عنف إقتصادي

رشا أبو زكيالجمعة 2013/12/27
حجم الخط
مشاركة عبر

أصبحت الإنفجارات مؤشراً اقتصادياً لبنانياً يضاف إلى المؤشرات الإقتصادية الإعتيادية التي يقاس بها النمو من عدمه. وأصبح الوضع الأمني وحدة قياس جديدة يمكن من خلالها معرفة الاتجاهات الإقتصادية والإجتماعية في هذا البلد. إذ يشهد لبنان منذ حوالي 9 سنوات عمليات تفجير متلاحقة، إلا أن هذا العام يعتبر الأعنف، بعد سلسلة الإنفجارات التي وقعت في العام 2005. فقد وصل عدد التفجيرات التي طالت لبنان هذا العام وحتى اليوم إلى 8 انفجارات ضخمة، في مقارنة مع حوالي 13 انفجاراً وقعت في العام 2005. في المقابل، وقع 11 انفجاراً بين أعوام 2006 و2012 ضمناً. 

وبالرغم من أن تواتر عمليات التفجير لا يزال أقل من عام اغتيال الرئيس السابق رفيق الحريري، إلا أن تداعيات هذه الأحداث الأمنية على الواقع الإقتصادي والإجتماعي تعتبر أكثر فداحة من العام 2005. فقد كان الإقتصاد اللبناني قبل اغتيال الحريري يتمتع بمسار شبه طبيعي. وإن كانت الإدارة السيئة للملفات الإقتصادية والإجتماعية قد أدت إلى أزمات، إلا أن هذه الأزمات كانت محصورة بنوع الإدارة هذه، من دون أن يكون هنالك عوامل إضافية تعيق أي أمل بتطوير أو تحسين. وقد كان الواقع الإستثماري والقطاعي جيداً بطبيعة الحال، إلى حين وقوع الإغتيال الكبير. حينها حصل سقوط اقتصادي وقطاعي سريع، استمر طوال العام بفعل تلاحق الإنفجارات. لكن، في العام 2005، لم يكن الإقتصاد في أزمة تراكمية. وحتى بداية هذا العام، كانت القطاعات الإقتصادية تحاول اقتناص فرص النهوض بين انفجار وآخر، وبين أزمة أمنية وأخرى. إلى أن بدأت العمليات التفجيرية من جديد في العام الجاري، وأصبح الحديث عن افلاسات اقتصادية واسع النطاق يطال كل المفاصل العامة والخاصة. فاستمرار الخلل الأمني القاتل 8 سنوات، أسهم في تآكل الأمل بأي نهوض سريع، مع التشديد بعد كل انفجار على النمو البطيء والتدريجي للقطاعات. وهكذا، في كل مرة، يحصل نمو طفيف فيقتله انفجار آخر، لتصبح قطاعات الانتاج الصناعي والزراعي والخدماتي عند أكثر النقاط قرباً من الموت. 
صحيح أن لبنان لم يعرف منذ الحرب الأهلية حتى اليوم سنوات خالية من الإهتزازات السياسية والأمنية. وفي إحصاء أخير قامت به "الدولية للمعلومات"، يتبين أنه مرّ على هذا البلد الصغير 241 سيارة مفخخة بين أعوام 1975 وأيلول 2013. ويشير الإحصاء ذاته إلى أن العام 1985 كان الأكثر عنفاً بحيث قتل 317 شخصاً وجرح 1198 شخصاً. ليتبين أن العام 2013 يحتل المرتبة الخامسة في تعداد الأعوام الأكثر عنفاً في لبنان منذ العام 1975. طبعاً لم يشمل هذا الإحصاء إنفجار السفارة الإيرانية ولا الإنفجار الأخير في مجدل عنجر ولا إنفجار ستاركو. وقد خلص الإحصاء إلى أنه قتل في العام الجاري حوالي 54 في المئة من الذين قتلوا في سيارات مفخخة منذ العام 1990 حتى اليوم. دراسة تدل إلى مستوى العنف الآخذ بالإزدياد في لبنان، ومستوى الدموية في التفجيرات التي لم تعد تهدف إلى اغتيال شخصية عامة فقط، بل إلى إلحاق أكبر عدد من القتلى المدنيين. وإذا أردنا اسقاط حجم العنف الإنساني على حجم العنف الإقتصادي الذي يطال لبنان، فيمكن القول ومن دون تردد أن هذا العام هو الأعنف اقتصادياً واجتماعياً منذ نهاية الحرب الأهلية. فمن جهة ارتفعت حدة التفجيرات الأمنية وتوسعت رقعتها وازداد عدد ضحاياها، ومن جهة أخرى، اصبح الإقتصاد اللبناني في مأزق كبير في ظل العيش في حالة اللاسلم واللاحرب، بحيث لم تصل القطاعات الإقتصادية حتى اللحظة إلى مرحلة اعادة التكيّف، في ظل مؤشرات تقول أن لبنان في حالة حرب، في حين أن الواقع يقول أنه في حالة أزمة أمنية متصاعدة. ويضاف إلى ذلك، غياب السلطات الأساسية، كمجلسي النواب والوزراء وقريباً، ربما، رئاسة الجمهورية، وتراجع حاد في الخدمات الإجتماعية والعامة، وانحصار حجم الوظائف، مع توتر مستورد من دول تعيش في حالة حرب، وأخرى تنتظر أن تفتح مع لبنان حرباً في أي لحظة. 
نحن في حالة حرب، الإقتصاد يقول ذلك، بانتظار الإعتراف السياسي، لكي، على الأقل، يبحث مفتعلو الحروب عن تسويتهم الجديدة. 
 
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث