آخر تحديث:04:04(بيروت)
السبت 20/07/2013
share

لبنان والمساعدات الخارجية

جاد شعبان | السبت 20/07/2013
شارك المقال :
يعتمد لبنان منذ زمن طويل على المساعدات الخارجية لتمويل الإقتصاد وخصوصاً البنى التحتية والإستثمارات العامة. هذا الأمر أصبح بديهياً في إقتصاد ليبرالي وحكومات رجال أعمال لا يكترثون للخدمات العامة كالمستشفيات والمدارس الحكومية، مفضلين تفقير الشعب وتجهيله ليسهل لهم التحكم به. ومثل كل شيء متصل بالميزانية العامة وأموال الشعب، لا تملك الدولة (أو لا تريد أن تملك) معلومات واضحة عن قيمة هذه المساعدات الخارجية، التي هي بمعظمها قروض طويلة الأجل تربط مصير اللبنانيين واولادهم (وحتى احفادهم) بتسديدها من أموال ضرائبهم.
والمفارقة أن وزارة المالية حتى يومنا هذا لا يمكنها تحديد الكثير من المساعدات الواردة لأنها لا تدخل الميزانية المركزية للحكومة والإيرادات المعلنة. أما بالنسبة للقروض الإنمائية، فهذه يتم التعامل معها بشكل مستقل من خلال ميزانية مجلس الإنماء والإعمار وحسابه المستقل في البنك المركزي. وفي ظل عدم وجود موازنة موحدة مصدقة من مجلس النواب منذ ٢٠٠٥، تصبح تلقائياً جميع القروض  التي تلقاها مجلس الإنماء والإعمار بعد عام ٢٠٠٥ خاضعة لميزانيته وحده ودون موافقة برلمانية. علماً أن حسابات مجلس الإنماء والإعمار تخضع فقط لرقابة ديوان المحاسبة عند الحاجة، وهي تقدم ضمن ميزانية يوافق عليها مجلس الوزراء. كيف يمكننا أن نعرف إذاً كم قرضاً وقعت الحكومة، وبأي شروط ولتمويل أي قطاعات؟ هل من أرقام تحصر قيمة المساعدات التي نتلقاها؟ 
 
أجري حديثاً بحث في الجامعة الأميركية في بيروت حاول حصر المساعدات الإنمائية الرسمية التي تلقاها لبنان على مدى فترة ٢٠ عاما (١٩٩٠-٢٠١٠)، عبر الإعتماد على مصادر متعددة للمعلومات منها على الصعيد المحلي وزارة المالية، مجلس الإنماء والإعمار، الهيئة العليا لإغاثة والبرلمان اللبناني، وعلى الصعيد الدولي قواعد بيانات الدول المانحة. أنتجت هذه الدراسة قاعدة بيانات ل ٤٩٠٠ عملية مالية تلقاها لبنان بين ١٩٩٠ و-٢٠١٠، من جميع البلدان المانحة باستثناء إيران (التي لم يجد حولها أي معلومات رسمية عن المساعدات التي تقدمها إلى لبنان). 
 
تظهر هذه البيانات أن لبنان تلقى كماً كبيراً من المساعدات طوال هذه الفترة. حيث بلغت أموال المساعدات الرسمية التي تم اقرارها ما يقرب ال ١٦ مليار دولار أمريكي، في حين كانت الأموال المصروفة ٩٫٥ مليار دولار أمريكي. و قد وردت غالبية هذه المساعدات (أكثر من ٦٠٪)  على شكل قروض ميسرة، نفذت بمعظمها عن طريق مجلس الإنماء والإعمار. إذ تم توقيع أكثر من ٨٠٪ من القروض و ٥٠٪ من المنح التي تلقاها لبنان خلال ٢٠ عاماً عبر مجلس الإنماء والإعمار. التوزيع الزمني لهذه المساعدات يظهر أن التحويلات بلغت ذروتها في مراحل إعادة الإعمار، خصوصاً اثر إنتهاء الحرب الأهلية (فترة ١٩٩٢-١٩٩٨) و غداة عدوان تموز (٢٠٠٦-٢٠٠٧). المساعدات المالية من الدول الأجنبية بلغت أيضاً ذروتها بعد المؤتمرات الرئيسية للدول المانحة (باريس ١، ٢ و ٣)، و انخفضت عندما لم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري في السلطة (أي فترات ١٩٩٨-٢٠٠٠ و ٢٠٠٤-٢٠٠٥). هذا يشير إلى  ترابط قوي بين المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة إلى الحكومة ووجود فريق سياسي معين على رأس السلطة التنفيذية. 
 
و تظهر الأرقام أيضاً أن الجهات المانحة الرئيسية خلال ١٩٩٠-٢٠١٠ كانت دول الخليج العربية (وخاصة المملكة العربية السعودية التي دفعت وحدها ١,٤ مليار دولار هبات) تليها الدول الأوروبية (خصوصاً فرنسا) والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية (مثل البنك الدولي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي). نصف المساعدات التي تلقاها لبنان، أي ما يقارب ٤,٣ مليار دولار أمريكي، ذهبت لدعم ميزانية الحكومة ولتسهيل خدمة ألدين، حيث اتخذت شكل قروض ميسرة وبشروط سهلة قدمت الى لبنان بعد تعهدات باريس ٢ ومؤتمر باريس  ٣. سمح هذا الدعم المالي حسب تقارير بعض "الخبراء" بتجنب أزمات مالية كادت أن تعصف بالإقتصاد المحلي. ولكن يمكن إسقاط هذه المساعدات بسهولة ضمن إستراتيجية تعويم للنمط الإقتصادي المتحكم بالبلاد منذ ١٩٩٠، الذي يرسخ تبعية المالية العامة لسلطة حيتان المال.
وفي عصر تلاشي مقومات الدولة من مجلس نواب ووزارات وقضاء، لن تجد هذه الحيتان المحلية والأجنبية أي رادع جدي يمنعها من التحكم برقابنا إلى أبد الآبدين. آمين.
 

شارك المقال :

مقالات أخرى للكاتب