جيش من نمل

بثينة سليمانالثلاثاء 2026/09/29
بريشة ناصر عجمي
بريشة ناصر عجمي
حجم الخط
مشاركة عبر
  1. في متن الوقت

في الماضي، لما كنا أصغر، كنا نحب حياتنا بلا حساب، وكنا نستخدم الغد كي نحل مشاكلنا، وكان لنا كل الوقت كي نمحو آثار حب ونصنع حبًا جديدًا. كانت حسابات الربح والخسارة دائمًا معقولة. في المتن وفي الهامش من الأيام، ذبنا نذوب ألمًا وعذابًا، عافرنا الألم كأنّه لن ينتهي. اخترنا هيئاتنا التي نريد أن نكون عليها، وبنينا شبكة صداقات واسعة. تركنا الخيال جانبًا، وجعلنا حياتنا واقعًا، مثل حجارة الرصيف، أشدّاء أقوياء ثابتين قادرين، نريد أن نغيّر العالم ونغير قوانين السماء ونبدل ترتيب الفصول. آمنّا بقوةٍ بأننا أقوياء، قاومنا وقاتلنا، مشينا، أحببنا، اخترنا، فكّرنا، عصَرنا تفكيرنا، واصلنا سهر الليل إلى انبلاج الضوء، ورسمنا خطط خمسين عاماً مقبلة، وقبضنا على حياة ظننا أنها الأبد.

 

ثم كرّت سنوات كأنها ضوئية، في المخيّلة تتداعى صورنا ناقصة باهتة بعيدة، خلفنا أشجار ماتت من عطش، حولنا طيور ما عادت تهاجر وسط أصدقاء لا نتذكر أسماءهم، فوقنا ركام، أمامنا قبور يلمع رخامها. صور غطتها الدموع، زواج سعيد، زوج عنيف، سوار من ذهب في معصم، شاطئ واسع ويد ترسم فوق الرمل. صور كثيرة نستعيدها، وغيرها يأتي على غفلة ولا نحب استحضاره.

 

أما الآن ــ وقد أنجزنا سنوات كثيرة بحلوها ومرّهاــ فقد وضعنا سفينة الحياة فوق جبل السلامة ولمّا نتنبّه إلى براكين نائمة تنتظر كي تلهو بنا وبأقدارنا. حين ذهبت إليك، وتصرفت عكس قوانين العلاقات للمرة الأخيرة، رأيتك هادئًا ثابتًا كظاهر الأشياء المنضبطة. لم أكن أبحث عنك، جئتني من طرف حياة، ومن رماد أيام تالفة. تقف أمامي، أطراف أصابعك تلامس كتفي العاري وأنا أعاين فرق الطول بيننا، أحاول أن أحفظ كل تفصيل فيك لأن اللحظة ذاهبة ونحن ذاهبون.

وأنت تعرف البقية الباقية ….

 

  1. هذا الصباح

أحضَرَتْ قطةُ منزلنا السمينة، غنيمةً، ووضعتها وسط غرفة المعيشة. صرخت أمي وصرختُ أنا قبل أن نتبيّن ما هي هذه الغنيمة، كانت فرخَ عصفور دوريّ عالق بين فكّي قطتنا الشقية. اقتربتُ منها، لم أتردد لحظة في انتزاع المسكين بيدي وإبعاده عنها. لم يُبدِ الفرخ أي حركة وتنازلت عنه قطتنا الشرهة بلا مقاومة، فهي لا تريد أن تأكله فقد أحضرته هدية لأهل البيت. وجدتُ جرحًا في رأسه الصغيرة، وضعت له مطهرًا كحوليًا فانتفض، كان انتفاضه مؤشرًا جيدًا على وضعه.

 

حملته إلى الشرفة ووضعته على الطاولة أمامي بينما فيروز تغني النسيم الذي هب عليها. ظلّ أمامي على الطاولة من دون حراك، وأنا أفكر في مصيره، وأين يتوجب عليَّ تركه لتكون له فرصة نجاة. 

 

كان خياري أن أذهب به بعيدًا بين القش خارج سور بيتنا، لأن القطط الزائرة كثيرة. بيني وبين نفسي قلت إنه لن ينجوَ بعين مغمضة وجرح في الرأس. رغبتُ في مساعدته لأنه الكائن الذي أدين له بتلمّسي الجمال، مشاهدةً واستماعًا وفهمًا للحب والأمومة والأبوة لاحقًا، ثم رأيته يندفع محلقًا بجناحيه الصغيرين، وبرشاقة اجتاز المسافة داخل بيتنا إلى الشرفة المقابلة وانطلق نحو حريته. كانت النهاية سعيدة، حين أطلقت فكرة وجودك من حياتي.

 

  1. جيش من نمل

في أيام الشتاء، حين تفيض المزاريب وتغرق الأرض بماء بارد عذب، كانت أصابع قدميّ ويديّ تتورّم وتسبب لي ألمًا عظيمًا. أنتظر لحظة توقف المطر وسطوع الشمس كي أخفف عذابي. وما إن يجفّ ظاهر الأرض حتى تبدأ رحلة المشاهدة.

 

بعينين صافيتين وقلب صغير يعشق الأرض ويذوب فيها، أبحث عن بيوت النمل، أراقبها، أراقب خطًا طويًلا يسير في تعرجات الأرض حاملًا الحَبّ أو القش. أتبع الجيش الصغير حتى أجد فتحات بيوتها الصغيرة. الشمس تعني إخراج الحَبّ الرطب لتجفيفه، إخراج الموتى من النمل. حركة لا تنتهي ولا ينتهي معها شغفي بمراقبتها. أتركها لحياتها وأعود لألمي. أنتظر نهاية الشتاء كي يزول الورم ويتوقف الألم. ما عشت يومًا غير هذه الحياة. الشمس تخلّصني كل صباح مما فات، لولاها لأكلتني الأورام وقضى الألم على روحي. وأنت الذي أريدك شمسًا في حياتي تغلق، كل يوم، ألف باب، تترك البرد بين أصابعي، لا أنت طعامي ولا أنت موتي. مثل جيش نمل، تعبر أمامي.

 

  1. تقاعد

‎في الصيف أعاود سيرة ابنة السادسة عشرة. أمسك بخرطوم الماء وأرش الجدران والدرج، أحرص على جعل الماء ينطلق سريعًا، أضغط بإصبعي على فم الخرطوم فيندفع الماء جارفًا كل ما في الزوايا والأرض، مدخل البيت، البوابات المتهالكة بفعل الحروب والزمن، جذع شجرتي الحبيبية، ياسمينة أختي، ومستوعب النفايات الأحمر. أرش شبابيك البيوت الأرضية التي لم يسكنها أحد.

 

قطان صغيران يراقبانني، عمرهما بضعة أشهر، ألقي عليهما التحية وأرى أمّهما من بعيد في استراحة تشبه استراحتي من ولدَيّ. تندفع الأفكار العالقة في رأسي مع الماء. تخرج كلماتٍ وصوراً، حيث العين تتتبع مجرى الماء، وعقلي يتتبع مآل القلب وشجون الحال والحياة. كنت معي طوال رحلتي في رشق الماء وإحياء الجدران وجعل الأرض منعشة لأقدام القطط الصغيرة. الماء يحكي كل شيء ويزيل العوالق عن كل شيء. حمّام سريع يخلصني من العرق والغبار والتعب. أجلس في الشرفة الصغيرة وأرفع ساقيَّ أمامي حاسرتين، انشغل بصورة هذا العالم. أجد أن العالم المثالي من اختراعنا، أما التقاعد فليس هناك من تقاعد مثالي أكثر مما يفعله المحبون بنا، وما نفعله نحن في هذه الحياة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث