجنبيّة في مصرف لبنان مازالت كافيّة عند عتبة الـ34.62 مليار دولار، حسب ميزانيّة مصرف لبنان لغاية تشرين الأوّل الماضي. لكنّ هذه الإحتياطات إنخفضت عمليّاً من مستوى الـ36.77 مليار دولار أميركي خلال الفترة نفسها من العام الماضي. بمعنى آخر، تراجع مستوى هذه الإحتياطات خلال سنة بنسبة 5.85 في المئة.

الضغوط على القطاع المالي مستمرّة أيضاً لناحية الطلب على الدولار الأميركي. فخلال هذا العام استمرّ الإرتفاع في مستوى دولرة الودائع، أي نسبة الودائع بالدولار الأميركي، وهو ما يعكس مستوى الطلب على الدولار في السوق. فحتّى تشرين الأوّل الماضي، بلغت هذه النسبة 69.51 في المئة، مقارنة بـ67.27 في المئة، خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

 وبمعزل عن الضغوط النقديّة المتعلّقة بالطلب على الدولار والاحتياطات، طاولت آثار الأزمة أخيراً خلال 2018 مستوى الودائع في القطاع المصرفي. فحتّى تشرين الأوّل الماضي، بلغ مستوى ودائع القطاع الخاص 135.76 مليار دولار، أي أنّ نسبة الزيادة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي لم تتجاوز 1.38 في المئة. وإذا كانت نسبة الزيادة لهذه الودائع لا تتجاوز نسبة الفائدة المدفوعة على هذه الودائع، فهذا يعني أن حجم الودائع الفعلي تناقص ولم يرتفع.

البورصة والعقارات: الهبوط الأقسى
هذه التعقيدات وجدت طريقها للتأثير بمختلف أوجه الإقتصاد ومؤشّراته. فبورصة بيروت شهدت منذ نيسان الماضي الانخفاض الأقسى في قيمة أسهمها المتداولة، حيث انخفضت القيمة الإجماليّة لهذه الأسهم من 11.79 مليار دولار خلال شهر نيسان إلى 9.66 مليار دولار خلال شهر كانون الأوّل. وبالتالي تكون البورصة قد خسرت خلال تسع أشهر 18 في المئة من إجمالي قيمة الأسهم المتداولة فيها.

القطاع العقاري، الذي لطالما إستفاد من التدفّقات الخارجيّة، الباحثة عن الاستثمار الأسرع والأسهل قبل الأزمة، تفاقمت أزمته خلال هذا العام بالتحديد، وبالأخص مع توقّف القروض السكنيّة. فعدد رخص البناء الممنوحة منذ بداية العام ولغاية الشهر الماضي لم يتجاوز الـ12842 رخصة، بانخفاض تقارب نسبته الـ16 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. أمّا المساحة المبنيّة المرخصّة فانخفضت بنسبة 23.65 في المئة.

عجز الميزانيّة العامّة
وحتّى أيلول الماضي، بلغ العجز في الميزانيّة العامّة مستوى الـ4.51 مليار دولار، مقارنة بـ2 مليار دولار دولار في الفترة نفسها من العام السابق. وبالتالي فبدل تخفيض مستوى العجز، عملاً بالالتزامات التي قدّمها لبنان في مؤتمر سيدر، فنحن كنّا أمام تضاعف مستوى العجز على مستوى الماليّة العامّة. أمّا الدافع الأساسي لارتفاع هذا العجز بهذه الطريقة، فكان ارتفاع النفقات الحكوميّة بنسبة 24 في المئة خلال هذا العام.

التركة الثقيلة
هكذا، نكون عمليّاً أمام تركة اقتصاديّة ثقيلة لهذا العام. إذ يمكن القول أن هذا العام شهد أسوأ مراحل الأزمة الإقتصاديّة حتّى الآن. فإذا كان تراجع التدفّقات الماليّة الخارجيّة العامل المحرّك للأزمة في البداية، فالأكيد اليوم أنّ الأزمة نفسها بدأت تخلق مشكلة ثقة بكامل النموذج الاقتصادي القائم، وهو ما يفاقم بدوره مجدّداً مشكلة التدفّقات الماليّة نفسها.

وستكون الحكومة المقبلة، إذا وجدت طريقها للتأليف في بدايات العام المقبل، على موعد مع السؤال التقليدي التي واجهته السلطة منذ ظهور علامات التعثّر الإقتصادي. فهل ستعتمد خيار المعالجات التقليديّة القائمة على تأجيل عوارض متفرّقة من عوارض التعثّر؟ أم ستبادر إلى مراجعة النمط الاقتصادي السائد، بكافّة أوجهه للبحث عن مكامن الخلل البنيوي فيه؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها