الراديو...صورة مصغرة للذكاء الاصطناعي

محمد حجيريالأربعاء 2026/09/30
راديو قديم
حجم الخط
مشاركة عبر

قال الروائي المصري النوبلي نجيب محفوظ في حديث صحافي: "ظهور الراديو كان سحراً، وقتما ظهر الراديو كان شيئاً مذهلاً، وكان من آثار ظهوره الحاسمة في العام 1934 أن أخذت مسارح روض الفرج في التلاشي والاندثار تماماً، إذ قدمت الإذاعة الأوبرا والأوبريتات القديمة، فاكتفى الناس بسماعها في الراديو". 

 

ويتجلى أثر الراديو أكثر في رواية محفوظ "زقاق المدق" التي صدرت العام 1946، وقدَّم فيها محفوظ صورةً حية للمجتمع المصري أثناء الحرب العالمية الثانية، ممثَّلًا في زقاق المدق، الواقع في حارة الصنادقية بمنطقة الحسين، فجاء وصفه دقيقًا وحقيقيًّا ومُعبرًا عن الزقاق الذي كان مسرحًا للكثير من الأحداث المتداخلة لسكانه؛ ومنهم "حميدة" التي جاءت شخصيتُها مُناقِضةً لاسمها، فهي ناقمةٌ على حياة الزقاق وتَتُوق إلى الخروج منه ومُواكَبة المدنية والحياة الفارهة، حتى إن كان ذلك مقابل أن تعمل مُومسًا. وهناك القَوادُ "فرج" الذي جاء اسمه توظيفًا لدوره، فهو الانفراجة التي ستُخرِج "حميدة" من كرب الزقاق إلى رغد الحياة، و"البوشي" الذي يَنبش مقابرَ الأثرياء علَّه يجد فيها ما ينفعه، والدكتورُ "زيطة" الذي يقوم بعملِ عاهاتٍ جسدية تساعد المتسوِّلين في تسوُّلهم. وفي مقابل هذه الشخصيات، نرى شخصية "رضوان الحسيني"، رمز النقاء والفضيلة وطاقة النور والمُحافِظ على توازن القِيَم في الزقاق. والمعلم "كرشه" صاحب مقهى كرشه. 

 

وسط هذه الأجواء، كان الحكواتي الركن الأساسي المقهى، لكنه يُطرد منه حين يشتري المعلم كرشه جهاز راديو ويضعه فيه، وهذا إشارة إلى تبدّل الأحوال في النسيج الاجتماعي والثقافي، وإشارة إلى واقع دخول ثورة الميدياء في المجتمع، صار الراديو بديلاً عن الإنسان في الكثير من المواقف، يصغي الناس إليه كما لو أنه "حكواتي العصر".

 

عاش الراديو عصره الذهبي خلال الفترة بين عشرينيات وخمسينيات القرن الفائت، وشكّل حينها ظاهرة اجتماعية. وحتى لا ندخل في عصر خُطب عبد الناصر، أو خميس أغاني أم كلثوم، يمكننا القول إن انتهاء زمن الراديو بدأ يخفت في معظم المجتمعات مع بدء انتشار التلفاز وتألقه. وقال نورمان كورين، الكاتب والمنتج والمخرج الإذاعي، بأسف، إن عصر الراديو الأكثر إبداعًا "كان أقصر عصر ذهبي في التاريخ". اليوم، تبدلت أنماط الاستماع على مختلف الصعد، وصار الراديو من أدوات الأنتيكا، وأثره في إزالة وظيفة حكواتي المقهى يجعلنا نقول إنه مرآة مصغرة لعالم الذكاء الاصطناعي.

 

بعد الراديو، تحدّث النقاد كثيراً عن أثر التلفزيون، وقد سماه المسرحي سعدالله ونوس "العلبة العجيبة". تململ الكتّاب كثيراً من أثره في القراءة والجمهور، وتسارعت اختراعات الوسائط إلى أن وصلنا إلى الشبكة العنكبوتية والهاتف الذكي ونتفليكس ويوتيوب والكتاب الإلكتروني وسكايب ومسنجر وريلز. صار فلاش الذاكرة يمكن أن يحمل مكتبة من آلاف الكتب، وبات سؤالنا: ماذا سنفعل بكل هذه الكتب في مكتباتنا، والذروة تجلّت في انفجار الذكاء الاصطناعي والروبوتات والخطر على الوظائف والمهن و"التقدم نحو الكارثة"(بلال خبيز). 

 

لا مفرّ من تبدّل الوظائف في زمن الذكاء الاصطناعي. في زمن الانترنت، الجريدة الورقية شبه اختفت من المكتبات والأكشاك والمقاهي. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تحدثني الناشرة فاطمة بيضون أن "بعض شركات الترجمة في لبنان تخلّى عن المترجمين، واكتفى بالاستعانة بمحرّر يرتب بعض الأخطاء القليلة التي يقع فهي مُترجم الذكاء الاصطناعي. وبعض الصحافيين ينشر مقالة واحدة بثماني لغات عبر ترجمات الذكاء، وهكذا.. ومع ذلك ما زال للكتاب الورقي جمهوره، وهذا برأيي يرتبط بالعناوين".

 

كثرٌ بدأوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الأفلام والكتابة ومجالات أخرى. وكُتبت ومقالات وأبحاث كثيرة تتحدث عن مخاطر استعماله في الكتب، ذلك أن الكتابة تفقد جوهرها الروحي، وهذا ما يذكرنا بمقولة الفيلسوف فالتر بنيامين قبل عقود، إذ تبين له في مقالته "العمل الفني في عصر الاستنساخ التقني" أن الفن الذي يمكن استنساخه بأي كم وبأية كيفية، يفقد هالته، أي جاذبيته وسحره وقيمته وطابعه الخاص وعبقه. والسؤال: ماذا بعد؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث