الرابطة:تكوين وطني

ويليام عوطةالأحد 2013/03/24
رئيس رابطة الثانوي حنا غريب (ريشارد سمور)
رئيس رابطة الثانوي حنا غريب (ريشارد سمور)
حجم الخط
مشاركة عبر

في العام 2009، حصل التماسُ الاول مع رابطة اساتذة التعليم الثانوي في لبنان حين انتُخِبتُ مندوبًا للرابطة في ثانويتي ومن ثمّ أميناً لسرّ الرابطة في فرعها البقاعي بعد انتخابات مشحونة يومها بإنقسامٍ سياسيّ حزبيّ جعلني – وبتزكية من الحزب الشيوعي- في قائمة قوى 8 آذار التي انتزعت يومها فرع البقاع من "خصمها"؛ يومها حصل ما يُشبِه القطيعة بين ممثليّ القوى "المهزومة" (14 آذار) وتلك الرابحة، إلاّ انّ القطيعة سُرعان ما كانت تتبدد عند كلّ استحقاقٍ نقابيّ خاصٍ أو عام.

ولم يكن تبددّ القطيعة واضمحلال اثارها يوماً إثر يوم إلاّ دلالة على تكوّن نوعٍ من الممارسةِ الديموقراطية الفاعلة داخل الرابطة، وهي ممارسةٌ تجذّرت أكثر لأسباب عدّيدة كان أهمها: وعي قيادة الرابطة- بالأخص عبر رئيسها حنا غريب-  ضرورة وحدة الرابطة وتماسكها، من جهة، ومن جهة أخرى، التحدّيات الجديدة التي بدات تواجه أساتذة الرابطة من ناحية التقهقر في موقعهم الإجتماعي – أو الطبقي- وتكوّن ما يُشبِه نوعاً من الوعي – أو اللاوعي- الجمعي لدى هؤلاء بأن مكتسباتهم التي حققوها عبر عشرات السنين لم تعد تكفي للمحافظة على "شخصيتهم المعنوية" الكلّية بإعتبارهم "أساتذة"، أو بمعنى آخر بكونهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى بما تملكه من "إمتيازٍ" إجتماعي و "معنوي" يميّزها عن باقي الطبقات أو الفئات الأخرى. يُضاف إلى ذلك أنّ أغلبية أعضاء الرابطة هم من المستقلّين لا يخضعون بمعظمهم إلى ولاءات حزبية ضيّقة، ما صعّب-حتّى اللحظة- من محاولات القوى المهيمنة على خرق الرابطة وتعطيلها.

 إلاّ ان هذه الأسباب لن تجعل والحالة هذه من الرابطة أقوى "نقابة" في لبنان إن لم تكن قد اقترنت بشكلٍ من أشكالِ الممارسة التي انبنت على نوعٍ من الديموقراطية تشبه إلى حدٍ كبيرٍ الديموقراطية القاعدية وعلى شكلٍ من المواطنية الإجتماعية. 
قد لا يعرف الكثيرون أن القرارات التي تتخذها قيادة الرابطة لا تنشأ من صميم هذه القيادة بقدر ما تصدر بالدرجة الأولى عن الأساتذة أنفسهم:
- تجري عملية انتخاب قيادة الرابطة "الهيئة الادارية" من طريق الاقتراع السريّ المباشر للمندوبين كافة، وهؤلاء يجري انتخابهم بالطريقةِ نفسها أيضاً كلٍّ في ثانويته، بمعدل مندوبٍ واحدٍ لكلّ خمسة عشر أستاذًا. يختار المندوبون من بين القوائم المقترحة مرشّحيهم، وتجري الانتخابات في يومٍ واحدٍ وفي مكانٍ واحدٍ، في حال طبعًا لم يحصل توافقٍ نقابيّ كما حصل هذا العام. ومن ثمّ يقوم المندوبون في موعدٍ لاحق بإختيار مرشحّيهم لقيادة هيئات الفروع في الرابطة، وتتوزع الفروع حسب المحافظات. قد تطغى الانقسامات والتحالفات السياسية على تشكيل اللوائح ولكنّ ذلك نادرًا ما يُخرِج عملية الاقتراع عن مسارها الديموقراطي، كما ان كلّ لائحة مُلزَمة بتقديم برنامجها وتصوّراتها لتطوير العمل النقابي ولتحسين موقع الأستاذ الثانوي، ما يشكّل إختلافًا بيّنًا عن الاستحقاق عينه الّذي يجري على صعيد الانتخابات النيابية أو البلدية، فهنا تسود الولاءات السياسية والمذهبية والمناطقية كما يتعمم المال السياسي، أمّا في إنتخابات الرابطة فتتضاءل الولاءات المناطقية والمذهبية وينعدم بأي شكلٍ من الأشكال "المال النقابي".
- إلاّ أن قوّة الرابطة وحصانتها لا تستمد من عملية الانتخاب بقدر ما تحصل من تلك الآلية المُعتمَدة في الرجوع دوماً إلى "القاعدة" إلى الاساتذة أنفسهم في ثانوياتهم إمّا عبر الجمعيات العمومية التي تُقام بدعوة من فروع الرابطة أو من كل مندوبٍ في ثانويته لبحثِ ومناقشة اي خطوة "كبيرة" يجري الاعداد لها ومن ثمّ التصويت عليها إمّا برفع الأيدي أو بالإجماع أو عبر التواقيع الفردية، ومن ثمّ يجري رفع التوصيات إلى هيئة الفرع أو إلى الهيئة الادارية المركزية ليجري تبنّيها او تعديلها... وهذا ما حصل بالنسبة إلى الإضراب الأخير، حيث لم تتخذ خطوة الاضراب كما الاستمرار به إلا بعد موافقة أكثرية الأساتذة عليه.
- الهيئة الإدارية للرابطة هي بمثابة السلطة التنفيذية، أمّا جمعيات الاساتذة وما ينتج عنها تكون بمثابة السلطة التشريعية، والهيئة الإدارية مُلزمة دورياً أو سنوياً بتقديم تقارير توجز موازنتها المالية (والمال يُستحصل بالدرجة الأولى من الإشتراك السنوي للأساتذة) كما ما انجزته من مكتسبات ومن مشاريع، وما هو مطروح للبحث والنضال من أجله..
- ما سبق يؤشّر إلى وجود ديموقراطية مباشرةٍ (قاعدية) حقيقية تستند إلى وعيٍّ إجتماعيّ يحرّك أساتذة الرابطة ويجعلهم يتجاوزون ولاءاتهم المذهبية أو الأيديولوجية او الحزبية، وهذا ما يلمسه المرء عند حضور اي من الجمعيات العمومية. في الجمعية العمومية الأخيرة التي انعقدت منذ نحو اسبوع-في البقاع- للتحضير من أجل "الزحف الكبير" في 21 آذار؛ بدا الاساتذة وكأنهم خارج "السياق اللبناني" العام، فهم غير معنيين بخطاب "الفتنة" مثلاً، أو بموضوع "الارثوذكسي" إلاّ من ناحية القادر على تعطيل الاثنين معًا، وبالعكس، أجمع المجتمعون على "كذب" القوى السياسية كافةً، حتّى تلك التي ينتمي إليها الاساتذة، وارتفعت الاصوات مطالبة بالتصعيد وحتى بالانتفاضة واستشهد أحد الحضور (وهو من حزب الله) بكلمات للقائد الشيوعي الروسي لينين حتّى ان بعضاً من الاساتذة-من غير اليساريين- توجّه باللوم للنظام الرأسمالي مستعيداً مفاهيم كالبرجوازية والطبقة العاملة. 
- عدا عن الوعي النقابي الّذي أعادت تكوينه، أفرزت الرابطة عبر نضالاتها في السنوات الأخيرة وعياً من نوعٍ آخر اختُبِرَ بالتجربة، وفي بلدٍ لم يتأسس فيه نظام الحكم على أساس حداثيّ بل على أيديولوجيا قبل حداثية سجنت المواطنين ضمن دوائرٍ ثقافوية-سياسية محكمة الإغلاق، خرقت رابطة الأساتذة الثانويين ومن ثمّ هيئة التنسيق المغلق السائد وخرجت إلى رحاب تكوين نوعٍ من المواطنية الجديدة بمرتكزٍ إجتماعي لاسياسيّ، قد تؤسس لربيعٍ عربي جديد بألوان لبنانية.
 
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث