آخر تحديث:00:15(بيروت)
الأربعاء 26/12/2018
share

سندات الخزينة وفوائدها: دوامة خدمة الدين العام تتفاقم

علي نور | الأربعاء 26/12/2018
شارك المقال :
سندات الخزينة وفوائدها: دوامة خدمة الدين العام تتفاقم على المسؤولين عن الوضع المالي، اجتراح خطّة متكاملة، لحل المشكلة البنيويّة (علي علّوش)
عادت وزارة الماليّة إلى إصدار سندات الخزينة اللبنانيّة بالليرة، إنما بعد رفع الفوائد المدفوعة عليها من 7.46 في المئة إلى 10.5 في المئة، عملاً بالإتفاق بين الوزارة ومصرف لبنان، الذي أنهى شهرين من توقّف الإكتتاب في سندات الخزينة. عمليّاً، سيعني هذا الإرتفاع زيادة بنسبة 41 في المئة بالفوائد، التي تدفعها الدولة على سندات الخزينة الجديدة التي تصدرها، وسيؤدّي تدريجيّاً إلى زيادة خدمة الدين العام، التي تستنزف أساساً نصف واردات الماليّة.

مصرف لبنان: دور الوسيط
تأتي هذه التطوّرات كنتيجة لمسار طويل، تشابكت فيه عوامل الأزمة القائمة في البلاد منذ فترة. فقبل تطوّر آثار الأزمة، مثّلت المصارف الخاصّة المشتري الأساسي لسندات الخزينة اللبنانيّة، حيث امتلكت وحدها لغاية نهاية 2014 أكثر من 51 في المئة من هذه السندات، مقابل حوالى 31 في المئة لصالح مصرف لبنان، بينما توزّعت النسبة الباقية على الدائنين الآخرين من مؤسسات دوليّة وغيرها. وفي الواقع، يمكن القول أنّ مصرف لبنان، بشرائه هذه السندات، يمثّل دور الوسيط في أغلب الأحيان، إذ يقوم بتوظيف أموال المصارف لديه، عبر شراء سندات الخزينة اللبنانيّة.

مع تطوّر آثار الأزمة، عمد مصرف لبنان إلى إطلاق هندسات وإجراءات إستثنائيّة، عرض من خلالها فوائد سخيّة مقابل توظيف سيولة القطاع المصرفي بالدولار عنده، لرفع إحتياطي العملة الأجنبيّة لديه. وبعدها عمد إلى إمتصاص السيولة بالليرة، بالطريقة نفسها، لتفادي تحوّلها إلى ضغط بإتجاه شراء الدولار. وهنا، لم يعد من مصلحة المصارف توظيف سيولتها بشكل مباشر في سندات الخزينة، بالنظر إلى الأرباح السخيّة التي تحققها من توظيفاتها مع المصرف المركزي. وهكذا، إرتفعت ودائع المصارف لدى المصرف المركزي من 65.3 مليار دولار في بداية 2015 إلى 113 مليار دولار لغاية تشرين الأوّل الماضي.

ولتعويض هذا النقص في تمويل الدين العام وشراء سندات الخزينة، قام مصرف لبنان بلعب دور الوسيط، عبر توظيف أمواله بشراء السندات بنفسه. فتناقصت حصة المصارف من سندات الخزينة إلى 36 في المئة حتّى حزيران الماضي، مقابل إرتفاع حصّة مصرف لبنان لغاية 48 في المئة. وفي إكتتابات الفصل الثاني من هذا العام، اشترى مصرف لبنان وحده 58 في المئة من هذه السندات. وبين الفوائد المرتفعة التي كان يتم دفعها لتوظيفات المصارف في مصرف لبنان، والفوائد الأقل التي كان ينالها المصرف المركزي، مقابل توظيف جزء من هذه الأموال في عمليات شراء سندات الخزينة، كان مصرف لبنان يتحمّل فرق الفوائد كخسائر في الميزانيّة طوال السنوات الماضية.

مصرف لبنان ينسحب
منذ شهرين قرر المصرف المركزي الخروج من هذا الدور، الذي كان يكلّف ميزانيّاته فرق الفائدة، فتوقّف الإكتتاب في سندات الخزينة، حتّى يتم التوصّل إلى إتفاق بديل مع وزارة الماليّة. أمّا المصارف فلم يكن لها مصلحة بالإكتتاب بفوائد السندات المنخفضة، مقارنة بفوائد توظيفاتها مع مصرف لبنان. وهكذا لم يكن هناك من حل سوى تحميل الماليّة العامّة فرق الفائدة والكلفة، عبر رفع فوائد سندات الخزينة، لدفع المصارف إلى الإكتتاب بهذه السندات، وتم الإتفاق على هذا النحو بين وزارة الماليّة ومصرف لبنان.

هذا المسار، يعني بإختصار، أنّ رفع الفوائد والأرباح في الفترة الماضية على التوظيفات مع المصرف المركزي للتحكّم بالسيولة، وإمتصاصها، والتعامل مع الأزمة، طالت آثارها أخيراً الدين العام وكلفته. فهذه الإجراءات فرضت أخيراً رفع نسبة الفائدة على سندات الخزينة بشكل موازٍ، بعد أن جرى تحييدها خلال السنوات الماضية عبر شراء مصرف لبنان لسندات الخزينة.

كيف تتأثّر كلفة خدمة الدين
الإتفاق الجديد سيطال سندات الخزينة الجديدة، التي يتم الإكتتاب بها، من دون المس بفوائد السندات الصادرة قبل هذا الإتفاق. وبالتالي، سيطال أوّلاً ما قيمته 1,200 مليار ليرة من سندات الخزينة الجديدة، التي تم الإكتتاب بها بعد الإتفاق. وبالإضافة إلى الدين العام، المخصص لتغطية العجز السنوي في الميزانيّة، فثمّة جزء من الدين العام القائم سيستحق خلال الفترة المقبلة، وسيقتضي إعادة تمويله إصدار سندات جديدة وفقاً للشروط الجديدة. عمليّاً ستشمل هذه العمليّة خلال 2019 ما قيمته 2.9 مليار دولار من سندات اليوروبوند (بالدولار)، و2.1 مليار من الفوائد المستحقّة عليها، بالإضافة إلى 11 ألف مليار ليرة من السندات بالليرة اللبنانيّة و3.9 ألف مليار ليرة من الفوائد المستحقّة عليها.

ومع إستحقاق جزء إضافي من الدين العام كل عام، سيُعاد تمويله عبر الشروط الجديدة. ومن الواضح أنّ ارتفاع الفائدة على هذا النحو، سيؤدّي على المدى الأطول وتدريجيّاً، إلى رفع خدمة الدين بنسبة مماثلة. أمّا الأثر الفعلي فسيبرز في زيادة حصّة خدمة الدين في الميزانيّة العامّة، وتراجع قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسيّة ضمن هذه الميزانيّة. ومع تزايد العجز الناتج عن إرتفاع خدمة الدين، سيكون من الطبيعي تسارع زيادة الدين العام في المستقبل.

كان من المتوقّع أن تطال الأزمة، أخيراً، كلفة تمويل وإعادة تمويل الدين العام بهذه الطريقة، خصوصاً أنّ خدمة الدين مرتبطة حكماً ببنية الفوائد في السوق. لكنّ السؤال يبقى اليوم عن إمكانيّة خروج المسؤولين عن الوضع النقدي والمالي، بخطّة متكاملة، للتعاطي مع جذور المشكلة البنيويّة القائمة، بدل العمل كل مرّة على تأخير أو تحييد جزء من تبعات هذه المشكلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها