آخر تحديث:01:17(بيروت)
الإثنين 16/01/2017
share

لبنان متقدم في اللاعدالة الاجتماعية

البروفيسور جاسم عجاقة | الإثنين 16/01/2017
شارك المقال :
لبنان متقدم في اللاعدالة الاجتماعية ٠.٣٪ من الشعب اللبناني تمتلك نحو ٥٠٪ من ثرواته (أ ف ب)

في مقابل الآمال المعقودة على العهد الجديد في ما يخص الثروة النفطية وتداعياتها على الصعيدين الإقتصادي والاجتماعي، يبقى السؤال عن كيفية إنسحاب تداعيات هذه الثروة على هذه الأصعدة، في ظل إنعدام العدالة الاجتماعية وتآكل الماكينة الإقتصادية.

عدد قليل من المعلومات متوافر عن الوضع الاجتماعي في لبنان. وتأتي هذه المعلومات في معظمها من منظمات ومؤسسات أجنبية، ليكون اعتماد المحللين الاجتماعيين والإقتصادين بالدرجة الأولى عليها.

الخلل في العدالة الاجتماعية في لبنان أمر معروف من المسؤولين بمختلف إنتماءاتهم السياسية، لكن لا يوجد أرقام توصف هذا الخلل. بالتالي، المطلوب من الحكومة اليوم قبل كل شيء البدء بجردة كاملة للواقع الاجتماعي والإقتصادي بأبعاده كلها، بهدف توجيه دقيق للسياسة الإقتصادية التي ستتبعها الحكومات.

المعروف أن الأطراف تُعاني من فقر كبير ناتج من غياب النشاطات الإقتصادية التي تسمحّ بانعاش المناطق وخلق دينامية اجتماعية تسمح بتطوير حياة المواطن اليومية.

مئات ألوف اللبنانيين هاجروا من لبنان على مرّ التاريخ، والسبب الرئيس كان الأوضاع الإقتصادية. ووفق دراسة أعدتها الجامعة الأميركية في بيروت، في العام ٢٠٠٨، هناك ٢٨٪ من الشعب يعيشون في الفقر. وإذا ما أضفنا إلى هذا الرقم ١٧٠ ألف عائلة من الطبقة الوسطى انتقلت إلى الطبقة الفقيرة (وفق تقرير البنك الدولي ٢٠١٣)، نرى أن هذا الرقم يُصبح فوق ٣٠٪ لتزيد معه رغبة اللبناني في الهجرة إلى الجنّات الموعودة (دول الخليج أو الدول الغربية).

المُشكلة التي تُطرح قبل كل شيء، هي مُشكلة العدالة الاجتماعية. وهذه الأخيرة لا تعني توزيع الأموال على المواطنين، بل إن على الحكومة توفير الفرص كي يكون لكل شخص حقّه في جني لقمة عيشه والعيش بكرامة ضمن الأطر التي تفرضها شرعة حقوق الإنسان.

٢٥٪ من الأسر في كل من عكّار، الهرمل والجنوب (منطقة بنت جبيل)، يعيشون بمدخول أقل من ٣٢٠ دولاراً أميركياً في الشهر، مقارنة مع ٥٪ في منطقة بيروت وجبل لبنان. ما يعني أن النشاط الاقتصادي الذي يُعتبر مدخلاً للانماء الاجتماعي مفقود في هذه المناطق.


ونسبة الفقر في بعض المناطق تأخذ منحى خطيراً. فمثلاً، في بعض مناطق عكار هناك ٢٠٪ من السكّان يعيشون بأقل من ٤٠ دولاراً أميركياً في الشهر (أي أقل من ١.٣٣ د.أ. في اليوم للشخص الواحد!).

وإذا كانت هذه الأرقام مبنية على دراسات متفرّقة، فإن مصرف الاعتماد السويسري (Credit Suisse) قام بدراسة شاملة في العام ٢٠١٦ لمعرفة توزيع الثروات في لبنان وكانت النتائج كارثية. ففي تقريره السنوي على الثروة العالمية، يقول المصرف إن ثروة لبنان هي ٩٤ مليار دولار أميركي موزعة على ٤.٤٤٢ مليون شخص، ولكن بشكل غير متوازٍ. فوفق التقرير، ٩٢١٣ شخصاً يمتلكون ٤٨٪ من الثروة الوطنية اللبنانية (أو ما يوازي ٤٥ مليار دولار أميركي). وهذا يعني أن نسبة ٠.٣٪ من الشعب اللبناني تمتلك نحو ٥٠٪ من ثرواته.

اعتماد المصرف السويسري هو، أولاً، على مؤشر GINI الذي يقيس التباعد في توزيع الثروات في بلد مُعين. وإذا ما كانت قيمة هذا المؤشّر صفراً، فهذا يعني أن هناك توزيعاً عادلاً للثروات. أما إذا بلغت قيمته ١٠٠، فهذا يعني أن هناك توزيعاً غير عادل على الإطلاق لهذه الثروات.

الأمم المُتحدة التي تُعني بإصدار المؤشرات عن التطور الاجتماعي في العالم لا تملك أرقاماً عن مؤشر GINI بل عن مؤشر HDI. بالتالي، قام المصرف السويسري بتخمين مؤشر GINI للبنان بـ٨٦.١، أي أن لبنان في العام ٢٠١٦ كان في المرتبة ١٥ عالمياً من ناحية اللاعدالة في توزيع الثروات.

من ناحية مؤشر التطور الإنساني HDI، تُشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن لبنان يحتل المرتبة ٦٧ على ١٨٨ دولة من ناحية مستوى التطور الإنساني في المجتمعات. هذا المؤشر هو المعدل الهندسي (Geometric Mean) لثلاثة مؤشرات: مؤشر صحي، مؤشر تربوي، مؤشر إقتصادي.


هذه المؤشرات تعكس تلبية الحاجات التي حدّدها أبراهام ماسلو في هرمه الشهير: الحاجات الفسيولوجية، حاجات الأمان، الحاجات الاجتماعية، حاجات التقدير، وحاجات تحقيق الذات.

أرقام HDI، تُشير إلى أن التطور الاجتماعي في المجتمع الإسرائيلي أفضل مما هو في لبنان. والسبب يكمن في هيكلية الاقتصاد الإسرائيلي الذي، رغم العيوب التي تشوبه، يبقى أفضل من الاقتصاد اللبناني. وهذا إن دّل على شيء فعلى غياب السياسات الإقتصادية والاجتماعية في لبنان على مرّ العهود الماضية. في الواقع، التاريخ يُخبرنا أن عهد الرئيس فؤاد شهاب كان العهد الوحيد الذي شمل إصلاحات وتغييرات اجتماعية واقتصادية مهمّة للبنان.

من هذا المنطلق، يتوجب على الحكومة اللبنانية الاستفادة من عصر النفط والغاز بهدف وضع خطّة اقتصادية تسمح بخلق ماكينة اقتصادية قوية تستطيع أن تؤمن للبناني حاجاته كما نصّ عليها أبراهام ماسلو. ما يعني أنه يتوجبّ خلق منظومة اقتصادية واجتماعية تواكب عصر النفط والغاز وليس انتظار استخراجهما للبدء باصلاحات اقتصادية ورسم سياسات اجتماعية. لأن العكس يعني أن الشرخ الاجتماعي سيزيد بشكل حاد إلى درجة سيكون هناك ثورة اجتماعية يقوم بها ثلث الشعب اللبناني.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها