في النص القصير الذي كتبه سراج الورفلي لكتاب "ألبوم ليبيا: صور وحكايا من ليبيا"، الذي أصدرته آريتي للثقافة والفنون العام 2023، يقول إنه وُلد من "نساء عظيمات عجائز مزركشات بالزغاريد والحناء"، يمررن التاريخ الحقيقي للعالم من جيل إلى جيل دون أن يجملن النهايات، علّمنه الشعر والغزل والموت واقفاً: "كبرياؤهن يجعلهن يمتن وحيدات، لن تكتشف جروحهن إلا بعد أن يختفين تماماً، لا يمكن أن تراهن منهارات". وفي حديثه معي يقول إنه كان محظوظاً بامتلاكه جيشاً حقيقياً من الجدات. نشأ في بيت فيه أربع جدات، بينهن جدة أمه، فاكتشف باكراً هذا العالم الأسطوري: "كنت محمياً طوال أربع وعشرين ساعة من الضجر والحزن والقسوة، وكنّ يلقنّني الخدع والضحك والأسرار". لم يتلقَّ منهن الشعر بمعناه اللغوي، كما يقول، وإنما تلقاه كروح، كإنجاز يومي لكل ما هو عادي وهامشي. كنّ حليفاته الحقيقيات في هذا العالم: "من فجائع الحياة أني راقبتهن وهن يرحلن واحدة تلو الأخرى، حتى آخر واحدة منهن، وشعرت بأني للمرة الأولى سأواجه هذه الحياة بلا آلهة".
في ديوانه الأحدث "لم تنقذنا الحرب من الملل"، يطبق سراج دروس الجدات جيداً، فيمنحنا رؤية مختلفة للحياة في زمن الحرب، بلغة واعية تلتقط أدق التفاصيل، ومفردات نابضة بالحياة، محمّلة بالأسى أحياناً، وساخرة وغاضبة في كثير من الأحيان. يعي دوره في تمرير التاريخ فيكتب عن العاديين المهملين الذين أنهكهم الكلام والصمت، الضائعين في هذا الجزء البائس من العالم: "قطيع الضياع.../ كل الرصاصات أصابتنا/ كل الميتات نحن". لا يكتب الحرب من خارجها، ولا يتعامل معها بوصفها حدثاً استثنائياً. الحرب هنا فقدت شيئاً من قدرتها على الإدهاش بل أصبحت مدهشة من فرط عاديتها؛ يكتبها بعدما صارت عادة يومية، تبعث على الملل أكثر مما تثير الرثاء. يقدم في المجمل نظرة مغايرة للحب والحرب والجنس والصداقة والشعر، وحتى للموت؛ نظرة لا تحركها العدمية بقدر ما يحركها الملل والكثير من الغضب.
هنا حوارنا معه، فتحدث لـ"المدن" عن الديوان وأشياء أخرى..
- بعد ديوانك الأول "خمسة توابيت لستة رجال" عام 2018، توالى صدور أعمالك سنوياً حتى 2021. لذا يمكن القول إن ديوان "لم تنقذنا الحرب من الملل" الذي صدر قبل أيام، جاء بعد توقف طويل نسبياً. ماذا حدث خلال هذه السنوات، ولماذا طال الغياب؟
ما حدث أني كنت مخلصاً للحرب أكثر من القتلى والخونة والعملاء. كنت أكتب كناجٍ منها، أو بالكاد، وظننت أن ذلك سيجعلني أنجو حقاً. لكن ما حدث هو أني بدأت أصاب بالسأم.
الحروب في هذه المنطقة، بدلاً من أن تجعلنا نعيد التفكير في تعريفاتنا وتصفية حساباتنا القديمة مع الحياة والموت، سحبت كل معنى من الحياة والموت معاً. صار كل شيء بلا طائل ولا جدوى. أردت أن أختم علاقتي مع الحرب بهذا الديوان.
- متى بدأت التفكير في هذا الديوان؟ وكم استغرق منك إنجازه؟
لا أفكر عادة في هذه الأمور كثيراً. أكتب متى شعرتُ برغبة في الكتابة، من دون التباهي بالخطط والاستراتيجيات، لأني شخص كسول، وعلاقتي بالكتابة ليست معرفة لديّ. أحياناً تظهر كرغبة جنسية، وأحياناً كمرض، وأحياناً كحكة عابرة. لا أعتقد أن أحداً عاش الحرب كممارسة يومية يمكنه أن يتخلص منها طوال حياته. ستبقى دائماً عالقة في خلفية كل ما سينظر إليه.
وبهذا يمكننا القول، بسهولة بالغة، إن أحداً لا ينجو من الحرب طالما عاشها، مثلما أن أحداً لا ينجو من الموت طالما وُلد.
- في نصوصك الأقدم نلمح طيف الحب والرومانسية، اختفى ذلك كله الآن وأفسح مكانه للغضب الذي يسيطر على الديوان الجديد بالكامل...ما الذي تغير؟
لم يتغير شيء. ما زلت لا أفرق بين الحب والحرب. كلاهما مجزرة روحية هائلة، وكلاهما يجعلك تلهث خلف النجاة. فالحب نفسه يشبه يوم هدنة لجندي مهزوم. ربما شعرت بأني فشلت في التفاوض مع الحرب، فأردت أن أمزق عقود اتفاقي معها، وأن أشطب كل البنود التي بيننا.
- تقول في الديوان: "لا أعوّل على الشعر في شيء/ إنه أداة هدم/ خرابي العظيم". وتقول أيضاً: "لماذا يبدو هشاً بهذا الشكل المفجع؟!". لكنك لا تتوقف عن مدحه في مواضع أخرى. كيف تفسر تلك العلاقة الملتبسة مع الشعر؟
لا أفهمها، وأدركت في الوقت نفسه، بعد مدة، بأني لا أرغب في فهمها. ربما علاقتي مع الشعر تشبه إلى حد كبير علاقتي مع نفسي، تشبه علاقة الوجه مع انعكاسه في مرآة مكسورة. هل تجميع تلك الشظايا يعطي فهماً حقيقياً للوجه؟ لا أعرف.
لم أراهن بكل شيء من أجل الشعر، ومع ذلك ليس لدي ما أعطيه وما أبقيه.
- لنوسع المسألة قليلاً.. في رأيك، هل الشعر في أزمة؟ وأين تكمن إن وُجدت: في الكتابة، أم النشر، أم النقد، أم في مكان آخر؟
الشعر، كأي نوع فني، لا يمكن إلا أن يكون في أزمة، بل إن الأزمة هي أحد مكوناته الأساسية. هذا من الناحية الوجودية. أما ما أشرت إليه من النشر والنقد، فهي مشاكل تافهة، مثل مشاكلنا في العالم الثالث مع البنية التحتية والعدالة الاجتماعية. هناك ركاكة وغباء غير مبررين. إنها أدوات مهزومة، مسلوبة الحرية تماماً، تحتكم في النهاية إلى لغة السوق.
- لماذا، في رأيك، جرى استدعاء الشعر القديم في الثورات العربية الأخيرة؟ وهل تأخر إنتاج الشعراء الجدد رغم ما يقال عن كون القصيدة أسرع الفنون في مواكبة الحدث الجاري؟
الأذُن العربية لديها إرث ثقيل من الشعر المقفى، ونحن كعرب لا نبرح نتحدث دائماً عن جودة الأزمنة السابقة مقارنة بالأزمنة اللاحقة. التاريخ الرسمي لأي دولة، تاريخ سيئ وغير مبهر، لأنه لا يعرف سوى ثنائية الانتصار والهزيمة، وهو انتقائي بشكل مفجع.
الشعر الحداثي لا يهتم بالرايات والعائلات العريقة، إنه صوت المهمشين والمسحوقين، الذين سيدفعون الثمن دائماً مهما كانت النتيجة. لذلك فهو شعر مرفوض من الجهات الأكاديمية، لأنه يعرف أن الرايات المرفوعة ليست سوى خوازيق مقلوبة.
- جرّبتَ الرواية مرة واحدة. ما الذي دفعك إلى خوض هذه التجربة؟ وما المختلف في كتابة الرواية عن كتابة الشعر؟ وهل يمكن أن تتكرر التجربة قريباً؟
أحب التجريب عادة. والشعر، بعادته، يعتمد على الضربات السريعة، مثل البروق وألم الأسنان، على الاختصار الممنهج الذي يمنحه لغة فريدة مشحونة ودائمة التوتر. لذلك فنَفَسي في الكتابة كل مرة يصير أقصر، حتى صرت أفضل الفراغ الذي بين الكلمات عن الكلمات نفسها.
الرواية تجربة ممتعة، حرب طويلة مع كل ما تظنه أنت، ومناورات وتكتيكات ومجازفات غير محسوبة النتائج. ورغم أن تجربتي الأولى لم تتعدَّ الركاكة، فإن متعة ذلك وألمه كانا أطول. لذلك نعم، سأكرر التجربة، حتى بمعرفتي السيئة مسبقاً.
- لا أعرف إن كان من السهل أن نتحدث عن المشهد الثقافي في ليبيا الآن، في ظل ما مرت به البلاد. لكنك ربما تكون خير من يحدثنا عنه: كيف تراه اليوم؟
في الحقيقة، أنا لا أعرف، وأنا حتى لست مهموماً بهذه الأمور. ليس المشهد الثقافي في ليبيا فحسب، بل بأمور الشعر كلها. لا يهمني ماضيه ولا حاضره ولا مستقبله، إن كان له مستقبل. أنا أكتب لأني لا أستطيع أن أقتل.
- كيف تنظر للتعامل النقدي مع أعمالك؟ وكيف ترى المشهد النقدي بشكل عام؟
كوني قارئاً عشوائياً، صادفني في بداياتي بعض كتب النقد عن الشعر بالعربية، وحمدت الله أني امتلكت الجرأة على الكتابة قبل أن أقرأ تلك الكتابات. كتابات مملة وكلاسيكية، تجعلك تترنح بين التثاؤب والتقيؤ. محاكمات ومحاولات صبيانية للتأطير، ونحو، ولغة خشبية وأكاديمية تدعي المهارة لمجرد أنها تجلب التعقيد غير المبرّر، حتى إنك لا تجد الشعر ككلمة أسطورية يومية لها علاقة بالشعور.
أحب النقد الذي يقوده رولان بارت وجورج باتاي وأندريه جيد. أحب هؤلاء لقدرتهم على الاحتكاك بمجاورات الأدب، من دون محاكمات وأحكام ساذجة.
- طبعت أول دواوينك في القاهرة. متى بدأت علاقتك مع المدينة وكيف نمت وتطورت؟
نعم، أول دواويني كان من عند دار "هن"، بدعم وحب كبيرين من الشاعر والمترجم المصري الكبير المرحوم محمد عيد، والروائي رجائي موسى. ثم بدأت زيارة القاهرة في المعارض.
لا أعرف كيف أصف علاقتي بمدينة بحجم القاهرة. أظن أنه ليست هناك قاهرة واحدة، بل "قواهر" متعددة داخل القاهرة، إن صح جمعها، وكل جزء منها يمكنه أن يستوعب الكل. هذه معضلة المدن الكبيرة والعريقة، مأساتها وجمالها. سأبقى دائماً أستكشف القاهرة، إلى النهاية.
لا نهاية للقاهرة، لا قرار لها. إنها مدينة أبدية في كل لحظة.
- فزتَ بجائزة "عفيفي مطر"، وجائزة "سيكلما" للثقافة والفنون الليبية. ما الذي تمثله لك الجوائز؟
نعم، كنت محظوظاً بهاتين الجائزتين، خصوصاً أنهما كانتا في بدايتي. "سيكلما" أعطتني ليبيا، و"عفيفي مطر" أعطاني الوطن العربي. أقصد أنهما اختصرتا عليّ طرقاً كثيرة.
-تسمح وسائل التواصل الآن بالعلاقة المباشرة وتلقي رد الفعل الفوري من القارئ... كيف تتعامل معها ومتى تفكر في القارئ؟
لا أفكر في القارئ. فلو فعلت ذلك في بلد مثل ليبيا، لتوقفتُ منذ زمن عن الكتابة، وصرت أكتب رسائل المراهقين. أنا لا أكتب للجميع، وليس في قاموسي شيء اسمه الأدب الملتزم والأدب غير الملتزم. ووسائل التواصل اليوم، رغم كل الانتقادات، حررت الفن من سطوة قنوات الدولة. أتعامل معها ككشكول فعلي: أخربش وأشطب وأحذف الأصدقاء الذين لا تعجبهم كتاباتي. قد أقبل أصدقاء لا تعجبهم كتاباتي في العالم الواقعي، لكن في العالم التخيلي أبداً لا يمكنني ذلك.
- ما الجديد لديك ومتى يصدر؟
من مدة فزت بمنحة للرواية الليبية تقدمها مؤسسة أريتي للفنون، التي يديرها الشاعر والمترجم د.خالد مطاوع. وهي محاولتي الثانية في الرواية، لكني كسول وهش بشكل مفجع، يا صديقي. أجد صعوبة في لملمتي وتكويمي قرب الحفرة التي أريد دخولها. وقد قدم لي الدكتور خالد كل ما يمكن تقديمه من المساعدة، ولأجل ذلك أنا عازم على إنهائها قريباً. وهي في الحقيقة قريبة جداً من نهايتها، لولا أني لا أعرف ماذا تعني كلمة "قريباً" بالضبط بالنسبة إلي.
***
سراج الدين الورفلي:
شاعر وروائي ليبي، تُرجم بعض أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والكردية، وحاز جوائز عديدة، أبرزها المركز الأول في مسابقة سيكلما للشعر بليبيا (2017)، والمركز الأول في جائزة عفيفي مطر للشعر بمصر (2018). صدرت له دواوين: "خمسة توابيت لستة رجال"(2018)، "كاريزما الموت"(2019)، "أراقب رامبرانت ثم أصغي إلى زوال الأشياء"(2020).
له رواية بعنوان "جاييرا"(2021). ونشرت قصائده في أنطولوجيا أهم الأصوات العربية الشابة "كم رئة للساحل"(2020). "لم تنقذنا الحرب من الملل" أحدث دواوينه وصدر مؤخراً عن "وزيز".




