كان المخرج والمنتج السوري، عبدو مدخنة، طفلاً يرى في تشققات الجدران وتكوينات البلاط صوراً لا يراها الآخرون، وكبر ليصبح مخرجاً حملت أفلامه أسئلة الذاكرة السورية والسجون والمعتقلين، وصولاً إلى عودته إلى الدراما والإنتاج الإبداعي، وحلمه الأخير: أن يصنع فيلماً واحداً يبقى، ثم يعتزل. عن هذه المواضيع وأكثر، أجرت معه "المدن" هذا الحوار..
- كيف تعرّف نفسك؟ وما الذي قادك إلى عالم الصورة والحكاية؟
أنا إنسان تشكّل وعيه على فكرة بسيطة: لا أريد أن أكون على الهامش، ولا أريد أن يكون عبوري في هذه الحياة عبوراً مجانياً أو غير مرئي. أريد أن أترك أثراً، وأن أضيف شيئاً إلى بلدي، وربما إلى الإنسانية إذا استطعت. لا أدّعي هنا أكثر مما أستطيع فعله، لكن فكرة الأثر رافقتني دائماً، وربما قادتني منذ وقت مبكر إلى الصورة.
منذ طفولتي كنت أشعر أنني أمتلك قدرة على رؤية الأشياء من زوايا غير مألوفة. أذكر أنني كنت أجلس في بيت العائلة الكبير، وأنظر إلى الحائط أو الأرض، فتصنع تشققات الجدار أو خطوط البلاط أمام عيني أشكالاً وتكوينات كاملة. كنت أسأل الآخرين: ألا ترون هذا الشكل؟ وكانوا يقولون: لا.
ربما هناك بدأت الحكاية. بدأت أشعر أن عيني ترى أحياناً تكويناً لا تلتقطه عين أخرى، وأن مهمتي ربما تكون أن أجعل الآخرين يرون ما أراه.
ـ من السينما المستقلة إلى المسرح والوثائقي والـDocudrama ثم الإنتاج الدرامي، كيف صنعت هذه الرحلة هويتك الفنية؟
الحياة مليئة بالتجارب. خلال دراستي الجامعية كنت عاشقاً للسينما؛ كانت بالنسبة إلي نوعاً من السحر. بدأت بكاميرا صغيرة جداً، وبأدوات أبسط بكثير من الأدوات التي يمكن أن تصنع بها فيلماً بالمعنى المهني. أذكر أن أول ما صورته في حياتي كان مآذن الجامع الأموي، والقناديل المضاءة من حولها، وحبات الثلج وهي تتساقط. كنت أقاطع هذه الصور مع مصابيح أخرى في دمشق. ولم أكن أمتلك حينها أدوات للمونتاج، لذلك كنت أعيد تصوير المشهد مرات عديدة حتى أحاول أن أجعل الفيلم يُركّب بصرياً داخل الكاميرا نفسها.
بعد ذلك بدأت أبحث دائماً عن المزاوجة بين الفنون. كنت أرى المسرح متداخلاً مع السينما، والموسيقى مع الشعر، وأحاول أن أجمع أكثر من فن للوصول إلى منتج مختلف. ثم وصلت إلى الوثائقي، وكانت تلك نقلة مهمة جداً في حياتي.
بالنسبة إلي، أصبح الوثائقي في مرحلة معينة وسيلة للدفاع عن شرعية الثورة السورية وتثبيت رواية السوريين في مواجهة توحش هائل، وإنكار دولي، وبروباغندا نظام حاول أن يمحو كل رواية تناقض روايته. من هنا شعرت بأن للوثائقي دوراً يتجاوز صناعة الفيلم، وقررت أن أغوص في هذا المجال، محاولاً أن أسد جزءاً من هذا الفراغ وأن أساهم، بقدر استطاعتي، في حفظ رواية السوريين وذاكرتهم.
- الإنسان والذاكرة حاضران بقوة في أعمالك. ماذا تبحث عنه خلف الكاميرا: الصورة الجميلة، الحقيقة، أم الإنسان؟
ربما أبحث عن الثلاثة معاً. بالنسبة إلي، الصورة الجميلة ليست مجرد تكوين بصري جميل. هي نتاج عين تستطيع أن تلتقط لحظة حقيقية، ثم تغوص في أعماق الإنسان وتستخرج منه حكاية لم تُروَ بعد.
وتصبح اللقطة أكثر من مجرد لقطة جميلة عندما تقتطع جزءاً حقيقياً من الواقع، وتستطيع أن تلامس المشاهد إلى درجة يشعر معها بأن ما يراه يحدث أمامه، أو بأنه يعرف هذه اللحظة بطريقة ما. عندما يصدق المشاهد ما يراه ويشعر بأنه مألوف وحقيقي، تكون قد كسرت الحاجز بين عينه والوسيلة التي يشاهد من خلالها. عندها لا تعود مجرد صورة في شاشة، بل تتحول إلى تجربة.
- في أعمال مثل "صراع البقاء" وغيرها مما تناول المعتقلين والمختفين قسرياً، كيف تعاملت مع الشهادة الحقيقية؟ وأين تضع الحد بين صناعة عمل مؤثر وبين استثمار ألم الإنسان؟
أعتقد أن العمل الفني يجب أحياناً أن يخاطب الوعي واللاوعي معاً. لكن لا يمكن أن تستثمر في ألم الآخرين بشكل مجاني، ولا أن تبالغ في إظهار ضعف الإنسان. هذه نقطة مفصلية بالنسبة إلي في كل الأعمال التي أشتغل عليها. أنا لا أحاول أن أفعّل حالة الألم بقدر ما أحاول أن أستخرج من الألم شجاعة الإنسان. عندما تعاملت مع ملفات المعتقلين والمختفين قسرياً، لم أكن أبحث فقط عن الألم الذي يمارسه السجان على السجين؛ كنت أبحث أيضاً عن شجاعة السجين أمام السجان، وعن قدرة الإنسان على المقاومة والبقاء في بيئة يصعب على من لم يعشها أن يتخيلها.
هذه الأعمال تركت في داخلي الكثير من الألم. هناك أشياء عرفتها وسمعتها واخترت أن أحجبها عن المشاهد، لكنها بقيت عالقة في وجداني.أحياناً أشعر وكأنني ابتلعت الصدمة بدلاً من أن أنقلها كاملة إلى الشاشة، لأن هناك أشياء ربما يكون من الأفضل ألا تُروى.وفي النهاية، أشعر أن كل الكلام والصور والبوح الذي قدمناه يبقى أقل بكثير، بكثير، من حجم ما مررنا به، ومن حجم ما عاناه كثير من السوريين.
- بعد الجوائز والتكريمات التي حصلت عليها أعمالك، ماذا تعني لك الجوائز؟ وهل هناك جائزة بقيت الأقرب إلى قلبك؟
أي جائزة يحصل عليها عمل فني ليست جائزة لشخص واحد، بل لكل صنّاع العمل، ولأصحاب الفكرة، ولكل من ساهم في أن تصل الحكاية إلى الشاشة. بالنسبة إلي، أهمية الجوائز التي حصلت عليها تكمن أيضاً في أن معظمها ارتبط بأفلام حاولت أن تحمل رواية السوريين والثورة السورية إلى مساحة أوسع. لذلك لا أنظر إلى الجائزة باعتبارها اعترافاً بي كمخرج فحسب، وإنما باعتبارها فرصة إضافية لأن تصل الحكاية التي أؤمن بها إلى جمهور جديد.
ومن أقرب الجوائز والتكريمات إلى قلبي تلك التي ارتبطت بفيلم "صراع البقاء"، لأنه تناول رحلة المعتقل في سجون نظام الأسد، وكيف كان الإنسان يقاوم ويصارع من أجل أن يبقى حياً في بيئة تكاد تكون عصية على التصور.
- مع دخولك تجربة "كولومبيا" كمنتج إبداعي تنفيذي، كيف ترى هذه المرحلة، وماذا تريد أن تضيف إليها؟
دخولي إلى عالم الدراما، وإن شاء الله قريباً إلى السينما، ليس انتقالاً جديداً بقدر ما هو عودة إلى الأصل. أنا في الأساس مغرم بالدراما والسينما ومفتون بهما. والوثائقي جزء أساسي من عالم السينما، وهو عمل شديد الصعوبة والتعقيد ولا أقلل إطلاقاً من أهميته، لكن ميولي الأساسية كانت دائماً باتجاه الدراما. أما دخولي اليوم كمنتج إبداعي تنفيذي، فهو بالنسبة إلي محاولة للمساهمة في تكريس قيم وتقاليد فنية ومهنية جديدة في بلد خرج من حرب طويلة ومن نظام شمولي سيّس كل شيء تقريباً، بما في ذلك الفنون. أريد، قدر ما أستطيع، أن نساهم في صناعة تقاليد درامية وفنية ومهنية تليق باسم سوريا وبتاريخ كبار فنانيها ومبدعيها في مختلف الحقول.
سوريا تستحق أن تكون قِبلة المبدعين، وأن تكون سبّاقة في الطروحات الجديدة فنياً وأدبياً.
وأنا أدخل دور المنتج الإبداعي التنفيذي من منطلق كوني مخرجاً أساساً، وليس منتجاً بالمعنى المالي فقط. أفهم الـProducer بوصفه شخصاً يعمل فنياً على ضبط عناصر المشروع المختلفة حتى تتجه جميعها نحو رؤية واحدة. و"كولومبيا" بالنسبة إلي ليست مشروعاً منفصلاً عن ذلك. هي جزء من مجموعة أعمال أطمح إلى أن تصب في اتجاه واحد: محاولة استعادة الدراما السورية لدورها ومكانتها وقيمتها الحقيقية.
- ماذا بقي من "مفاتيح دمشق" في ذاكرتك؟ وماذا يعني لك توثيق هذه المرحلة من تاريخ سوريا؟
"مفاتيح دمشق" هو العنوان الأول ضمن مشروع أوسع يحمل اسم "قيامة دمشق".
سوريا عاشت عقوداً طويلة تحت نظام شمولي وحكم عائلي، وهناك أجيال خارج سوريا لا تعرف حقيقة ما مر به السوريون، ولا ما تعنيه "مملكة الصمت"، أو السجن السياسي، أو أن تكون مفكراً أو مستقلاً أو ناشطاً اجتماعياً وسياسياً في بلد مغلق.
لذلك جاء المشروع ليحاول رواية حكاية سوريا عبر عقودها الأخيرة، وصولاً إلى سقوط نظام الأسد.
هذه البلاد، وهذه الثورة، بكل ما مرّتا به من انتصارات وهزائم وانكسارات وانتكاسات، تستحقان أن تُرويا وأن يعاد النظر في تجربتهما؛ ليس بهدف صناعة سردية تمجيدية، وإنما لكي تستطيع الأجيال المقبلة أن تسأل: أين أخطأنا؟ أين أصبنا؟ ولماذا كان طريق التحرر بهذا الطول والتعقيد؟
ما حدث في سوريا، بالنسبة إلي، ليس إرثاً سورياً فحسب، بل تجربة إنسانية تستحق أن تصبح جزءاً من الذاكرة العالمية. ومهمتنا أن نوثق هذا المسار ونقدمه ليس للسوريين وحدهم، وإنما للعالم، وأن نحاول قدر الإمكان أن يكون العمل متوازناً وقادراً على النظر إلى المشهد من زواياه المختلفة.
- ولو امتلكت فرصة لتحويل إحدى الحكايات السابقة إلى عمل درامي، ماذا تختار؟
قبل ذلك، لا أعتقد أن القول إن الدراما تستطيع أن تقول ما يعجز الوثائقي عن قوله دقيق تماماً.
هناك منطقة أحبها جداً تقع بين الاثنين، هي الـDocudrama. هذا النوع يمنحك فرصة أن تبدأ من حقيقة مثبتة، ثم تفتح مساحة للمعالجة والرؤية الفنية من دون الإضرار بصحة الحكاية أو مسارها الأساسي. ولو أُعطيت الفرصة اليوم، فأحد أكثر الملفات التي تستهويني هو عالم المخابرات السورية وكواليسه، وهو عالم سبق أن اقتربت منه في أحد مشاريعي.
هذا ليس ملفاً سورياً فقط؛ له امتدادات إقليمية ودولية، ويحمل من الأكشن والغموض والتشويق والتقاطعات الإنسانية والسياسية ما يكفي لصناعة مشروع درامي كبير، وأعتقد أنه من العوالم التي يمكن أن تدفع أي مخرج إلى الرغبة في الغوص فيها.
- كيف ترى مستقبل السينما والدراما السورية؟ وما الذي تطمح إلى تحقيقه خلال السنوات المقبلة؟
لا نستطيع أن نقول إن المشهد السوري اليوم في أفضل أحواله، وبالتالي من الطبيعي ألا يكون الحقل الفني في أفضل أحواله أيضاً. نحن خرجنا من حرب طويلة، وما زال غبار المعركة وسقوط نظام الأسد لم ينجلِ تماماً حتى نستطيع أن نرى المشهد أمامنا بوضوح. ومع ذلك، أنا أصر على تفاؤلي.
أعتقد أن سوريا لا تستطيع إلا أن تسير إلى الأمام. هذا شعب محب للحياة والفنون، ينتمي إلى أرض ذات إرث حضاري عميق في الكتابة والموسيقى والثقافة، وأعتقد أنه سيجد طريقه في النهاية لكي يستعيد دوره ويكون رائداً في الفنون.
- وإذا التقينا بعد خمس أو عشر سنوات، ما الذي تتمنى أن تكون قد حققته؟
أتمنى شيئاً واحداً ربما يبدو بسيطاً في عدد كلماته، لكنه بالنسبة إلي أصعب ما يمكن أن يطمح إليه مخرج: أن أستطيع إنجاز فيلم سينمائي واحد يُضاف إلى الأعمال التي تبقى في الذاكرة... وبعدها يمكنني أن أعتزل هذه المهنة. ربما عندها فقط أشعر أن عبوري لم يكن مجانياً.


