في أقل من أسبوع، شهدت دمشق حدثين ثقافيين نستطيع وضعهما تحت عنوان واحد: الترميم. ففي 19 أيلول/سبتمبر، عاد مسرح الحمراء إلى العمل بعد أكثر من ثمانية أشهر من أعمال التأهيل، بجهود وتبرعات أهلية. ومع إعادة افتتاحه، أُعلن أيضاً الاستعداد للبدء بترميم مسرح القباني، ضمن حديث عن إعادة تأهيل مسارح أخرى في دمشق والمحافظات.
وفي اليوم التالي، افتُتح غاليري مرسم الفنان فاتح المدرّس في ساحة النجمة، بعد ترميمه وإعادة تأهيله، بجهود مشتركة بين وزارة الثقافة ومؤسسة دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية، ليعود المكان الذي ارتبط بأحد أبرز الفنانين التشكيليين السوريين إلى المشهد الثقافي من جديد. وكان مشروع إعادة تأهيل المرسَم قد أُطلق تحت عنوان "ترميم الذاكرة التشكيلية السورية".
قد تبدو هذه الأخبار عن مسرح يعود إلى خشبته، ومرسم تُفتح أبوابه من جديد، جافة، ومحددة بأبنية ثقافية تحتاج الصيانة. لكن كلمة "الترميم" تظهر هنا أوسع من إصلاح الجدران والكواليس والمقاعد أو إعادة ترتيب مساحة فنية. إذ ثمة شيء آخر يجري ترميمه: الذاكرة.
تاريخ الحيز الثقافي قد يبدأ من لحظة افتتاحه، لكنه لا ينتهي حين يغلق أبوابه. تتراكم فيه السنوات، والعروض، واللوحات، والأصوات، والوجوه، والأنفاس. هناك أشخاص يدخلونه ويغادرونه، ولا بد أنهم يتركون وراءهم شيئاً لا يظهر في توصيفه. وحين يعود بعد سنوات من الإغلاق أو الإهمال، فإن ما يعود معه هو جزء من الحكاية التي ارتبطت به.
لكن ماذا عن الأمكنة التي لم تعد موجودة؟ هذا السؤال يقود إلى أماكن أخرى في دمشق، أقل وضوحاً في الخرائط الرسمية للثقافة. مقاهٍ وأندية لم تُصمَّم بوصفها مؤسسات ثقافية، لكنها تحولت في لحظة ما إلى أماكن أساسية للقاء الكتّاب، والفنانين، والمسرحيين، والصحافيين. أماكن كانت الحياة الثقافية تجري فيها على نحو يومي، من دون برنامج معلن أو إدارة ثقافية أو ملصق على الباب.
في التسعينيات تحديداً، كان لهذه الأماكن معنى خاص.
كان جيل كامل يبحث عن فرصه، مثل العمل بعد التخرج، أو النشر في الصحف والمجلات المحلية أو العربية، وكذلك فرصة الظهور، وإيصال الصوت. ذلك كله حدث في بلد تضيق فيه مساحات العمل العام، وتخضع فيه فرص كثيرة لشروط تتجاوز المهنة والموهبة. حتى الطريق إلى العمل في التلفزيون الرسمي أو أي مؤسسات تابعة للدولة، قد يصطدم بصعوبة الحصول على الموافقة الأمنية، لمن لا يحوزون على رضى الأجهزة.
في مثل هذا المناخ، اكتسب المقهى وظيفة تتجاوز كونه مقهى. كان مكاناً للقاء الآخرين. وعلى طاولات هذه المقاهي، نشأت صداقات وعلاقات عاطفية ومشاريع ثقافية، وتبادل الناس نصوصهم وأفكارهم وأخبارهم. بعض ما بدأ هناك بقي عابراً، وبعضه تحول جزءاً من حياة أصحابه.
تستذكر سوزان المحمود، مع شهادات من عاشوا المرحلة، تاريخ المقاهي الدمشقية في تحقيق نشرته "المدن" قبل عامين. ومن بين تلك الأمكنة، يحتفظ كثيرون بوقائع وذاكرة خصبة عن النادي العمالي في شارع 29 أيار، ونادي الرواق في طلعة العفيف، ومقهى اللاتيرنا في بوابة الصالحية، وبار فريدي في شارع العابد. أسماء ارتبطت بذاكرة ذلك الجيل، وبشبكة من التفاصيل التي تحتاج اليوم أن تُستعاد قبل أن تختفي من الذاكرة نفسها.
وهنا يصبح الفرق واضحاً، بين مسرح الحمراء أو مرسم فاتح المدرّس، وبين المقهى، إذ يمكن فقط أن نحاول إعادة خلقه على الورق، من خلال البحث عن عنوانه، والتنقيب في الأرشيفات الشخصية والعامة عن صوره، وصولاً إلى ذِكر رواده، وأن نسأل الذين جلسوا فيه عمّن أتاه؟ وأين جلس؟ وماذا حدث فيه؟ ومَن تعرّف إلى مَن؟ ومَن تشاجر فيه؟ وما الذي بقي من تلك اللقاءات؟
الكتابة التي يستدعيها ترميم المكان الثقافي تمتد إلى تفاصيل اختفت، من دون أن تتحول إلى استعادة نوستالجية للتسعينيات. المطلوب هنا أقرب إلى توثيق مرحلة من الحياة الثقافية، وفهم الشبكات التي تشكلت حول هذه الأماكن، والبحث في الدور الذي أدته في إنتاج الثقافة وتداولها.
وهذا يفتح الباب أمام مشاريع تتجاوز المقالات الفردية. كإعداد خريطة رقمية للأمكنة الثقافية التي اختفت من دمشق، تتضمن مواقعها وصورها وتواريخها وأسماء أبرز روادها، وربط كل مكان بالشهادات والمواد الصحافية والصور المتوافرة عنه. لتتحول هذه الخريطة إلى أرشيف مفتوح يضاف إليه تدريجياً ما يظهر من وثائق وشهادات جديدة.
ويمكن أيضاً إطلاق بحث لجمع شهادات الذين ارتبطوا بهذه الأماكن: كتّاب، مسرحيون، فنانون، صحافيون ورواد عاديون. فشهادة قصيرة عن مقهى أو نادٍ قد تكشف تفاصيل لا تظهر في أرشيف المؤسسات، خصوصاً ما يتعلق بالعلاقات التي نشأت هناك، والكتب والمشاريع التي نوقشت، والأشخاص الذين التقوا فيه للمرة الأولى.
وهناك مشروع آخر ممكن: إعادة بناء البرنامج الثقافي للمدينة في تلك الفترة من خلال الصحف، والمجلات، والإعلانات، والصور. عندها، لا يعود البحث عن المكان منفصلاً عن البحث في الحياة الثقافية التي جرت حوله.
أما الأماكن التي ما زالت قائمة، فهي تقتضي بالضرورة وضع لوحات تعريفية أو أرشيف صغير داخلها يوثق تاريخها، بحيث تصبح حاملةً لذاكرتها. وما جرى مع بعض المسارح والمراسم يتوسع ليشمل أماكن أقل وضوحاً في الخريطة الثقافية.
بهذا المعنى، يتحول الترميم إلى سياق أوسع لاستعادة الذاكرة الثقافية للمدينة، فأسماء مثل النادي العمالي، ونادي الرواق، واللاتيرنا وفريدي، جزء من تاريخ يحتاج أن يُبحث فيه، لا مجرد أسماء تتناقلها ذاكرة من عاش تلك المرحلة. فكل من هذه الأماكن يمكن أن يفتح باباً على أشخاص وكتب وعلاقات وتجارب يصعب الوصول إليها من خلال أرشيف المؤسسات وحده.
والوقت هنا مهم. فكما تغيرت الأمكنة، وتفرقت الوثائق حولها، تتراجع الذاكرة الشخصية مع مرور السنوات. وكلما تأخر البحث، أصبح جمع التفاصيل أصعب. لذلك ربما تكون الاستعادة الآن، وهي ما زالت حاضرة في ذاكرة بعض ممن عاشوا تجربتها، أفضل طريقة للحفاظ على جزء من تاريخ دمشق الثقافي.




