"شغف" لعابد عازرية...الشرق من نافذة باريس

نور رجبالأحد 2026/10/04
عابد عازرية
طرح الحوار عازرية بوصفه باحثاً لا يتعاطى مع شرقيته كعزلةٍ فكرية
حجم الخط
مشاركة عبر

من حلب إلى باريس، حمل عابد عازرية بذوره لتتجذّر هناك، حيث أعاد اكتشاف شرقيّته من نافذة الغرب، لا بوصفها إرثاً يستعاد، بل هويةً تُبنى. ومن باريس إلى بيروت، يعود اليوم، في استراحةٍ بين حروبها، حاملاً "شغف"، إصداره الجديد، الذي وقّعه في إطار تعاونٍ لافت بين دار النهضة العربية و"نفسانيون" ضمن فعاليات معرض "نفسانيون" الرابع للكتاب.
 

استُهلّ اللقاء بعرضٍ مصوّرٍ لملحمة "غلغامش"، التي شغلته منذ عام 1970 وأمضى قرابة سبع سنوات في صياغتها موسيقياً، قبل أن يؤديها غناءً وإلقاءً، متنقلاً بين الكلمة المغنّاة والكلمة المنطوقة، كأن النص نفسه يأبى أن يُسجن في بعدٍ أحادي. ثم تلا العرض حوارٌ أداره الإعلامي بيار أبي صعب، استعاد فيه علاقةً فكريةً عتيقةً جمعته بعابد، وكيف كان، مع أبناء جيله من المثقفين، يستنسخ أشرطة عازرية الوافدة من الخارج في زمنٍ كانت فيه الموسيقى تعبر الحدود محمولةً على أشرطة، قبل أن تأتي التكنولوجيا فتغتال دهشة المسافات.

كان الحوار إطلالةً خلّابة على محطات كثيرة من حياة عازرية، الذي يصعب تأطيره لكثرة ما أنجز بين التلحين والغناء والترجمة والكتابة والفكر. ولعلّ أبي صعب تعمّد أن يجعل الجلسة لقاءً ودياً بين صديقين قديمين، عوضاً عن تحويلها إلى حوار مثقل بالمحاور والجدية الأكاديمية؛ في محاكاةٍ لروح "شغف"، بوصفه سرديةً تحمل وجوه السيرة الذاتيّة والبحث.
 

عابد عازرية

عن "شغف"، روى عازرية أنه أنجزه أولاً بالفرنسية، قبل أن ينتقل إلى العربية بترجمة جمال شحيد ويصدر عن دار النهضة العربيّة بالشراكة مع نفسانيون. أما قرار الكتابة، فتأخر عشرين عاماً، إذ جاء مدفوعاً بإصرار صديقةٍ له ظلّت تحثّه على تدوين الحكايات التي كان يقصّها على معارفه في المناسبات. والكتاب لا يبدو منفصلاً عن مشروعه الأوسع، بل يحاكي التجربة عينها: عبور دائم بين الأزمنة واللغات والهويات، من دون الاستقرار في واحدة منها.
 

في الحوار، وعلى الصعيد الموسيقي، ظلّ عازرية كما عرفناه، مصراً على عدم تصنيف موسيقاه بين شرقي وغربي. فهو حين خرج من حلب، حمل معه التراتيل ومجالس الذكر، لكنه لم يحملها بوصفها حدوداً، بل بوصفها بذوراً قابلة للنمو في أرض أخرى. أراد التحرر من القوالب والتصنيفات، ولعلّ ذلك ما ترجمته أعماله التي شرّقت وغرّبت، فلم تترك موسيقى لاتينية أو فرنسية أو شرقية إلا وتقاطعت معها، غناءً وتوزيعاً ونثراً وشعراً.
 

حتى اليوم، لم يغفر عازرية للموسيقى العربية الحديثة ما يراه زلاتها، فانتقد سطحية التلحين حين يغلب الوزن على المعنى، ولم يكترث بهدم بعض أساطير الملحنين العرب، ومن بينهم عبد الوهاب وبعض معاصريه. ففي رأيه، كثير مما انتجته الموسيقى العربية ليس سوى إعادة استنساخ للوزن على مقامات معلومة. كما عتب على استئصال بعض القوالب الموسيقية الجادة من الذاكرة الموسيقية العربية، متوقفاً عند "الدور"، الذي رآه ذا مكانة موسيقية تقارب ما تمثله السيمفونية في الموسيقى الغربية. 

أما على صعيد الهوية، فقد طرح الحوار عازرية بوصفه باحثاً لا يتعاطى مع شرقيّته كعزلةٍ فكرية. فالهوية، كما وردت في "شغف"، "ليست إرثاً جاهزاً، بل بناء"، وباريس، كما يقول، أجبرته على أن يكون نفسه؛ أن يصالح ماضيه، وأن يرى ذاته من مسافةٍ أخرى، أكثر اتساعاً وانفتاحاً على الآخر. ومن تلك المسافة، لم يعد الشرق بالنسبة إليه جهةً يعود إليها، بقدر ما صار أرضاً يعيد قراءتها؛ وهذا ما أعاده إلى الحضرات الشرقية القديمة، فتعمّق في دراستها، وولع بـ"غلغامش"، وتتّبع أصول الديانات التوحيدية، وانفتح على عالم المتصوفين. ولما بدا التصوّف في الحوار والكتاب أيضاً، أحد مفاتيح قراءته للشرق، جاء السؤال من الجمهور مباشراً: "هل أنت صوفي؟". أجاب: "أبداً". إلا أن نفيه بدا، للحضور، أقل حسماً من أن يغلق باب السؤال؛ فهو ليس ابن طريقة، لكنه تتبّع أصول التصوف، فمرّ بالحلاج وابن عربي وابن الفارض ورابعة العدوية والسهروردي وغيرهم. وحين نفى عن نفسه الصفة، ترك وراء النفي عبارة تختصر نظرته إلى جوهرها: "أكره الحلال، وأكره الحرام، لدي الحب فقط".
 

استعاد أبي صعب وعازرية معاً مسيرته في تلحين قصيدة النثر والملاحم والنصوص النثرية، من "غلغامش" إلى أنسي الحاج وأدونيس، ومن خطب الإمام علي إلى "إنجيل يوحنا"، فأعاد حديثهما إشكالية غناء النثر الى الواجهة، لا بوصفها مسألة تقنية تتصل بإمكان تلحين الكلام، بل بوصفها مواجهة عنيدة مع واحدة من أكثر المسلّمات رسوخاً في الغناء العربي: أن الوزن هو ما يمنح الكلام قابليته الموسيقية، وأن الإيقاع المنتظم هو الجسر الأقصر إلى الذاكرة. العازرية يشاكس هذه المسلّمة تحديداً؛ فيلوي ذراع الوزن إكراماً للمعنى، ويبحث في الجملة النثرية عن موسيقاها الداخلية، حتى يصبح التلحين إعادة اكتشاف لإيقاع الكلام لا إخضاعاً له.
 

عابد عازرية

لكن تحرير النص من الوزن لا يحرره بالضرورة من سؤال التلقي. فحين تسقط سهولة الحفظ التي تمنحها القصيدة الموزونة، ويتراجع التكرار الذي يرسّخ الأغنية في الذاكرة، يضطر الموسيقى لجعل المعنى نفسه قابلاً للإنصات. وهنا تكمن مجازفة عازرية؛ فالموسيقى التي ترفض القالب قد تفتح للنص إمكانات تعبيرية أوسع، لكنها قد تدفعه أيضاً نحو جمهور أكثر تخصصاً. كما انّه أغفل في اندفاعه نحو التحرر من سلطة الوزن، ما يحمله الوزن نفسه من جماليات، وما يتيحه التشبيع النغمي في إطاره من إمكانات تعبيريّة لا تختزل في كونه قيداً على المعنى.
من هذه الزاوية، تبدو عبارة بيار أبي صعب في مقدمته، "حفر في الموسيقى كي تتسع للنثر"، أكثر من توصيف عابر؛ إنها تختصر مشروعاً يراهن على توسيع حدود الموسيقى، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتساع جمهورها. فـ"الحفر" يشي بشيء من العناد، بمحاولة شقّ طريق للنثر داخل بنية موسيقية اعتادت شروطاً أخرى في التلحين والتلقي. ومن هنا تبرز إشكالية تستحق التوقف عندها: أين تستقر العلاقة بين المعنى والمتعة؟ وهل يمكن أن يصبح الحفاظ على كثافة المعنى سبباً في ابتعاد العمل عن متعته الأولى؟ أسئلة يتركها مشروع غناء النثر مفتوحة، بقدر ما يفتح أمام الموسيقى نفسها مساحة جديدة للتجريب.


في النهاية، اختصرت الجلسة الكثير من "شغف"، لا في ما قيل عن الكتاب فحسب، بل في الطريقة التي بدا بها عازرية وهو يستعيد مساراته بين السيرة والتاريخ، وبين الشرق والغرب، وبين الموسيقى والنثر؛ كأن الكتاب نفسه ليس سوى محاولة طويلة للعثور على خيط يصل ما تفرّق من الأمكنة واللغات والأزمنة. ولعلّ أكثر ما بقي من الأمسية، وما يلخّص شيئاً من روح الكتاب وصاحبه، تلك العبارة التي صقلها أبي صعب في مقدمة الحوار: عابد عازرية "نخبوي، ولكن نخبوي للجميع". عبارة تبدو، في بساطتها، كأنها تترك الباب موارباً بين النخبة والجمهور، بين كثافة المعنى وإمكان أن يجد طريقه إلى الجميع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث