آخر تحديث:00:29(بيروت)
السبت 03/11/2018
share

مافيا الفوضى ستحصر لبنان بزجاجة مياه نظيفة

خضر حسان | السبت 03/11/2018
شارك المقال :
  • 0

مافيا الفوضى ستحصر لبنان بزجاجة مياه نظيفة إستقالة الدولة من واجباتها دفع اللبنانيين الى الإعتماد على مصادر خاصة لتأمين المياه (مصطفى جمال الدين)

إستقالة الدولة، بكل أحزابها الحاكمة، من مسؤولياتها تجاه قضايا الناس الحياتية، أفرزت قطاعات جديدة تسيطر هي على الدولة، لا العكس، لأنها تقدّم ما عجزت الدولة عن تقديمه لمواطنيها.

لا نتحدث عن مسائل هامشية ولا عن امتيازات ترف وكماليات، بل عن بنود أساسية ومواد حيوية. نقصد أكثرها أهمية وإلحاحاً: المياه.

 قطاع المياه هو جوهري واستراتيجي في بقاء المجتمعات ودولها. لكن دولتنا "المستقيلة" يبدو أنها غارقة في رمال الغفلة على الأرجح.

 

آبار عشوائية

 صهاريج المياه المتنقّلة بين أحياء العاصمة بيروت، متفلّتة من الرقابة، إلاّ من بعض الزيارات الموسمية التي تقوم بها وزارة الصحة، للتأكد من مطابقة المياه للمواصفات والشروط الصحية. والزيارات تلك لها مساحتها وحدودها، فهي غريبة عن بعض المناطق، التي لها أحزابها وقانونها الخاص، والضاحية الجنوبية لبيروت مثال على ذلك (تذكّروا فضيحة البراز البشري في مياه حارة حريك).


غياب التخطيط والمراقبة الجدية، دفع بالكثير من اللبنانيين اضطراراً إلى حفر آبار مياه عشوائية، وبيع مياه الخدمة والشرب للمواطنين. فيما البعض الآخر، فقد فضّل شراء المياه من المناطق الجبلية المرتفعة، إلتماساً للنظافة وتفادي التلوث، على أنّ تلك الخطوة الذكية، سرعان ما تلاشت مفاعيلها مع تخزين المياه في أماكن غير صالحة للتخزين، حيث تصبح المياه عرضة للتلوث، وتتآلف مع مثيلاتها المستخرجة من الآبار.


سرقة الدولة

وإذا كان أصحاب الخيارين السابقين يدفعون أكلافاً مادية في سبيل البدء بالمشروع، إلاّ ان فئة ثالثة قررت تخفيف الكلفة عن كاهلها، والإستفادة من الغطاء الحزبي والسياسي، وسرقة مياه الدولة التي تأتي الى الأحياء السكنية عبر أنابيب تابعة لمصالح المياه. إذ يقوم أبناء تلك الفئة بتركيب مولّدات صغيرة على أنابيب مياه الدولة، لشفط المياه التي توضع لاحقاً في غالونات، وتباع في السوق.

النماذج الثلاث يفترض بها الخضوع لرقابة الدولة. لكن أي جهاز سيراقب؟.

تتوزع المسؤولية حول قطاع المياه بين ثلاث جهات، مصالح المياه المفترض بها تأمين مياه الشرب، التي تعتبر خدمة ضرورية وبديهية تقدمها الدولة للناس، ووزارة الطاقة والمياه، التي يقتضي دورها تطوير الموارد المائية، عبر وسائل عديدة منها بناء البرك والسدود، وذلك تسهيلاً لدور مصالح المياه. ولأن قطاع بيع المياه من قبل أفراد ومؤسسات خاصة، بات قطاعاً مستجداً، وجب على وزارة الصحة كطرف ثالث، مراقبة شروط حفظ وتوزيع تلك المياه، بوصفها منتجاً ضرورية لحياة الناس. 

مصالح المياه كانت تلعب دورها الصحيح والطبيعي قبل الحرب الأهلية التي انفجرت في العام 1975. وبعد الحرب، نسيت الدولة مهامها، ونسي اللبنانيون حقوقهم، وانصرفوا لتأمين إحتياجاتهم من القطاع الخاص، ومن الجهات التي تملك القوة والقدرة على تأمين المياه، بغض النظر عن شرعيتها القانونية. علماً أن هذا الواقع أفرز أيضاً شركات خاصة تم ترخيصها رسمياً، مثل شركات صحة وتنورين ونستلة...على سبيل المثال لا الحصر.

إهمال متعمّد
وزارة الطاقة والمياه صبّت إهتمامها على قطاع الكهرباء، وباتت تبحث عن وسائل تؤمّن الربح الشخصي للفريق المسيطر على القطاع، عن طريق التوظيف السياسي والمشاريع التي تهدر المال العام، ومنها مشروع بواخر الطاقة وشركات مقدمي الخدمات. فضلاً عن إستنزاف المعامل البريّة. أما المياه، فأسقطت من حسابات الوزارة، ما خلا بعض مشاريع السدود التي تفتقر الى الدراسة والتخطيط العلمي. أما وزارة الصحة، فلا تختلف عن الطاقة إلاّ ببعض إجراءات الرقابة السطحية.

هو إهمالٌ لقطاع المياه إذاً. إهمال مقصود وهدفه إسقاط مرفق المياه لصالح الشركات الخاصة، ومنها الشركات الأجنبية التي تسأل دائماً عن آفاق الإستثمار في مياه الشرب. وهنا، لا يمكن فصل تطلعات الشركات الأجنبية في مجال المياه عن تطلعاتها في مجالات أخرى، فتلك الشركات تحاول الإستثمار في كل المجالات، وتضغط سياسياً لأجل إقرار سياسات داخلية تسهّل الطريق أمامها للإستثمار، على حساب إنتفاع الدولة من مواردها.

وإذا كان الإستثمار الأجنبي في مياه الشرب اللبنانية مازال ضئيلاً وخاضعاً لمبدأ ضرورة ملاءمة الأسعار مع القدرة الشرائية المنخفضة للمواطنين، إلاّ ان إرتفاع نسبة تلوث المياه، قد يدفع اللبنانيين مستقبلاً الى شراء المياه مهما ارتفع سعرها، وحينها يصبح الإستثمار الأجنبي مربحاً لأصحابه.

في المحصّلة، تفلّت قطاع المياه من أي رقابة فعلية. ولا يستطيع أحد حصر أعداد صهاريج المياه أو مراكز البيع. ويحصل ذلك في ظل غياب الإحصاءات الرسمية حول منسوب وحجم المياه الجوفية. وهذا ما سيفيد شركات المياه الكبرى التي ستحصر بلادنا بزجاجة مياه نظيفة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها