إهمال البلديات.. سبب أساسي في فساد الغذاء

داليا نونالأربعاء 2014/12/17
C:\Users\Rainbow10\Desktop\201407\20140717\مطعم موتو في الجميزة\2.jpg
البلديات هي الغائب الأكبر عن قضية السلامة الغذائية كونها تتمتع بسلطة الرقابة على المؤسسات الواقعة ضمن نطاق صلاحياتها (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

لم يعد الفساد ملفاً عابراً يحتل إلى حين الشاشات وصفحات الجرائد والأحاديث العامة والخاصة قبل أن يخرج من التداول فجأة، ويتوقف الإعلام عن متابعته كأنه لم يكن، كما كل الفقاعات الإعلامية التي اعتاد عليها اللبنانيون.

هذه المرة يبدو أن وزارة الصحة حريصة على متابعة ملف السلامة الغذائية إلى النهاية، وقد سلّطت المؤتمرات الصحافية المتتالية لوزير الصحة وائل أبو فاعور، ولاحقاً لبقية الوزراء المعنيين، الضوء، ولو بشكل غير مباشر، على تقصير وزارات الصحة والزراعة والصناعة في ملف الفساد الغذائي، وكذلك تقصير جهات أخرى معنية بهذا الملف، مثل مصلحة حماية المستهلك التابعة لوزارة الإقتصاد، والبلديات وغيرها.

ولعلّ البلديات هي الغائب الأكبر عن قضية السلامة الغذائية كونها تتمتع بسلطة الرقابة على مختلف المؤسسات الواقعة ضمن نطاق صلاحياتها- الأضيق بطبيعة الحال من الوزارات- وقد أناط بها القانون صلاحية الرقابة وتطبيق الأنظمة المرعية الإجراء والمقاييس والشروط وفق المرسوم الاشتراعي رقم 118 سنة 1977 وتعديلاته.

وتنص المادة 49 من القانون البلدي على أن يتولى المجلس البلدي، من دون أن يكون ذلك على سبيل الحصر، البرامج العامة للأشغال والتجميل والتنظيفات والشؤون الصحية ولمشاريع المياه والإنارة. ويجب على البلديات المحافظة على الراحة والسلامة والصحة العامة بشرط أن لا تتعرض للصلاحيات التي تمنحها القوانين والأنظمة لدوائر الأمن في الدولة.

كما يحق للرئيس التنفيذي- الذي يتولى صلاحياته في البلدات رئيس البلدية، وفي بيروت المحافظ - الرقابة على كل ما يختص بحماية صحة الأفراد والصحة العامة كالمراقبة الصحية على أماكن الاجتماعات، الفنادق، "البنسيونات"، منازل البغاء، المقاهي، المطاعم، الأفران، حوانيت اللحامين والسمانين والحلاقين..

وبشكل عام يحق للرئيس التنفيذي الرقابة على جميع الأماكن التي تتعاطى تجارة أو صناعة المأكولات أو المشروبات، والرقابة الصحية على الأشخاص المرتبطين بأي صفة كانت بهذه المحلات.

ومن باب أولى كان يجب أن نحضر مؤتمرات صحافية لرؤساء البلديات بشأن سلامة الغذاء.. وكان على البلديات القيام بواجباتها في هذا الشأن في ظل التراجع الذي طال عمل مؤسسات الدولة، وذلك عبر الاهتمام بصحة مواطنيها وسائر شؤونهم الخدماتية التي تقع في صلب اختصاصاتها، والتي هي في الواقع أحد أسباب إنشاء البلديات بغية تحميلها جزءا من المسؤوليات المنوطة بالسلطات المركزية.

وربما كانت بلدية جبيل بين أولى البلديات التي منحت هذا الشق من واجباتها اهتماماً خاصاً يبدأ بالاستجابة السريعة لأي سؤال او استفهام في شأن السلامة الغذائية وغيرها من الشؤون الخدماتية– وهذا ينسحب على الشكاوى- سواء عبر صفحتها على موقع "فايسبوك" للتواصل الإجتماعي أو عبر الهاتف، وهو أمر لا نجده حتى في بلدية بيروت التي لا تجد غالباً من يجيب على هواتفها العامة والداخلية.

وقد تكون صعوبة الإبلاغ أو تقديم الشكاوى والافتقار إلى آذان صاغية ومختصة بتلقي هذه الشكاوى ومتابعتها هي أحد أسباب استسهال الغش من قبل أصحاب المتاجر والمطاعم والمصانع وغيرها. فعندما يجد المواطنون الذين يتعرضون لحالات تسمم باب الشكاوى مقفلا أمامهم سواء هاتفيا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع الإدارات الرسمية، وعندما يضطر أحدهم إلى إضاعة يوم بأكمله وربما أكثر وهو يتنقل بين إدارات الدولة من موظف إلى آخر لأيصال شكواه، حينها يضطر آسفا أو ساخطا للتخلي عن هذا الخيار وقد يكتفي بوقف ارتياد المطعم أو المتجر الذي تضرر منه، فيما يستمر أصحاب هذه المصالح باصطياد غيره من الضحايا.

فقد استحدثت بلدية جبيل قسم الصحة وسلامة الغذاء قبل أربع سنوات تقريبا. وقالت فدا الزغبي التي ترأس القسم لـ"المدن" إن "القسم ساهم مساهمة فعلية بأن نال نطاق بلدية جبيل الحصة الأقل من مخالفات الغذاء في حملة وزارة الصحة". وأشارت إلى تنظيم البلدية دورات تدريبية دورية لموظفي المطاعم عن سلامة الغذاء والنظافة الشخصية، فضلا عن تنظيمها محاضرات دورية عن التسمم ونظافة العمال. كما توزع كتبيات على أصحاب المطاعم وموظفيها عن المقاييس والمعايير الواجب اعتمادها، وتنظم جولات للكشف على المطاعم الجديدة للوقوف على مدى مطابقتها لشروط السلامة الغذائية.

كما يتولى القسم إرشاد أصحاب العمل إلى كيفية التقسيم الهندسي السليم لمطاعمهم لضمان الحد الأقصى من النظافة والجودة أثناء عملية استحصالهم على الرخص اللازمة لمزاولة نشاطاتهم. وركزت الزغبي على أهمية البطاقة الصحية التي تعطيها البلدية لأصحاب المطاعم والعاملين فيها، إذ تضمن البطاقة الصحية – الواجب تجديدها كل ستة أشهر- عدم إصابة العمال والموظفين بأي أمراض معدية.

ويمكن للبلديات غير القادرة ماديا على إنشاء أقسام خاصة بها للرقابة الصحية التعاقد مع شركات خاصة لتولي هذه المهام وتوفير متطلبات الأمن الصحي والغذائي، كما يحصل في بلديات جل الديب والزلقا وغيرها من البلديات. كما يمكن للبلديات في إطار النظام الخاص لكل منها الاستعانة بخبرات وإمكانيات البلديات الكبرى في الرقابة.

وفي المحصلة، لقد أتاح القانون للبلديات الوسائل لممارسة صلاحياتها وواجباتها والاستعانة ببعضها لخدمة مواطنيها ومصالحهم، ما يجعل دورها أساسياً في مكافحة أي مخالفات أو تعديات.. لكن غالبية البلديات اختارت الطريق الأسهل وانسحبت من هذا الدور، مفضلة الضياع في دهاليز السياسة والمناكفات الداخلية والعائلية، بدلاً من الالتفات إلى واجباتها الفعلية في حماية المواطنين وصحتهم وأمنهم الغذائي.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث