آخر تحديث:09:40(بيروت)
الأحد 17/07/2016
share

كيف تُنفق الدولة اللبنانية أموالها؟

البروفيسور جاسم عجاقة | الأحد 17/07/2016
شارك المقال :
كيف تُنفق الدولة اللبنانية أموالها؟ الإستمرار بهذه السياسات المالية يُوصلنا إلى الإفلاس (علي علوش)
مع العجز المزمن الذي يطال الموازنة العامة والزيادة الهائلة بالدين العام، يسأل المواطن اللبناني أين تُصرف أموال الدولة اللبنانية. هذا السؤال يطرح مشكلتين، الأولى ماهية الصرف، والثانية الهدر والفساد اللذين يطالان الإنفاق.

بلغ إجمالي إنفاق الدولة اللبنانية (موازنة+ خزينة) 20030 مليار ليرة، في العام2015، أي ما يوازي 13.6 مليار دولار، مقارنة بإيرادات إجمالية (موازنة+ خزينة) قدرها 14435 مليار ليرة. وبالتالي، فإن عجز الموازنة في العام 2015 بلغ 3.97 مليار دولار مقارنة بـ3.09 مليار دولار في العام 2014، و4.24 في العام 2013، و2.94 في العام 2008.

وتُشير البيانات التاريخية إلى أنه منذ العام 2004، تُسجّل الموازنة عجزاً متواصلاً أدى إلى زيادة الدين العام من 38 مليار دولار في العام 2005 إلى 71 مليار دولار في العام 2015. والجدير ذكره أنه خلال هذه الفترة، لم تنجح الحكومات ولا مجلس النواب بالتصويت على موازنة. وبالتالي، يتمّ الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية، أي أنه يتوجب على الحكومة أخذ موازنة العام 2005 (آخر موازنة تمّ التصويت عليها) وتقسيمها إلى 12 شهر والصرف على هذا الأساس. إلا أن النظر إلى أرقام الإنفاق يؤدي إلى الإستنتاج أن حجم الإنفاق الحالي يفوق بكثير حجم الإنفاق في العام 2005. وبالتالي، هناك عدم إحترام لمبدأ الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية.

العجز في الموازنة يعني أن الإنفاق يفوق الإيرادات. وهذا الأمر ليس بالسيء بالمطلق، إذا ما كان الإنفاق إستثمارياً يسمح بتحفيز النمو الإقتصادي. إلا أن البيانات التاريخية تُظهر أن الإنفاق في لبنان هو في معظمه إنفاق جارٍ (أكثر من 90% من مجمل الإنفاق). ويأتي بند "الأجور والتعويضات والتقاعد" في المرتبة من ناحية الإنفاق مع 7080 مليار ليرة مقارنة بـ3970 مليار ليرة في العام 2007. ونستنتج أن سياسة التوظيف في الدولة اللبنانية هي سياسة غير حكيمة مع توظيف يفوق قدرة الخزينة على التحمّل من ناحية أن على الدولة أن تستدين لدفع الإجور لموظفيها.

ويأتي بند "خدمة الدين العام" في المرتبة الثانية مع 7050 مليار ليرة في العام 2015 مقارنة بـ5304 مليار ليرة في العام 2008. وهذه الأرقام تُظهر الكمّ الهائل الذي تصرفه الدولة على خدمة دينها العام (34.6% من مجمل الإنفاق). وتدلّ على بدء فقدان السيطرة على الدين العام الذي ارتفعت خدمته 1.16 مليار دولار بظرف 7 سنوات.

المرتبة الثالثة يحتلها بند "دعم مؤسسة كهرباء لبنان" مع 1711 مليار ليرة في العام 2015 مقارنة بـ3157 مليار ليرة في العام 2014 و2430 مليار ليرة في العام 2008. هذا الإنخفاض في العام 2015 أتى نتيجة إنخفاض أسعار النفط العالمية التي سمحت بتوفير ما لا يقلّ عن مليار دولار.

أما "النفقات التشغيلية" فقد احتلت المرتبة الثالثة في العام 2015 والمرتبة الرابعة في الأعوام السابقة مع 1762 مليار ليرة في العام 2015 مقارنة بـ1.365 مليار ليرة في العام 2008. وهذا البند شهد إنخفاضاً في العام 2015 نسبة إلى العام 2014 بقيمة 276 مليار ليرة، نتيجة السياسة التقشفية التي اعتمدها وزير المال في العامين 2014 و2015.

أما المرتبة الخامسة فهي من نصيب بند "نفقات الخزينة والنفقات الأخرى" مع 1902 مليار ليرة في العام 2015 مقارنة بـ1374 مليار ليرة في العام 2008.


ويأتي في المرتبة الأخيرة بند "النفقات الإستثمارية" مع 888 مليار ليرة مقارنة بـ 514 مليار ليرة في العام 2008 ليحتل بذلك الإنفاق الجاري أكثر من 95% من مجمل الإنفاق العام.

لكن الأصعب في الأمر هو أن إجمالي الإيرادات يكفي لتغطية بندي "خدمة الدين العام" و"الأجور والتعويضات والتقاعد" فقط. والسبب يعود بالدرجة الأولى إلى إزدياد هذين البندين إضافة إلى تراجع إيرادات الدولة نتيجة الوضع الإقتصادي (الضرائب على النشاط الاقتصادي بالدرجة الأولى) ونتيجة دخول إتفاقية التبادل التجاري مع أوروبا حيز التنفيذ في آذار 2015 والذي حرم خزينة الدولة من قسم كبير كما نلحظه على الرسم.

هذا الواقع كارثي، وإذا كانت الحكومة على لسان بعض الوزراء لم تلحظ هذا الأمر، فالمشكلة أكبر، لأن الإستمرار على هذا النحو يُوصلنا إلى الإفلاس. ومن لا يعلم معنى الإفلاس، يكفي أن يراقب ما يحصل في اليونان أو الأرجنتين ليفهم ما سيُعانيه الشعب اللبناني، إذا ما وصل إلى هذه المرحلة.

وبالتالي، يتوجب على الحكومة اللبنانية أن تعمد إلى عدد من الخطوات الأساسية التي من خلالها قد نتمكن من إعادة السيطرة على المالية العامة:

أولاً: إقرار مشروع الموازنة على حاله كما تقدم به وزير المال رغم التحفظات التي تطال المشروع. فوجود موازنة أفضل بألف مرّة من عدم وجودها، خصوصاً أن الإنفاق على أساس فتح الإعتمادات كما هو معمول زاد الدين العام إلى الضعف في فترة عشرة أعوام.

ثانياً: البدء بإصدار قطع حساب عن كل سنة ماضية في مواعيدها الدستورية لمعرفة مكامن الهدر والفساد. ما يعني أن على ديوان المُحاسبة أن يكون أكثر فعالية ويُظهر الحقائق أمام الرأي العام اللبناني.

ثالثاً: بدء العمل على خطة تسمح بتحفيز النمو الإقتصادي الذي وحد قادر على إمتصاص العجز. وبغياب هذا النمو ستضل خدمة الدين العام تتزايد إلى مراحل يصعب من بعدها العيش بسلام اجتماعي. ولمن يظن أن الغاز المنوى إستخراجه سيكون الحلّ لمُشكلة المالية العامة نقول أن إطفاء الدين العام بمداخيل النفط يعني بكل بساطة "حرق الغاز مقابل الشواطئ اللبنانية".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها