معرض "Itinéraire - رحلات مُدُن"، الذي أقيم لدى "غاليري جانين روبيز"، يدعو المشاهد لاكتشاف نحو خمسين مدينة تتميز كل منها بسحرها وتفردها، وذلك عبر رؤية الفنان جميل ملاعب. هي، إذاً، رحلة فنية يأخذنا فيها ملاعب بين المدن، هذه الاكتشافات سوف تلهم المشاهد وتحفزه على الحلم والسفر، وربما رؤية العالم بمنظور مختلف.
من المعروف عن جميل ملاعب شغفه بالسفر والترحال، فقد دأب على استكشاف العالم لأكثر من خمسة عقود، تعرّف خلالها على مدن وثقافات متنوعة ومتباعدة؛ من شنغهاي إلى بيروت، مروراً باليابان والأميركتين وأوروبا، وصولاً إلى شمال أفريقيا والدول العربية.
فيما يخص تمثيل المدن، في شكل عام، (علماً أن عبارة تمثيل لا تتوافق تماماً مع ما يقوم به جميل ملاعب)، يمكننا أن نتساءل إذا ما كان في الإمكان عكس صورة كاملة لمدينة، أو مدن، أو لبيئة الحضرية؟ ممّ تتكون هذه التمثيلات؟ هل يتعلق الأمر بمنح موقع ما صورة مميزة بين آلاف الصور الأخرى، أم هي وسيلة لتحديد هوية مكان معين من خلال الكشف عنها؟ قد يعتبر البعض أن الأمر يتعلق بتعزيز خيال مشترك قائم على تجربة مكانية. ففي العالم الحضري، كما نعلم، تميل المدن إلى البحث عن صورة تُستخدم كشعار يميزها عن جيرانها ومنافساتها، أو عن رمز ينقل جاذبية منطقة ما، ويجعل الناس يرغبون في زيارتها عن كثب، ويُعرّف الزوار بالمكان، وما إلى ذلك.
ما يشبه الرمز
في كل مرة تتبادر إلى الذهن صور معينة. صور يمكن نقلها عبر الأفلام والأدب والرسم والتصوير الفوتوغرافي وسواها. ليس من النادر ربط دوانو بضواحي باريس، وبول أوستر ببروكلين، وكافكا ببراغ، والقاهرة بمحفوظ. وسرعان ما تتحول هذه الصور إلى ما يشبه الرمز، وتلتصق بالمدينة كما يلتصق الطين بالحذاء، كما يصعب أحيانًا استبدالها برمز آخر، ومع ذلك تظل نيويورك، على سبيل المثال، متألقة بأبراجها بالرغم من الانهيار المأسوي لمركز التجارة العالمي.
على أن ما ينقله لنا ملاعب لا يتعلّق بمدينة واحدة دون سواها، بل بمجموعة منها، وكل رسم من الرسوم، السريعة في معظمها، تنتمي إلى تلك الفئة التي طالما رأيناها، خلال أزمنة ماضية، لدى الرحّالة، المستشرقين منهم وغير المستشرقين. إنطباعات طازجة تختلط فيها طبيعة المكان بحالة الفنان المزاجية خلال لحظة الوقوف أمام المشهد. ثمة ما يذكر بالنهج الإنطباعي، الذي، وبالرغم من مرور ما يقرب من 150 عاما على بداياته، ما يزال الأسلوب الذي اتبعه ساري المفعول لدى العديد من الفنانين، من حيث الأثر الذي يتركه المشهد على الفنان. هذا، مع الأخذ في الإعتبار أن تيارات فنية كثيرة، مختلفة فيما بينها، كانت فرضت وجودها منذ ذلك الحين، وهو ما يعمل ملاعب على الإستفادة منه، من خلال رصده لتلك التطورات، ساعياً من أجل صوغ أسلوب خاص به.
لا بد من الأخذ في الإعتبار، أيضاً، الحالة المزاجية المتبدلة لدى ملاعب. لكننا نخمّن أن تلك الحالة تتجه، في معظمها، نحو الإيجابية، طالما يبقى الفنان، خلال رحلاته، بعيداً من أجواء التوتر السائدة في محيطنا القريب. لكن هذا المحيط القريب، بالرغم من حسناته ومساوئه، كان شكّل نقطة البداية لدى ملاعب في رحلتة الطويلة، إذ لا بد من أن نتذكر رسوم القرية وإناسها أو الريف وعاداته، وحتى العاصمة ببحرها الذي لم يقف أمامه الفنان لامبالياً.
إعادة انتاج
التمثيل، لدى ملاعب، يبدو وكأنه إحياء لعناصر الطبيعة من جهة، والوجود الحضري من ناحية أخرى، مع ما يتصل بهذا الوجود من عمارات صنعتها يد الإنسان، ينسجم بعضها مع المشهد، ويتنافر البعض الآخر معه. يتعامل ملاعب مع المشهد من طريق حيلة فنية، عبر لوحة قد تكون أشبه بقصيدة... وهو أيضاً "إعادة إنتاج" أو "إظهار"، وفقاً لأصله اللاتيني، repraesentare. أما كلمة "representation" (التمثيل) اسم فعل التمثيل، الذي يدل على فعلِ جعلِ شيء ما حاضراً أو محسوساً في الذهن، في الذاكرة، من طريق صورة، أو شكل، أو علامة، أو من خلال الرمز، أو الاستعارة. وللتمثيل وجهان لدى الفنان: فهو يحافظ على واجب الحضور في غياب شيء ما، ويُضخّم الحاضر إذا ما أراد، فيُظهره في أبهى صوره، عارضاً إياه كما لو كان معززاً بخيال أو إضافات.
هذا التفاعل الدقيق يحفَز لغة الخيال؛ وهكذا، تُنشّط الصورة الفكر، وتُثير التأمل، وتُنتج "رؤية" آسرة للعقل. وإذ نستطرد هنا كي نحيد قليلاً صوب الفلسفة، لنذكر أن هذا الأمر لم يغب عن السرياليين، الذين اعتبروا "الصورة" مُرادفةً لكلمة "السحر" (أي قلب حروفها). أما الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، فقد دعانا إلى "التأمل العميق في الصور" في كتابه "الهواء والأحلام" (١٩٤٣). فبالنسبة إليه الصورة ليست مرئية؛ فهي ليست ذكرى تطفو على سطح الوعي، كما هو الحال عند برغسون، ولا حضورًا غائبًا في الوعي، كما هو الحال عند سارتر، بل هي حركة تُنشّط الخيال. وفي الواقع، هي "سرب من الصور" (بتعبير جيلبرت دوراند البليغ) يتردد صداه في ذهنك لدرجة أنه يُضاعف احتمالات التداعي والاختراع. كما علينا أيضًا أن نسأل أنفسنا: ما معنى التفكير في الصورة؟ بالنسبة لمارتن هايدغر، كما نتذكر، السؤال هو: "ما الذي يُوجّهنا في الفكر، ما الذي يدعونا إلى التفكير؟" وهذا، في سياقنا، يُصبح: "ما الذي يُعطينا صورةً لنراها، صورةً يُمكننا التفكير فيها؟" إن التأمل في الصورة يعني الترحيب - كهدية - بالأسئلة التي تطرحها، وبذلك نلتزم بمواصلة رحلتنا، من عجب إلى آخر، كما يفعل جميل ملاعب. إن التأمل في الصورة هو السعي وراء فعل التفكير، أي البحث عن جوهر الكائنات، وهو بحث لا نهاية له.




