عن رحيل الشاعر تمام هنيدي

بشير البكر الاثنين 2026/09/28
تمام هنيدي
لم يكن تمام من مطاردي الشهرة ومهرجانات الشعر والترجمة
حجم الخط
مشاركة عبر
رحل الشاعر السوري تمام هنيدي في السويد في بدايات شهر آب الماضي. كانت أخباره قد انقطعت منذ أن أعلن، قبل أشهر، دخوله في مواجهة مع داء السرطان اللعين، ثم اغلق حسابه على فيسبوك، وكأنه أراد أن يتفرغ لهذه المعركة غير المتكافئة مع الوحش الذي داهمه فجأة، وأخذ يفتك بجسده من دون أن يأبه لروحه الجميلة، ولا للحزن الذي سيخلفه وراءه لدى عائلته ومحبيه، وأصدقائه الذين رثوه بكثرة.
 
كان تمام شجاعاً في لحظة تلقيه نبأ الإصابة، فدخل المواجهة برباطة جأش من يرفض الاستسلام، مهما كانت النتائج. لم يكن أمامه خياراً آخر سوى استنفار كل طاقاته في لحظة وجودية كهذه، ولذلك قرر أن يتفرغ لها وحدها، لكنها، مع الأسف، انتهت في غير صالحه، فرحل بصمت، كما عاش بلا ضجيج.
 
مات بعيداً من بلاده وأهله، كما عاش عندما خرج من سوريا، حين قرر الهجرة إلى السويد البعيدة، فيما كان أبناء جيله ورفاق مرحلته من الشعراء يحطون في أماكن أقرب في أوروبا. كأن النأي له علاقة بالنفس الشعري، وبقدر المرارة التي تصيب الكائن، حين يقرر أن يغادر مكانه.
 
 ربما كان الحزن الشديد على ما آل إليه حال البلد هو الذي دفعه إلى شد الرحال نحو ذلك المكان البعيد، الفقير بالضوء، وقد يكون حدس الشاعر، وفطرة الشعر هما اللذان قاداه إلى تلك البلاد التي لا تشبه مسقط رأسه في شيء. لا الجغرافيا، ولا البشر، ولا القصيدة. وفي خيار النأي هذا قدر لا يُستهان به من ترفّع الكائن واستقامته، حين يذهب بعيداً في المكان، كأنه يوسع مدى الألم الذي يسكنه. يرحل بعيداً كي تكتمل أركان العزلة، على مذهب المتصوفة الأوائل الذين كانوا يذهبون بالتجربة إلى أقصاها، ليصلوا الذروة في النقطة القصوى، فيمدون الزمان والمكان على استقامتهما نحو المطلق.
 
لم يكن تمام من مطاردي الشهرة ومهرجانات الشعر والترجمة، بل كان منصرفاً إلى قصيدته أكثر، لكنه لم يكن مهووسا بتزيينها، بل تركها على سجيتها، فكتب شعراً كما لو أنه يعتني بحديقة خاصة مفتوحة على المارة. لم يسمح للأعشاب الضارة أن تنمو فيها، بل جعلها مشاعاً، مثل من يزرع لنفسه وللآخرين. فجاءت قصيدته شبيهة بحياته، التي مرت سريعا وسط صخب وضجيج، لم يمهلا موهبته كي تكبر في مكان واحد، فتنقلت في جغرافيات عدة، بحثاً عن استقرار مؤقت، كان هدفه فيه أن يجلس بهدوء تحت سقف آمن مع زوجته وابنته، التي باتت محور حياته في الأعوام الثلاثة الأخيرة. صار يتحدث عنها بصورة دائمة، وحوّل صفحته على فيسبوك إلى مساحة يبث فيها حبه، وفرحه بها.
 
خطر لي أن أقارن موت تمام هنيدي بموت أمجد ناصر العام 2019. هو الآخر قتله السرطان، هاجمه على غفلة، ولم يمهله كي ينهي مشاريعه الكثيرة في الكتابة والسفر. كانت اللحظة قاسية، لا عدالة فيها أمام الحياة، تشبه عملية اغتيال وغدر، على شكل طعنة في الظهر، بينما كان الشاعر غافلاً، مسترخياً، يفكر في صورة لقصيدة، أو عنوان لكتاب، أو رحلة مع أهله أو أصحابه، أو حفلة سمر في أحد الأماكن مع رفاق نهاية الأسبوع، حين يلتقون لطرد الضجر ومنعه من التسرب إلى النص الذي يعيش في بلاد بعيدة، ولم يعد يحظى بحصة كافية من أوكسجين البلاد وشمسها.
 
لم يسبق لي أن التقيت به، وهو من جيل غير جيلي شعرياً. تراسل معي العام 2016 عبر فايسبوك، ومن ثم انقطع التواصل، قبل أن يعاود الاتصال العام 2020. كنا في إسطنبول، وكان كابوس كورونا مطبقاً على العالم، ولم يسمح لنا باللقاء. لكن رسالته عبر فايسبوك بدت لي وكأنه غير مكترث بمنع التجول المفروض بسبب الوباء، شعرت بأنه يتعامل معه باستخفاف شديد، ولا يأخذه على محمل الجد، أو أنه ببساطه لم يكن يخاف منه. وقد شجعني ذلك على تخفيف احتياطاتي حول كورونا، وحرضني في الوقت نفسه على العودة إلى قراءة بعض نصوصه الشعرية، فأحسست بأني أمام شاعر ذي حساسية خاصة، ندر أن تحلى بها أحد من أبناء جيله. قلت له هذا على الهاتف حين تواصلت معه لأخبره بأني مسافر نهائياً من إسطنبول. 
 
لمست من نبرة صوته أنه خجل من مديحي، وسارع إلى ثنيي عن إكمال الفكرة التي كنت أريد أن أوصلها له. أحسست أنه مكتفٍ بقصيدته، ولن يغير في ذلك رأي الآخر. لن يزيد أو ينقص، على غير عادة الشعراء، الذين لا ينتظرون سوى الثناء على ما يكتبون، حتى لو كان كلاماً عابراً.
 
بقيت الفكرة ساكنة في رأسي، لا تتزحزح، وكنت أنتظر أن أراه وجهاً لوجه، كي أقول له إن شعره يستحق المديح والحب، وإن الشعراء الحقيقيين كالطيور البرية، ترحل ولا تعود، لكنها تترك وراءها شيئاً لا يُرى، ومكانا يظل ينتظرها، وربما لهذا تموت في أماكن بعيدة، لكن مكانها الأول يبقى خاليا يحرس الغياب. حين يرحل الآخرون يتركون وراءهم مكاناً خالياً، أما حين يرحل الشعراء فهم يخلفون الغياب القاسي، الذي يمكث عميقا كوجع الحداد الطويل، لا يخفف منه مرور الوقت. 
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث