حصري لـ"المدن": مقتطف من "وردة ريتسوس" لأحمد علي الزين

المدن - ثقافةالخميس 2026/10/01
كتاب
حجم الخط
مشاركة عبر

يصدر قريبا عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب "وردة ريتسوس... سيرٌ وأسرار" للروائي والإعلامي اللبناني أحمد علي الزين. وفيه يأخذنا الكاتب في رحلة على مسارين، مسار حياته ومسار من تقاطعت معهم الدروب. في هذه السيرة كأننا نقرأ رواية تتداخل فيها السير والحكايات والأحداث.

هنا في "وردة ريتسوس"، (296 صفحة) يصبح أحمد الزين رحالة يصطحب القارىء من مسقط رأسه الى مدن العالم في شماله وجنوبه، من مشرق البلاد إلى مغربها، ودائماً برفقة مبدعين وأصدقاء، غادروا أوطانهم بحثاً عن آفاق جديدة لحياتهم وأسئلتهم.

"وردة ريتسوس" سيرة تمشي على مهل لتروي حيوات وآمال وأحلام أجيال ممن صاغوا معنى لوجودهم وللحياة.

 

نبذة الناشر:
وردة ريتسوس – هذه ليست سيرة بالمعنى التقليدي. هذه ذاكرة حميمة تتقاطع مع ذاكرة أجيال وأزمنة وأمكنة تمتدّ من مسقط رأس الكاتب في بلدته عكار العتيقة في ستينيات القرن الماضي، إلى مدن العالم. 

أمّا بيروت حيث ولادته الثانية، فيصطحبنا إلى مقاهيها، إلى مسارحها وصحفها وليلها، إلى كتّابٍ ومبدعين أقاموا فيها وعبروا، إلى صحبة تواعدوا فيها قبل أن تفرّقهم الحروب، إلى أسماءٍ يستعيدها من النسيان.

هي ليست اعترافات فردية فحسب، بل استحضاراً لذاكرة وأمكنة ومدن وحيوات أدباء وفنّانين ومفكّرين وفلاسفة من بينهم أصدقاء قدامى، وآخرين صاروا أصدقاء بعد أن تقاطعت درب الكاتب مع دروبهم.
هي رواية شخصيّاتها جاورتنا وعاشت بيننا، بعضها رحل، وبعضها لا يزال يزاول لعبته مع الحياة.
 هذه وردة يحملها أحمد علي الزين إلى مبدعين صنعوا زمنه ما بين مشرق البلاد ومغربها، حملها إليهم في أوطانهم الأمّ وفي منافيهم البعيدة، عربون وفاء لما قدّموا للمعرفة والجمال. 

هي رحلة مشّاءٍ يتأمل في علاقة الكتابة بالنسيان والموت، متشبثًا بالفنّ والحبّ بوصفهما وسيلتين لمقاومة العنف والاقتلاع وفقدان المعنى، وهو القائل: «إنّ الحبّ هو كلمة السرّ والكتابة قارب النجاة». 

هي شهادة ثقافية وسياسية على ما أحدثته الحروب في لبنان والعالم العربي من مآسي وأهوال، وعلى فظائع الاستبداد.
 «وردة ريتسوس» تحاول، بالكلمات، أن تمنح الغائبين وطنًا آخر، لا يطاوله النسيان.

 

أحمد علي الزين

روائي وإعلامي لبناني. بدأ حياته المهنية في أواخر السبعينيات في الصحافة المكتوبة، والإذاعية في «صوت الشعب» حيث كتب وأخرج وقدّم مئات الحلقات ما بين الثقافة والدراما الإذاعية. منذ عام 2003، عُرِف ببرنامجه الشهير على «قناة العربية»، «روافد» الذي وثّق  للثقافة العربية المعاصرة، والذي نال عنه خمس جوائز عربية وعالمية منها «جائزة الإعلام العربي». في رصيده ثماني روايات وعشرات الأفلام الوثائقية، أبرزها «أصوات مهاجرة» و«رباعية محو التاريخ»، وسلسلة «التراجيديا واللغة».

 

هنا، مقتطف حصري من "وردة ريتسوس" لأحمد علي الزين، خاص بموقع "المدن".

 

الأنساب
«وادينا صغير يا جدّتي والعالم كبير».
قالت مريريدة نايت عتيق، الشاعرة الأمازيغية، في منقلب مدينة بني ملال المغربية لحفيدتها، كما روى لي عبد الكريم الجويطي الروائي المغربي عنها كأنّها جدته. فانتسبتُ إليها بدوري وقلتُ له هي جدّتي أيضًا. 
في كلّ بلد لي جدّة وحكاية وشبيه. 
ظنّ كثر أنّني من مغرب البلاد، مثلما ظنّ البعض الآخر أنّي من مشرقها.
هل أنت تونسي؟
 

لا، لكن لي فرع قديم من السّلالة يوم ألَّفت أليسا بنت ملك صور مدينة قرطاج.
«حين توجّهت إلى قرطاج في تسعينيات القرن الماضي، بغاية البحث عن مصدر أو فرع من السّلالة مع بدايات علم الجينات والاستنساخ، عثرت على مخطوطة أغنيات البحارة التي أنشدها أجدادي القدماء الذين رافقوا أليسا في البحر وأنشدوا لها لتخفيف الشّوق، عثرت عليها في صندوق من خشب الأرز تحت تاج عمود روماني في المدينة القديمة، كنت مع فريق آثار نتدرّب على قراءة التاريخ في الحفريّات وليس في الكتب، ثمّ ذهبت إلى القيروان للغرض نفسه».
 

روى هذه الحكاية بطل روايتي «معبر الندم»، الذي كان يبحث عن أصل السّلالة في تسعينيات القرن الماضي في جغرافيا تمتد من بغداد إلى قرطبة. كان يجمع خلسةً من مقابر المدن القديمة مخطوطات مهترئة وقوارير صغيرة من التراب، ويتفحّصها في مختبرات الهندسة الوراثية، ليثبت انتسابه إلى شاعر صعلوك اسمه تميم النّجدي. قالوا له يومذاك أو أنّه قرأ أنّ فرعًا من سلالته يوجد في القيروان، فذهب إليها وأقام فيها سنةً حتى عثر على ذلك المخطوط وعلى مخطوط آخر من سيرة بني هلال في خربة بالقرب من المدينة القديمة وكعادته وقع في عشق فتاة أفنى فيها سنة من عمره.
 

كان مسعاه ضربًا من الجنون أدّى إلى انتحاره في بيروت في نهاية الأمر، لكنّه ترك حكايات أكثرها عن النساء اللواتي وقع أسيرهن في المدن، وصندوق قوارير صغيرة تحتوي على التراب، لكلّ قارورة رقم واسم. تراب قسنطينة، تراب قرطاج، تراب القيروان، تراب بغداد، تراب نجد، تراب حلب، تراب الموصل، تراب طرابس... ما يفوق المئتي حنجور من تراب المقابر في تلك المدن التي قصدها بدافع العلم، أخضعها للتحليل الجيني، مع أستاذه الفرنسي فيليب دابون، فلم يعثر على أي ارتباط بينه وبين تلك الأمكنة التي حمل ترابها من رميم الأسلاف، حتى بدا لكأنّه بلا نسب...
ومرّت الأيام...
 

في صيفٍ آخر لم أُوفد بطل روايتي، ذهبت بنفسي إلى القيروان، التقيت هناك بالشاعر المنصف الوهايبي، تجوّلنا في المدينة القديمة وفي أروقة مسجد عقبة بن نافع. حدّثني عن تاريخ مدينته، وحدّثته عن روايتي «معبر الندم»، عن تلك الشخصية التي أوفدتها إلى مدينته بدافع البحث عن مخطوطات قديمة، لم أطل عليه سرد الوقائع، كانت لي أهداف أكثر واقعية لا علاقة لها بالمخيّلة، هي تسجيل سِيَر المدن وسِيَر المعاصرين من الشعراء والكتّاب والمفكّرين وسواهم ممن تعاملوا مع صياغات الجمال والمعرفة. قال لي المنصف، لكأنّك تونسي المنبت. قلت له ربّما لي فرع هنا من السّلالة. فتلا عليّ هذه القصيدة في مستهل اللقاء:
قد تلبسُ الكلماتُ جلدَ النّمرِ..
أو قد تلبسُ الكلماتُ جلد الثور..
أو قد تلبسُ الكلماتُ جلد الماعزِ الجبليِّ..
قد تمشي على سِلك تمدّد في سماء الضفتينِ
وبعضها – والأرض سفحٌ مشمسٌ –
حجر النسورِ
وبعضها حجر القمرْ 
والبعض طيرٌ مطلقٌ 
والبعضُ إبرةُ بوصلهْ 
والبعضُ مثل مكعّبات الملحِ..
أو لا طعمَ لهْ
والبعض مثل جوارح الطير التي لا بدّ من تدجينها
للصيد.. لكنْ
بعضها لبقٌ.. يخفّ على ضنًى منه
إليكَ، مُواسيًا: هوّنْ عليكَ
فكلّنا أبدًا يقيمُ على سفرْ
سأعود في هذا السياق إلى القيروان لاستكمال ما بدأته مع المنصف.
 

وفي تونس أيضًا، حين التقيت بشاعر آخر، محمد الصغير أولاد أحمد في ربيع عام ألفين وأحد عشر ينشد للثورة التونسية «أحبّ البلاد كما لم يحبّ البلاد أحد» هو الآخر ظننّي، لفرط حماستي لربيع تونس، من بلده. كنّا نتحدث عن الطاهر حدّاد الذي كفّره علماء جامع الزيتونة بسبب أفكاره ودفاعه عن المرأة التونسية، كلّ الذين دافعوا عن المرأة شريكًا في الحياة وليست آلة للإنجاب والمتعة كُفِّروا، على رأسهم جدّي ابن رشد، أمّا عالم الاجتماع الطّاهر لبيب الذي تقاطعت دروبي معه كثيرًا فهو يعرف مصدري، من دون لبس، حكايتنا متشابهة وجدّاتنا حزينات عاتبات على الأيام. سأعود إلى سرد بعض سِيَرهم في هذا التّجوال.
إذًا، هي الأمور هكذا، الظنُّ يصنعه الخيال حينًا وحينًا تُؤكّده اللُّقَى، وكثيرًا ما تثبته التّقاطعات والصّدف. حتى بعضه ليس إثمًا كما يقال.
 

هل أنت عراقي؟
وظنّ البعض أنّني عراقي وأنا أرافق العراقيين في منافيهم، يحدّثونني عن جمال بغداد المجروح عن دجلة، عن بيت الحكمة والورّاقين، عن شعرائها، عن رسّاميها ونحّاتيها، عن فظائع الحكّام وفضائل بعضهم، عن مدينة بابل وبوابة عشتار. شاهدتُ تلك البوابة بكلّ بهائها في المتحف الإسلامي في برلين، نجت من السّبي والدّمار لكنّها في بلاد أخرى شتيتة كبعض أهل المعمورة، مشيتُ نحوها في ممرٍّ بابليّ طويل ساحرة زرقته جاؤوا بحجارته من مصدرها وليس تقليدًا، شعرت للحظة أنّي بابلي.
 

كنتُ عراقيًّا، يوم غنيت مع كوكب حمزة «يا طيور الطايرة مرّي بهلي»، كان هناك في كوبنهاغن في الشّمال البارد مع عوده وصوته المبحوح من فرط الشوق، كوكب حمزة عراقي نحت صوته الحزن العراقي وبرد الشمال. 
حدّثني العراقيون عن مخطوطات دار الحكمة التي رماها المغول قبل ألف عام في دجلة فاسودّ ماء النهر، «قلبي اسوَدَّ مثل دجلة يوم غرق الكتاب»، قلتُ هذا المطلع في رثاء العراق يوم كنتُ أشاهد بغداد مباشرة على الهواء حين كانت الطّائرات تفرغ حمولاتها الجحيمية فوق جسور المدينة وتقطّع أوصالها.
لكل زمن مستبدٌ وغازٍ.
تعرّفت إلى ملمح آخر من بغداد في بيت الروائي العاشق الأبدي علي الشّوك في لندن وهو يكتب بقلم الرصاص حكاياته البغدادية، قال لي: أعتبر حياتي عبثًا لا معنى لها من دون حبّ، كأني طوال عمري أبحث عن الحبّ، عن امرأة مذهلة كتلك المتكررة في لوحات الرسام البلجيكي بول دلفو، ومدَّ حرفَ الواوو لكأنّه يصرّف وجع الحسرة. 
شاهدتُ بغداد في ألبومات رفعت الجادرجي المهندس العراقي، بنى بيتًا على شاطئ بلاد جبيل، بناه على صخرة ممتدة في البحر، لجداره البحري نوافذ صغيرة، قال لي: «تصلح للتلصّص على البحر قبل أن ينبسط كاملًا أمامي وأنا اخرج إلى مكان مفتوح، يمتدّ بزرقته الفائقة إلى البعيد ويحرّضني على الإبحار، ولكنّي لا أملك سفينة أملك الخيال». نعم تفقد الأشياء سحرها إذا بقيت متاحة طوال الوقت أمامك. «هنا في هذه الحجرة بعض حياتي»، قال لي وهو يفتح باب غرفة جانبية، بدت لي متحفًا صغيرًا، آلاف الصّور احتفظ بها الجادرجي عن بغداد وعمارتها، فهو المهندس والمصوّر والفيلسوف، كان يعرف بدقّة زوايا الرؤية لكأنّه وثّق لبغداده بعين مبدع وعقل فيلسوف. من هذه الصّوَر يمكن أن يكتب فالح عبد الجبار عالم الاجتماع العراقي مجلدات عن تاريخ بغداد الاجتماعي لوفرتها وتعدد مستوياتها وأشكالها. وأيضًا لفالح حكايات في حياتي فهو كان جاري في بيروت، غادر بغداد مبكّرًا إلى جبال كردستان ومنها إلى بيروت ثم إلى لندن برفقة زوجته الناقدة فاطمة المحسن، ومات أمام الكاميرا وهو يتحدّث عن الأمل في العراق المقبل... حملت فاطمة جثمانه إلى لندن، ومن هناك تكتب عن مخزون العراق وعن أشواقها.
لندن بيت العراقيين. عراقيون آخرون التقيت بهم في مدن العالم، فكنت عراقيًّا.. ولكلٍّ دفتره وقلمه...
 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث