آخر تحديث:00:39(بيروت)
الجمعة 09/11/2018
share

التنمية العربية المستدامة في فخّ الاقتراض ومصيدة الديون

خضر حسان | الجمعة 09/11/2018
شارك المقال :
  • 0

التنمية العربية المستدامة في فخّ الاقتراض ومصيدة الديون المنطقة العربية تحتاج الى 230 مليار دولار سنوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (عباس سلمان)

تعتبر التنمية المستدامة من أبرز العناوين المرفوعة عالمياً. وقد أطلقت لأجلها في العام 2015 "خطة التنمية المستدامة لعام 2030"، التي بدأ تطبيقها في أول كانون الثاني من العام 2016. وتتضمن 17 هدفاً، هي القضاء على الفقر، القضاء التام على الجوع، الصحة الجيدة والرفاه، التعليم الجيد، المساواة بين الجنسين، المياه النظيفة والنظافة الصحية، طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، العمل اللائق ونمو الإقتصاد، الصناعة والإبتكارات والهياكل الأساسية، الحد من أوجه عدم المساواة، مدن ومجتمعات محلية مستدامة، الإستهلاك والإنتاج المسؤولان، العمل المناخي، الحياة تحت الماء، الحياة في البر، السلام والعدل والمؤسسات القوية، بالإضافة إلى عقد الشراكات لتحقيق الأهداف. وعلى هَديها أطلق المنتدى العربي للبيئة والتنمية، في بيروت، يوم الخميس 8 تشرين الثاني، مؤتمره السنوي الحادي عشر، والذي يتطرق لموضوع تمويل إحتياجات التنمية المستدامة في البلدان العربية.


الأرقام تتكلّم

في محاولة للإلتزام بخطة التنمية المستدامة، ساعد العرب بعضهم البعض من خلال تقديم 13 مليار دولار في العام 2016. وقدّمت صناديق التنمية العربية 204 مليار دولار حتى نهاية العام 2017. يضاف إليها 22 مليار دولار دُفعت في العام 2016، كمساعدات مقدمة للدول العربية من مصادر خارجية.

وعلى الرغم من المساعدات العربية، انخفضت تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر إلى المنطقة العربية من 88 مليار دولار في العام 2008، إلى 32 مليار دولار في العام 2016.

لا يُستغرب هذا الإنخفاض حين يسجّل التقرير السنوي للمنتدى أن "أحد التحديات التي تواجه العديد من الدول العربية، هو التدفقات المالية غير المشروعة وغسيل الأموال وسرقة الأموال العامة وهدرها". في حين أن إرادة الحكومات العربية في مجال مكافحة الفساد يمكن أن يوفّر لها "ما يصل إلى 100 مليار دولار سنوياً، أي ما يكفي لسد معظم الفجوة المالية في الإستثمارات اللازمة لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة".


الصراعات والحروب
ويأتي الحديث عن واقع الهدر والفساد في العالم العربي، في وقت "يهيمن الفقر على 100 مليون عربي. معدل البطالة تجاوز 15 في المئة من نسبة السكان. 30 في المئة من العاطلين عن العمل هم من الشباب"، حسب ما يقوله الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية نجيب صعب، الذي يشير إلى أن "الاقتصادات العربية، وفق هيكليتها الحالية، لن تتمكن من خلق 50 مليون وظيفة جديدة يُتوقع أن تكون مطلوبة بحلول سنة 2022".

أما رئيس مجلس الأمناء في المنتدى العربي للبيئة والتنمية عدنان بدران، فيرى أن "المنطقة العربية تحتاج إلى 230 مليار دولار سنوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. والفجوة التمويلية للدول العربية التي تعاني عجزاً مالياً، تصل إلى 100 مليار دولار (أي 1.5 تريليون دولار حتى العام 2030). وهذا يتطلّب تحويل جزء من تمويل المشاريع التقليدية إلى مشاريع التنمية المستدامة، وهذا يمكن تحقيقه إذا أنهينا الصراعات والحروب في المنطقة التي تجاوزت خسارة العرب فيها 900 مليار دولار منذ نشوبها عام 2011".

السنيورة يدعو للإقتراض
إلتزم لبنان بخطة التنمية المستدامة لعام 2030، لكنه منذ بدء تطبيق الخطة حتى اليوم، يعترف مسؤولوه بالعجز أمام الأزمات التي تعيشها البلاد، على مستوى القطاعات الإنتاجية والموارد الطبيعية، فضلاً عن الأزمات السياسية والإقتصادية. ووثّق رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، الأزمة التي تعيشها الدول العربية في مجال الإستفادة من الموارد الطبيعية، وبخاصة في مجالات الطاقة والمياه والغذاء، والواقع المتردّي لتلك الثلاثية، يدل على "مدى الحاجة الماسة لتوفير الطاقات والموارد المادية اللازمة".

وفي إشارته إلى أزمة المياه العذبة في العالم العربي، أكد السنيورة الذي مثّل رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، في المؤتمر، على أن "ما يزيد عن 56 في المئة من مصادر المياه العذبة، تأتي من مصادر عابرة للحدود الدولية. وهذا ما يشكل عقبة كأداء في قدرة الدول العربية المعنية على بسط سلطتها والتحكم الحر في مصدر أساسي من مصادر الحياة".

لكن السنيورة لم يلتفت إلى أن مصادر المياه العذبة في لبنان تنبع كلّها من داخل حدوده الجغرافية، ومع ذلك تُهدر وتلوّث ولا يتم التعاطي معها إنطلاقاً من مضامين الخطابات الرنانة التي تُتلى في مؤتمرات البيئة والتنمية وغيرها. وأن غياب الحكومات المتعاقبة، ومنها حكومته، عن معالجة الهدر، يتناقض مع تبنّي لبنان لخطة التنمية المستدامة.

أمّا الحل وفق السنيورة، فلا يمكن الوصول إليه "من دون الإقدام على إعتماد إصلاحات أساسية وجذرية في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والإدارية للتلاؤم مع المتغيرات، وبما يستنهض دور القطاع الخاص ويرفع من مستويات الإنتاجية والتنافسية في الإقتصاد الوطني". وهذا الإستنهاض، يشمل "التعاون مع القطاع المصرفي المحلي والدولي من أجل تدبير وتأمين الإستثمارات الضخمة المطلوبة"، أي بتعبير أبسط، الإقتراض لتمويل مشاريع تنمية، يقرّ المعنيون بها أنها لن تتحقق في ظل واقع عربي ينخره هدر المال العام والفساد.

ثقافة القروض
أرقام كثيرة تُسجّل في الأبحاث التي تجريها المنظّمات والجهات الدولية والعربية والمحليّة، حول الفقر والبطالة والحروب والتنمية والبيئة وغير ذلك، والتي تهدف نظرياً إلى تطوير واقع الإنسان على هذا الكوكب. وإذا كانت الأرقام عبارة عن مؤشرات لمعرفة حجم المشكلات، إلاّ أن الخطوات الإجرائية نحو الحلول، مرهونة بالتبنّي الجدّي لتلك الحلول من قبل الحكومات التي تغفل عن الإصلاحات، ما يجعل الأرقام أدلّة على عقم الأنظمة السياسية العربية كافة، والتي - إن تبنّت الإصلاح في ملف ما - تلجأ إلى الإقتراض، وبالتالي إلى مراكمة الأزمات على خزينتها العامة وعلى جيوب المواطنين.

كما أن الحديث عن التنمية المستدامة في العالم العربي مازال حلماً بعيد المنال، تستخدمه الدول الكبرى كمطلب حق يراد به باطل، وهو إغراق الدول العربية في المزيد من الأزمات، لدفعها إلى الإقتراض، الذي سيُطلَب حتماً من الدول الكبرى. وهذا الأمر يرتّب ديوناً على الحكومات العربية، التي ستنشغل حينها بكيفية سداد القروض، وستتجاهل تطبيق أهداف التنمية المستدامة التي لن يؤمّن الإلتزام بها مردوداً مالياً يسد الديون.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها